إيران تُعيدُ بناءَ هرم القوة: “عقيدةُ البقاء” بعد الحرب
من هيئة الأركان والحرس الثوري إلى مجلس الأمن القومي والبحرية و”الباسيج”، تكشف التعيينات الجديدة نظامًا قادرًا على تعويض قادته، لكنه يعود إلى رجال الثورة والحرب كلما اشتدت المخاطر. والسؤال لم يعد فقط مَن يقود إيران في المواجهة المقبلة، بل أيُّ منظومة أمنية تبنيها طهران كي لا تتحوّل الحرب الخارجية إلى أزمة بقاء في الداخل.

هشام الجعفري*
لا تبدو التغييرات المتسارعة في هرم القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية مجرّد عملية لملء الفراغات التي خلّفتها الحرب ومقتل عدد من كبار القادة. فالتعيينات التي طالت هيئة الأركان العامة والحرس الثوري وقيادته البحرية وقوات “الباسيج”، وصولًا إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، تأتي في لحظةٍ تتعرّض فيها الجمهورية الإسلامية لضغوطٍ متزامنة في الخارج والداخل، ما يمنح اختيار الأشخاص وتوزيعهم على مراكز القوة دلالة تتجاوز التعاقب الوظيفي المعتاد.
ويُعزّز هذه القراءة تعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد فيه. فرضائي، الذي قاد الحرس الثوري بين عامي 1981 و1997 وعبر معظم سنوات الحرب الإيرانية-العراقية، يمثّل أحد أبرز وجوه جيل التأسيس والحرب. وعودته إلى قلب صناعة القرار الأمني لا تعني بالضرورة تحوّلًا في السياسة الإيرانية، لكنها تنسجم مع نمطٍ أوسع يقوم على استدعاء أصحاب الخبرة الطويلة إلى المواقع الأكثر حساسية عندما تتصاعد المخاطر.
صحيح أنَّ جانبًا من هذه التغييرات فرضته الضرورة. فالحروب تقتل القادة، والاغتيالات تفتح مواقع شاغرة، وأيُّ دولة تخوض مواجهة ممتدّة تحتاج إلى إعادة ترميم سلسلة القيادة بسرعة. كما إنَّ الأنظمة التي تواجه تهديدات وجودية تميل عادة إلى الاعتماد على شخصيات تعرفها واختبرتها بدل المجازفة بقيادات لم تتأكد بعد من قدرتها أو ولائها.
لكن الضرورة وحدها لا تفسّر الصورة كاملة.
فاللافت في عدد من الاختيارات الإيرانية ليس صعود جيل جديد يمثل انتقالًا واضحًا داخل المؤسسة العسكرية، بل الحضور القوي لشخصياتٍ مخضرمة تَشَكَّلَ وعيها السياسي والأمني في العقود الأولى للجمهورية الإسلامية، واكتسبت خبراتها بين ثورة 1979 والحرب الإيرانية-العراقية والعمل الاستخباراتي والعمليات الخارجية ومواجهة الاضطرابات الداخلية.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية لأنَّ طهران لا تواجه تهديدًا واحدًا. فالضغط العسكري الخارجي يتقاطع مع الاختراق الاستخباراتي، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتحدّي الحفاظ على تماسك النخبة ومؤسسات القوة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز هوية القادة الجدد: هل تُعيدُ إيران بناء قواتها المسلحة بعد الحرب، أم تعيد بناء منظومة أمنية أكثر ملاءمة لحماية النظام في مرحلة باتت فيها الحدود بين الحرب الخارجية والأزمة الداخلية أقل وضوحًا؟
عودة جيل التأسيس
يُقدّم علي عبد اللهي نموذجًا واضحًا لهذه الاستمرارية. فهو ينتمي إلى الجيل الذي ارتبط مُبكرًا بالمؤسّسات الأمنية التي تشكّلت بعد ثورة 1979، قبل انتقاله إلى الحرس الثوري وتدرّجه في مواقع عسكرية وأمنية وصولًا إلى المستويات العليا في المؤسسة العسكرية.
وسبق أن أدرجته الولايات المتحدة على قوائم العقوبات في كانون الثاني (يناير) 2020، ضمن حزمة شملت مسؤولين إيرانيين كبارًا بموجب الأمر التنفيذي الأميركي المتعلق بمسؤولين عيّنهم المرشد الأعلى. وكان عبد اللهي يشغل منذ عام 2016 منصب نائب التنسيق في هيئة الأركان العامة، بعدما شغل مواقع أمنية وعسكرية أخرى.
لكن أهمية عبد اللهي في المشهد الراهن لا تكمن في العقوبات الأميركية بقدر ما تكمن في طبيعة المسار الذي أوصله إلى القمة. فاختيار شخصية من هذا النوع يكشف القيمة التي تمنحها القيادة الإيرانية للجمع بين الخبرة والثقة السياسية.
والخبرة في بنية الجمهورية الإسلامية لا تعني الكفاءة العسكرية التقنية وحدها. إنها تشمل المعرفة بشبكات السلطة، وفهم العلاقة بين المؤسسات، والقدرة على العمل داخل نظام تتداخل فيه المستويات العسكرية والأمنية والسياسية، فضلًا عن سجلٍّ طويل يسمح للقيادة بتقدير أداء المسؤول وولائه في أوقات الأزمات.
ويضيف كيومارس حيدري بُعدًا آخر إلى الصورة. فالقائد السابق للقوات البرية في الجيش النظامي يأتي من مؤسسة لطالما قُدمت باعتبارها أكثر مهنية وأقل إيديولوجية من الحرس الثوري.
غير أنَّ مواقفه السابقة من الاضطرابات الداخلية تكشف أنَّ المسافة بين الجيش والأمن الداخلي ليست مطلقة. ففي مقابلة نُشِرَت عام 2021، تحدّث حيدري عن مشاركة القوات البرية في مواجهة اضطرابات عام 2018 بوصفها من المهمات التي تفخر المؤسسة بأدائها. وخلال احتجاجات 2022، نُقلت عنه تصريحات شديدة اللهجة بحق المحتجّين، مقرونة بإشارة إلى استعداد القوات للتحرُّك وفق توجيهات القيادة العليا.
ولا يعني ذلك أنَّ الجيش النظامي أصبح نسخة من الحرس الثوري. فالمؤسستان تحتفظان بتاريخين ووظيفتين وثقافتين مختلفتين. لكنه يشير إلى حقيقة أكثر أهمية: عندما تنظر القيادة إلى اضطراب الداخل باعتباره تهديدًا لاستقرار النظام، تصبح الحدود بين الدفاع عن الدولة وحماية النظام السياسي أكثر قابلية للتداخل.
ويحمل صعود أحمد وحيدي إلى قيادة الحرس الثوري دلالة مختلفة. فسيرته تمرُّ عبر بعض أكثر مؤسسات الجمهورية الإسلامية حساسية. وقد ارتبط مبكرًا بالعمل الاستخباراتي والعمليات الخارجية للحرس، وشغل مواقع في “فيلق القدس”، قبل انتقاله لاحقًا إلى مناصب سياسية وعسكرية عليا، من بينها وزارتا الدفاع والداخلية.
ويرتبط اسم وحيدي أيضًا بأحد أكثر الملفات الإيرانية إثارة للجدل دوليًا: تفجير مركز “آميا” اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، الذي أدى إلى مقتل 85 شخصًا. وقد أصدر الإنتربول بحقه نشرة حمراء بناءً على طلب السلطات الأرجنتينية في إطار التحقيق في تورّطه المزعوم في الهجوم. وهذه النشرة ليست حُكمًا بالإدانة أو مذكّرة توقيف دولية مستقلة، وإنما طلب للتعاون في تحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتًا استنادًا إلى إجراءات قضائية وطنية.
ولا تكمن أهمية هذه الخلفية في استعادة الملفات القديمة لذاتها، بل في ما تقوله عن نوع الخبرة التي تستدعيها طهران اليوم.
فإذا كانت القيادة تتوقع مرحلة تتداخل فيها المواجهة العسكرية المباشرة مع الاختراق الاستخباراتي والعمليات السرية والحرب غير المتكافئة، فإنَّ الخبرة المطلوبة لن تكون خبرة قائد عسكري تقليدي فحسب.
وينتمي مصطفى إيزادي بدوره إلى الجيل المخضرم داخل المؤسسة العسكرية للحرس، وله تاريخٌ طويل في مواقع القيادة والعمل داخل منظومة القوات المسلحة. لكن، في ظلِّ تفاوت قوة المصادر المتاحة حول بعض تفاصيل موقعه الجديد، تكفي الإشارة إليه بوصفه جزءًا من نمط أوسع لعودة أصحاب الخبرة الطويلة، من دون تحميل تعيينه وحده استنتاجات تتجاوز ما هو مثبت.
أما بروز علي أزمايي بوصفه القائد الجديد للقوة البحرية للحرس خلفًا لعلي رضا تنغسيري، فيمكن قراءته أولًا في إطار التعاقب الذي فرضته خسائر الحرب. وقد ظهر أزمايي بهذه الصفة في الإعلام الإيراني، فيما كان اسمه مدرجًا أصلًا على قوائم العقوبات الأميركية المرتبطة بقيادات في القوة البحرية للحرس.
وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة لأنَّ بحرية الحرس ليست قوة بحرية تقليدية فحسب؛ فقد طوّرت على مدى عقود عقيدة تعتمد بدرجة كبيرة على أدوات الحرب غير المتكافئة، بما فيها الزوارق السريعة والصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على ممارسة الضغط في الممرات البحرية، وفي مقدمها مضيق هرمز.
وهكذا، لا تكشف هذه الأسماء عن استراتيجية جديدة بالضرورة إذا نظرنا إلى كلٍّ منها منفردًا. لكن عندما تتكرّر الخصائص نفسها —الخبرة الطويلة، والولاء المختبر، والعمل الأمني والاستخباراتي، والخبرة في الحرب غير النظامية— عبر مواقع حساسة، يصبح النمط أكثر دلالة من التعيين الفردي.
“الباسيج”: عينُ النظام على الداخل
إذا كان من الممكن تفسير بعض التعيينات بمنطق الاستمرارية العسكرية، فإنَّ عودة حسين طائب إلى قيادة قوات “الباسيج” تستحق قراءة مختلفة.
فطائب ليس قائدًا ميدانيًا تقليديًا. لقد أمضى عقودًا داخل المنظومة الأمنية والاستخباراتية المرتبطة بالحرس الثوري، وتولّى سابقًا مسؤوليات بارزة في جهاز استخبارات الحرس، ما جعله من الشخصيات ذات الخبرة الطويلة في مكافحة التجسس ومراقبة خصوم الجمهورية الإسلامية.
وفرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات عام 2010 على خلفية انتهاكات لحقوق الإنسان. وقالت وزارة الخزانة الأميركية آنذاك إنَّ “الباسيج”، خلال الفترة التي كان يتولى فيها طائب قيادتها، شاركت في أعمال عنف واعتقالات استهدفت المحتجين عقب انتخابات عام 2009.
لكن الدلالة الأهم لعودته لا تتعلق بسجله الشخصي وحده. إنها تتعلق بـ”الباسيج” نفسها.
فاختزال هذه المؤسسة في كونها قوة شبه عسكرية لا يفسّر موقعها داخل النظام الإيراني. فهي شبكة واسعة تجمع بين التعبئة الإيديولوجية والاحتياط البشري والحضور الاجتماعي والتنظيمي، ولها امتدادات في الأحياء والجامعات والمؤسسات ومواقع العمل، فضلًا عن دورها المتكرر في مساعدة الدولة على احتواء الاحتجاجات.
وهذه الطبيعة تمنحها وظيفة تختلف عن وظيفة الوحدة العسكرية التقليدية.
فالقوات المسلحة تحمي الحدود والمنشآت وتواجه الخصم الخارجي، بينما تمنح شبكة ممتدة داخل المجتمع مثل “الباسيج” النظام قدرة على متابعة المجال الداخلي والتعبئة السريعة والوصول إلى البيئات المحلية والتدخّل عندما يتحوّل التوتّر الاجتماعي إلى تحدٍّ أمني.
لذلك فإنَّ إعادة شخصية ذات خبرة طويلة في الاستخبارات ومكافحة التجسس إلى قيادة هذه المؤسسة تحمل دلالة يصعب تجاهلها: طهران لا تنظر إلى الخارج وحده عندما تُعيدُ ترتيب مؤسسات القوة؛ إنها تنظر أيضًا إلى ما يمكن أن تفعله الحرب في الداخل.
وهنا ربما يوجد المفتاح الأهم لفهم مجمل التغييرات.
حين تلتقي الجبهتان: “عقيدة البقاء”
لا تتمثل المشكلة الإيرانية في مواجهة مجموعة من التهديدات المنفصلة، بل في احتمال أن تتفاعل هذه التهديدات وتضاعف تأثير بعضها بعضًا.
فالضربة العسكرية الخارجية قد تلحق أضرارًا بالقدرات الدفاعية، لكنها تستطيع أيضًا زيادة الضغط على الاقتصاد والبنية التحتية. والتدهور الاقتصادي يمكن أن يرفع مستوى الاستياء الاجتماعي. والاستياء قد يتحوّل إلى احتجاج. والاحتجاج الواسع يستنزف أجهزة الأمن ويضع السلطة أمام خيارات صعبة بين الاحتواء والقمع. أما الاختراق الاستخباراتي فلا يهدد المنشآت والقادة وحدهم، بل يستطيع أيضًا هز الثقة داخل المؤسسات وفتح باب الشك في الولاءات والتسريبات وقدرة الأجهزة على حماية الدائرة العليا للنظام.
والخسائر العسكرية بدورها لا تقاس بعدد القادة أو المعدّات المفقودة فقط. إذ يمكن أن تصيب إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها الأنظمة السلطوية في تثبيت السيطرة: صورة القدرة.
فالردع ليس صواريخ وطائرات فقط. هناك أيضًا عنصر نفسي وسياسي يقوم على إقناع الخصوم والمجتمع بأنَّ الدولة تعرف ما يجري، وأنَّ أجهزتها قادرة على التحكُّم في مسار الأحداث.
وحين تتعرّض هذه الصورة للاهتزاز، يمكن أن تنتقل آثار الفشل العسكري من ساحة المعركة إلى المجال السياسي الداخلي.
من هنا تصبح الحرب والاقتصاد والاحتجاج والاختراق الاستخباراتي، من منظور السلطة، أجزاء من سلسلة مخاطر واحدة: الحرب تضغط على الاقتصاد؛ الاقتصاد يُغذّي الاحتجاج؛ الاحتجاج يستدعي القمع؛ القمع قد يوسّع الاستياء؛ والاختراق الخارجي يستطيع استغلال كل حلقة من هذه الحلقات.
بهذا المعنى، يمكن وصف ما يتشكّل في طهران بأنه ملامح “عقيدة البقاء الأمني”.
ولا يتعلق الأمر بعقيدة رسمية أعلنتها الجمهورية الإسلامية بهذا الاسم. إنه إطارٌ تحليلي لفهم اتجاه التعيينات والسلوك المؤسسي: منظومة تنظر إلى الحرب الخارجية والاختراق الاستخباراتي والاضطراب الداخلي باعتبارها ساحات مختلفة لتهديد واحد محتمل، هو فقدان النظام السيطرة على الدولة.
وتدعم تقارير صحافية حديثة هذا الاتجاه العام، إذ تشير إلى إعادة تشكيل الجهاز العسكري والأمني في ظل الاستعداد لمواجهة ممتدة، بالتوازي مع تعزيز أدوات السيطرة الداخلية.
وهذا يساعد في تفسير الخريطة الجديدة.
فالقيادة العسكرية العليا توفّر الاستمرارية والتنسيق. والحرس يحتفظ بأدوات الردع والعمليات غير المتكافئة. وبحرية الحرس تتولى جبهة حساسة تمتد إلى هرمز. وتوفر الأجهزة الاستخباراتية ومكافحة التجسس أدوات مواجهة الاختراق. أما “الباسيج” فتمنح النظام شبكة التعبئة والاحتياط والحضور داخل المجتمع إذا انتقل الضغط من الحدود إلى الشارع.
ولا يعني ذلك أنَّ هذه المؤسسات اندمجت في جهاز واحد أو فقدت وظائفها المستقلة. التحوُّل الأكثر أهمية قد يكون أعمق من ذلك:
ساحات التهديد نفسها بدأت تندمج في عقل النظام.
وبالتالي تصبح حماية الحدود، وحماية القيادة، ومكافحة التجسس، واحتواء الاحتجاج، والحرب غير النظامية، وظائف مختلفة داخل مفهوم أوسع للأمن والبقاء.
قوة النظام واختبار الانتقال بين الأجيال
تكشف إعادة بناء هرم القوة، مع ذلك، عن مفارقة يصعب تجاهلها.
فمن جهة، أظهرت الجمهورية الإسلامية قدرة مؤسسية واضحة على امتصاص خسارة قادة كبار وإعادة ملء المواقع الحساسة بسرعة نسبية.
وهذه علامة قوة حقيقية.
فالأنظمة التي تعتمد اعتمادًا مفرطًا على أفراد بعينهم قد تدخل في حالة شلل عندما تفقدهم. أما إيران فقد بنت خلال أكثر من أربعة عقود طبقات من المؤسسات والإجراءات والكوادر تسمح باستمرار سلسلة القيادة حتى بعد تعرّضها لضربات قاسية.
ولذلك سيكون من الخطَإِ تفسير كل خسارة في قمة الهرم باعتبارها مقدمة تلقائية لانهيار النظام.
لكن أسماء البدلاء تكشف الوجه الآخر للمسألة.
فكلما ارتفعت حساسية الموقع واشتدّت الأزمة، تبدو القيادة أكثر ميلًا إلى العودة إلى دائرة مألوفة من الشخصيات التي صنعتها الثورة والحرب والحرس والأجهزة الأمنية. وتعيين محسن رضائي في قلب مجلس الأمن القومي يزيد هذا الاتجاه وضوحًا، من دون أن يعني بالضرورة أنَّ الجيل الأصغر غائب عن مؤسسات الدولة.
وهنا يظهر السؤال الذي قد يكون أهم من التعيينات نفسها: يستطيع النظام استبدال القائد، لكن هل يستطيع استبدال الجيل؟
الفرق بين الأمرين كبير.
العثور على مسؤول يشغل منصبًا عسكريًا شاغرًا يعني أنَّ المؤسسة لا تزال تعمل. أما إنتاج أجيال متعاقبة تجمع، في نظر القيادة، بين الكفاءة المهنية والولاء السياسي والخبرة الأمنية والثقة الشخصية، فهو اختبار أكثر تعقيدًا.
ولا ينبغي أن تتحوّل عودة المخضرمين تلقائيًا إلى دليل على عدم وجود جيل جديد. فقد يكون اختيارهم في زمن الحرب نابعًا ببساطة من تفضيل الخبرة والوجوه المختبرة عندما تصبح كلفة الخطَإِ مرتفعة.
لكن تكرار الظاهرة يطرح سؤالًا مشروعًا حول اتساع قاعدة الأشخاص الذين تعتبرهم القيادة مؤهّلين وموثوقين بما يكفي لإدارة أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
ومن هنا تصبح قضية الانتقال بين الأجيال أوسع من موقع المرشد الأعلى.
فالأنظمة لا تُجدِّد نفسها باستبدال الرجل الموجود في القمة وحده. عليها أيضًا أن تجدد الطبقات التي تحيط به وتحمل الدولة: الجيش والحرس والاستخبارات والأجهزة الأمنية والبيروقراطية والمؤسسات السياسية.
وكلما احتاج النظام، في لحظات الخطر، إلى العودة إلى رجال تشكّلت خبرتهم الأساسية في الثورة والحرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، ازداد السؤال إلحاحًا حول الجيل الذي سيأتي بعدهم.
وهذه هي المفارقة الأهم في إعادة الهيكلة الحالية.
فالتعيينات تثبت أنَّ الجمهورية الإسلامية تمتلك مرونة مؤسسية تسمح لها بالاستمرار، لكنها لا تجيب بعد عن سؤال قدرتها على التجدد.
والاثنان ليسا الشيء نفسه.
لقد أثبت النظام الإيراني على مدى عقود قدرة كبيرة على التكيُّف مع العقوبات والحروب والاغتيالات والاحتجاجات والصراعات الداخلية. وهذه الخبرة المتراكمة جُزءٌ أساسي من تفسير بقائه.
لكن البيئة التي يواجهها اليوم مختلفة أيضًا. فالحرب التقليدية والضربات الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والاختراق الاستخباراتي والضغط الاقتصادي والاحتجاج الاجتماعي تستطيع أن تتفاعل بسرعة لم تكن متاحة بالدرجة نفسها لجيل الثورة الأول.
لذلك فإنَّ الاستعانة بالخبرة القديمة قد تساعد النظام على اجتياز الأزمة الحالية، لكنها لا تعفيه من السؤال الأصعب: هل تستطيع مؤسسات تأسست لحماية ثورة عمرها عقود أن تتجدّد بالسرعة الكافية لمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين؟
من هنا، لا ينبغي قراءة التعيينات الجديدة باعتبارها دليل قوة أو ضعف بصورة مطلقة.
إنها تكشف الاثنين معًا: قوة نظام راكم خبرة استثنائية في البقاء تحت الضغط، وحذر نظام يبدو أكثر ارتياحًا إلى الرجال الذين يعرفهم والأدوات التي اختبرها عندما يشعر بأنَّ المخاطر تقترب من مركز السلطة.
ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: مَن سيقود إيران في الحرب المقبلة؟
السؤال الأهم هو: أي منظومة أمنية تبنيها الجمهورية الإسلامية كي تضمن أنَّ الحرب المقبلة، إذا اندلعت، لا تنتقل من مواجهة مع الخارج إلى أزمة بقاء في الداخل؟
وربما تكمن دلالة التعيينات الأخيرة كلها في هذه المفارقة: طهران أثبتت أنها تستطيع استبدال رجالها اليوم؛ أما الاختبار الأصعب فهو ما إذا كانت تستطيع استبدال جيلها غدًا.
- هشام الجعفري هو مراسل “أسواق العرب” في طهران.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.