من النفط إلى المدار: الخليج يُراهِن على اقتصادِ ما بعد الأرض

بعدما صنعت الطاقة ثروة الخليج تحت الأرض، يفتح الذكاء الاصطناعي أمامه سباقًا جديدًا يمتد إلى الفضاء. فهل تتحوّل المنطقة من مُصدِّرٍ للطاقة إلى مركزٍ يقود اقتصاد البيانات والحوسبة في عصر ما بعد الأرض؟

الخليج قد يصبح قوة عُظمى في الذكاء الاصطناعي.

الدكتور ناصر السعيدي*

يشهد الاقتصاد العالمي تحوّلًا هيكليًا متسارعًا، لم تعد فيه التكنولوجيا الرقمية قطاعًا قائمًا بذاته، بل أصبحت بنيةً أساسية تُحدّد قدرة الاقتصادات على النمو والمنافسة. فالذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة المتقدمة، وشبكات الاتصال باتت تدخل بصورة مباشرة في رفع الإنتاجية وإعادة تشكيل قطاعات تمتد من التمويل والرعاية الصحية إلى التصنيع الدقيق والمركبات ذاتية القيادة وشبكات الطاقة اللامركزية.

ويكشف حجم الأموال المتدفقة إلى هذا المجال سرعة التحوّل. ففي العام 2025، ارتفع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية الجديدة بأكثر من 80 في المئة على أساسٍ سنوي، مدفوعًا بزيادة بلغت نحو 235 مليار دولار في استثمارات مراكز البيانات وتمويل المشاريع مقارنةً بالعام 2024. ولم يعد امتلاك هذه البنية مسألة تحديث تكنولوجي فحسب، بل تحوّل تدريجًا إلى أحد مقاييس القوة الاقتصادية، تمامًا كما كان امتلاك شبكات النقل والطاقة والصناعة الثقيلة في مراحل سابقة من تطور الاقتصاد العالمي.

غير أنَّ هذه الثورة لا تتقدّم بالسرعة نفسها في كل مكان. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا، بدأت التكنولوجيا ترسم خطًا اقتصاديًا فاصلًا جديدًا بين دولٍ تمتلك رأس المال والبنية التحتية والقدرة على استيعاب الثورة الرقمية، وأخرى تواجه خطر البقاء على هامشها.

فجوة رقمية تتسع

تظهر هذه الفجوة بوضوح بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول المنطقة. فعلى مدى العقد الماضي، نمت درجة النضج الرقمي في الاقتصادات الخليجية بوتيرة بلغت نحو ضعف المعدل المسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما حافظت الإمارات والسعودية وقطر على مواقع متقدمة في مؤشرات الاقتصاد الرقمي الإقليمية.

ولا يقتصر التحوّل على الاستثمار في التكنولوجيا نفسها. فقد ساهم انتشار الخدمات المصرفية الرقمية والتكنولوجيا المالية في تحسين مستويات الشمول المالي، وفق مؤشرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، فيما حقق بعض دول المنطقة تقدُّمًا كبيرًا في رقمنة الخدمات الحكومية، إلى درجة باتت معها تضاهي اقتصادات متقدمة أو تتفوّق عليها في بعض المجالات.

ويعكس مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية الصادر عن البنك الدولي للعام 2025 حجم هذا التحوّل، إذ أظهر أنَّ أكثر من 65 في المئة من اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ تولي اهتمامًا مرتفعًا لتطوير التكنولوجيا الحكومية.

لكنَّ هذه الأرقام تخفي وراءها تفاوتًا كبيرًا.

فالاستفادة من التكنولوجيا لا تبدأ بالبرمجيات أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل بالبنية التي تسمح بتشغيلها: كهرباء مستقرة، وشبكات اتصال سريعة، ومراكز بيانات، وقدرات حوسبة، وتمويل، ورأس مال بشري قادر على استخدام التكنولوجيا وتطويرها. ولهذا يصبح توافر البنية التحتية الرقمية أحد أقوى المؤشرات إلى قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الموجة التكنولوجية الجديدة.

ومن هنا تظهر المفارقة الإقليمية. ففي الوقت الذي تستثمر دول مجلس التعاون الخليجي مليارات الدولارات في مراكز البيانات العملاقة وشركات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، تبقى اقتصادات منخفضة الدخل أو متأثرة بالنزاعات، مثل اليمن والعراق والسودان وسوريا، في المراتب المتأخرة على مؤشرات النضج الرقمي، مُقيَّدةً بضعف البنية التحتية ومحدودية الموارد المالية وعدم الاستقرار.

ولا تقتصر نتائج هذه الفجوة على اختلاف سرعة الإنترنت أو جودة الخدمات الحكومية. فالدول التي تتأخر عن الثورة الرقمية تواجه خطرًا اقتصاديًا أعمق: نموًا أبطأ في إنتاجية العمل، وقدرة أقل على جذب رأس المال، وتسارع هجرة أصحاب المهارات والكفاءات إلى الاقتصادات الأكثر تقدمًا. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحوّل الفجوة التكنولوجية إلى فجوة تنموية يصعب ردمها، تحاصر بعض الاقتصادات في أنشطة منخفضة القيمة تعتمد على السلع الأساسية ولا تستطيع خلق الوظائف النوعية التي تحتاج إليها أعداد متزايدة من الشباب.

والأخطر أنَّ الذكاء الاصطناعي قد يسرّع هذه العملية بدل أن يخففها. فالدول التي تمتلك البنية الرقمية والتمويل والمهارات تستطيع استخدامه لزيادة الإنتاجية وجذب استثمارات جديدة، فيما تتراجع القدرة التنافسية للدول التي تفتقر إلى هذه العناصر. وبذلك لا تعود الفجوة بين الطرفين ثابتة، بل تصبح فجوةً تتسع كلما تسارعت التكنولوجيا.

نموذجان يتنافسان على المستقبل الرقمي

وفي خلفية هذا التحول، تتبلور منافسة أخرى تتجاوز الشرق الأوسط، بين نموذجين مختلفين في بناء الاقتصاد الرقمي.

يقوم النموذج الأميركي بدرجة كبيرة على شركات التكنولوجيا العملاقة ورأس المال الاستثماري والمنافسة التجارية على تطوير النماذج والمنصات الأكثر تقدمًا. وقد أنتج هذا النموذج شركات تمتلك قدرات هائلة على الابتكار والاستثمار، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تركّز جانب كبير من البنية التكنولوجية والقدرات الحاسوبية في عدد محدود من الشركات.

في المقابل، تدفع الصين باتجاه نموذج مختلف يسعى إلى توسيع انتشار التكنولوجيا وخفض كلفة استخدامها، والتعامل مع أجزاء من البنية الرقمية باعتبارها أداة تنموية واسعة النطاق. وجاء إطلاق مبادرة “الذكاء الاصطناعي بلس” في آب (أغسطس) 2025 ليعزز هذا التوجه، من خلال التركيز على نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بتكاليف أقل وتوسيع الأنظمة مفتوحة المصدر.

وتقدم شركات مثل “ديب سيك” (DeepSeek) و”مونشوت إيه آي” (Moonshot AI) نماذج لهذا المسار، في وقت تربط بكين سياستها التكنولوجية بصورة متزايدة بعلاقاتها مع دول الجنوب العالمي. وقد وضع الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التوجه ضمن خطاب أوسع يدعو إلى تقليص الفجوة العالمية في الذكاء الاصطناعي واعتماد حوكمة أكثر انفتاحًا وموجهة نحو التنمية.

ولا تحتاج دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الاختيار بصورة حصرية بين النموذج الأميركي والنموذج الصيني. لكنها تحتاج إلى استخلاص درس أساسي من المنافسة بينهما: البنية الرقمية لم تعد ترفًا تكنولوجيًا يمكن تركه بالكامل لقدرة السوق أو للأفراد والشركات على شرائه.

فكما بنت الدول في القرن الماضي الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء لأنها أدركت أنَّ الاقتصاد الحديث لا يستطيع العمل من دونها، بات عليها اليوم أن تنظر إلى الاتصال الرقمي والحوسبة ومراكز البيانات والوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد.

وإذا لم تفعل ذلك، فقد لا يكون الانقسام الاقتصادي المقبل في المنطقة بين دول نفطية وغير نفطية، أو بين اقتصادات غنية وفقيرة فحسب، بل بين دول دخلت عصر الذكاء الاصطناعي وأخرى بقيت خارجه.

جهود دول مجلس التعاون الخليجي نحو الاقتصاد الرقمي 3.0

تقود السعودية والإمارات اليوم المرحلة الأكثر طموحًا من التحوّل الرقمي الخليجي، في انتقال يمكن وصفه بـ”الاقتصاد الرقمي 3.0″. ففي هذه المرحلة، لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعًا جديدًا يُضاف إلى قطاعات الاقتصاد التقليدية، بل أصبح تقنية عامة قادرة على إعادة تشكيل طريقة الإنتاج نفسها، على نحو يشبه ما أحدثته الكهرباء والمحرّك البخاري في الثورات الصناعية السابقة.

وتكشف الاستثمارات الخليجية الجديدة حجم الرهان على هذا التحوّل. فالحكومات والصناديق السيادية لم تعد تكتفي بتمويل الشركات الناشئة أو استقطاب شركات التكنولوجيا العالمية، بل انتقلت إلى بناء البنية التحتية التي يحتاج إليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

في السعودية، تعمل شركة “هيومين” (HUMAIN)، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، على تطوير مراكز بيانات متخصصة بالذكاء الاصطناعي، ضمن طموح للوصول إلى قدرة تقارب 6 جيغاواط خلال العقد المقبل. وفي الإمارات، تقود “جي 42” (G42)، المدعومة من شركة “مُبادَلة”، تطوير مشروع “ستارغيت الإمارات” بالتعاون مع “أوبن إيه آي” و”أوراكل” و”إنفيديا” و”سيسكو” و”سوفت بنك”، ضمن مجمع إماراتي-أميركي أوسع للذكاء الاصطناعي في أبوظبي تصل قدرته المستهدفة إلى 5 جيغاواط.

لكنَّ الرهان الخليجي يتجاوز امتلاك مراكز البيانات. فالهدف الاستراتيجي هو إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قلب القطاعات التي صنعت الثروة الخليجية، وفي مقدمها النفط والغاز والطاقة، واستخدامه في الوقت نفسه لتسريع الانتقال نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا.

وهذه المهمة تحتاج إلى أكثر من رأس المال. فبناء اقتصاد متكامل للذكاء الاصطناعي يتطلب توافر خمسة عناصر مترابطة: إنتاج الكهرباء على نطاق واسع، وشبكات اتصال أرضية وبحرية وفضائية عالية الكفاءة، والوصول إلى أشباه الموصلات والأجهزة المتطوّرة، وأطر قانونية حديثة تحمي الملكية الفكرية والبيانات، وأخيرًا رأس مال بشري محلي يمتلك المهارات الهندسية والعلمية اللازمة. ومن هنا تصبح سياسات التعليم وإعادة التأهيل المهني جُزءًا من استراتيجية الذكاء الاصطناعي، لا ملفًا منفصلًا عنها.

حين يلتقي الاقتصاد الرقمي بالفضاء

لكنَّ البنية الرقمية الجديدة لا تتوقف عند حدود الأرض. فالاقتصاد الحديث أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الفضاء، من أنظمة تحديد المواقع والاتصالات إلى مراقبة الأرض والدفاع وإدارة شبكات الطاقة والنقل.

ومع انخفاض تكاليف إطلاق الأقمار الاصطناعية وتزايد دخول رأس المال الخاص إلى صناعات الطيران والفضاء، بدأ اقتصاد الفضاء التجاري يتحول من نشاط شديد التخصص والكلفة إلى سوق جديدة تتنافس عليها الحكومات والشركات.

وقد التقطت دول مجلس التعاون الخليجي هذا التحوّل مُبكرًا نسبيًا، فأطلقت برامج وطنية للأقمار الاصطناعية، واستثمرت في تكنولوجيا الفضاء ومراقبة الأرض، فيما تفتح كوكبات الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض إمكانات إضافية لتوفير الاتصال السريع في المناطق والأسواق التي لا تصل إليها البنية التقليدية بسهولة.

وهنا يبدأ التقاء ثورتين كانتا تبدوان، حتى وقت قريب، منفصلتين: الذكاء الاصطناعي واقتصاد الفضاء.

لكن لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء؟

المفارقة أنَّ الذكاء الاصطناعي، على الرغم من طبيعته الرقمية، يصطدم اليوم بقيود مادية شديدة الواقعية.

فالنماذج الأكثر تطورًا تحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة، وهذه تحتاج بدورها إلى مراكز بيانات عملاقة تستهلك مساحات واسعة وكميات ضخمة من الكهرباء والمياه. ويمكن أن تتجاوز مساحة أكبر مراكز البيانات فائقة الحجم ألف فدان، فيما تضم آلاف الخوادم التي تعمل بصورة متواصلة.

وقد يحتاج مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي إلى 100 ميغاواط أو أكثر من الكهرباء، وهي كمية تعادل تقريبًا استهلاك عشرات آلاف المنازل، وقد يصل استهلاكه من المياه المستخدمة في عمليات التبريد إلى ملايين الغالونات يوميًا.

ثم تأتي مشكلة الحرارة. فالقسم الأكبر من الكهرباء التي تستهلكها الخوادم وأنظمة الحوسبة يتحوّل في النهاية إلى حرارة ينبغي التخلص منها. وهذه ليست مشكلة تقنية ثانوية، بل أحد القيود الأساسية أمام التوسّع المستقبلي لمراكز البيانات.

بالنسبة إلى دول الخليج، تُقدّم وفرة الإشعاع الشمسي ميزة مهمة تتيح تشغيل نسبة متزايدة من مراكز البيانات بالطاقة المتجددة، ما يفتح الباب أمام تطوير ما يسمى “مراكز البيانات الخضراء”. لكنَّ المفارقة أنَّ البيئة الصحراوية التي توفر الشمس توفر أيضًا درجات حرارة مرتفعة تجعل تبريد رفوف الخوادم عالية الكثافة أكثر صعوبة وكلفة، وتضيف ضغوطًا جديدة على موارد المياه والطاقة.

وهكذا يصل الاقتصاد الرقمي إلى حقيقة تبدو متناقضة: كلما أصبح العالم أكثر افتراضية، ازدادت حاجته إلى موارد مادية حقيقية.

مراكز البيانات تغادر الأرض

ومن هنا تبرز فكرة كانت تبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: نقل جزء من مراكز البيانات إلى الفضاء.

بدأت شركات مثل “ستار كلاود” (Starcloud) و”لومن أوربِت” (Lumen Orbit) بالفعل استكشاف إمكانية إنشاء بنية حوسبة في المدار الأرضي المنخفض، بحيث تعمل الخوادم خارج شبكات الكهرباء الأرضية، وتستفيد من الطاقة الشمسية، وتتجنب استخدام المياه في أنظمة التبريد التقليدية.

الفكرة مُغرية، وخصوصًا مع الارتفاع المتوقع في الطلب على الطاقة نتيجة التوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي. فإذا أمكن تنفيذها اقتصاديًا، قد تنتقل بعض عمليات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر استهلاكًا للطاقة من مراكز البيانات الأرضية إلى منشآت حوسبة مدارية.

لكنَّ الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا. فهناك تحديات تتعلق بتطوير رقائق إلكترونية قادرة على تحمُّل الإشعاع، وصيانة المعدات واستبدالها، ونقل البيانات بسرعة وأمان بين الأرض والمدار، فضلًا عن الكلفة والآثار البيئية لعمليات إطلاق الأقمار الاصطناعية وعودتها، بما في ذلك تأثيراتها المحتملة في الغلاف الجوي وطبقة الأوزون.

غير أنَّ التحدي الأكثر تعقيدًا قد لا يكون هندسيًا أصلًا.

لمَن تنتمي البيانات في الفضاء؟

إذا انتقلت مراكز البيانات إلى المدار، تنتقل معها واحدة من أعقد قضايا الاقتصاد الرقمي: السيادة على البيانات.

تقوم القوانين الحالية في معظمها على الجغرافيا. فمكان وجود الخوادم، وجنسية الشركة المشغِّلة، ومكان وجود المستخدمين، تحدد جميعها القواعد التي تحكم تخزين البيانات وحمايتها والوصول إليها. لكن ماذا يحدث عندما يصبح مركز البيانات خارج أراضي الدول؟

لنتصوّر مركز بيانات مداريًا مسجّلًا في لوكسمبورغ، تديره شركة فضاء إماراتية، ويستخدم برامج سحابية أميركية لمعالجة معاملات مؤسسة مالية يابانية تتضمن بيانات مواطنين أوروبيين. فإذا تعرّض المركز لهجوم إلكتروني ترعاه دولة، أو اصطدم بحطام فضائي وأدى ذلك إلى خسارة بيانات ضخمة، فمَن يتحمّل المسؤولية؟ وأي قانون يُطبَّق؟ ومَن يمتلك حق الوصول إلى البيانات أو فك تشفيرها؟

المعاهدات الدولية القائمة لم تُصمم للإجابة عن هذه الأسئلة. وهكذا يمكن أن تسبق التكنولوجيا القانون مرة أخرى، ولكن هذه المرة على ارتفاع مئات الكيلومترات فوق الأرض.

الخليج أمام فرصة تتجاوز الاستثمار

من المرجح، لذلك، ألّا يكون مستقبل البنية الرقمية أرضيًا بالكامل ولا فضائيًا بالكامل، بل هجينًا. فقد تستمر مراكز البيانات الخضراء على الأرض في إدارة الحوسبة والخدمات التي تحتاج إلى قربٍ جغرافي وسرعة استجابة عالية، فيما يمكن مستقبلًا نقل بعض عمليات تدريب النماذج فائقة الاستهلاك للطاقة إلى منصّاتٍ مدارية.

وهنا تظهر أمام دول الخليج فرصة تتجاوز الاستثمار في التكنولوجيا الجاهزة.

فإذا كانت السعودية والإمارات تطمحان إلى أن تُصبحا مركزين عالميين للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، فلا ينبغي أن يقتصر دورهما على شراء تقنيات الحوسبة المدارية حين تصبح متاحة تجاريًا. يمكنهما المشاركة منذ الآن في صياغة القواعد التي ستحكمها.

ويعني ذلك تطوير قوانين حماية البيانات لتستوعب المعالجة خارج الأرض، ووضع معايير واضحة للسيادة الرقمية وتوطين البيانات، والاستثمار السيادي في التقنيات ذات الاستخدام المزدوج التي تربط الطاقة النظيفة والاتصالات الفضائية والحوسبة المتقدّمة.

فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط على امتلاك أكبر مركز بيانات أو أقوى نموذج للذكاء الاصطناعي. ستكون أيضًا على مَن يبني البنية التحتية التي يعمل فوقها الاقتصاد الرقمي، ومَن يضع القواعد التي تحكمها.

لقد بنت دول الخليج جانبًا كبيرًا من ثروتها ومكانتها العالمية على الطاقة الموجودة تحت أراضيها. واليوم تستثمر كي تصبح لاعبًا رئيسيًا في اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي فوق تلك الأرض.

أما الخطوة التالية فقد تكون أكثر طموحًا: الانتقال من تصدير الطاقة إلى المساهمة في قيادة اقتصاد رقمي يمتد من الأرض إلى المدار.

  • الدكتور ناصر السعيدي هو رئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، وكبير الاقتصاديين السابق في مركز دبي المالي العالمي، وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الأسبق في لبنان، ونائب محافظ مصرف لبنان المركزي، ومستشار اقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى