من ساحة صراع إلى عقدة عبور: كيف تُراهن دمشق على الجغرافيا لاستعادةِ دَورِها الإقليمي

لم تعد الحكومة السورية تنظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل كمدخل لإعادة صياغة موقع البلاد في الإقليم. فمن خلال الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية وممرات النقل، تسعى دمشق إلى تحويل الجغرافيا السورية إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي.

موانئ دبي تطور مرفأ طرطوس: بوابة جديدة لسوريا على العالم.

نجاة عزيز إبراهيم*

لطالما تعامل نظام عائلة الأسد مع الموقع الجغرافي لسوريا باعتباره أصلًا أمنيًا أكثر منه رصيدًا اقتصاديًا. فعلى امتداد عقود، هيمنت اعتبارات الأمن الداخلي وبقاء النظام على مقاربة الدولة لموقعها الاستراتيجي، ما حال دون توظيفه في بناء شبكة تكامل اقتصادي مع محيطها الإقليمي، رغم وقوع البلاد عند تقاطع الخليج وتركيا والعراق والبحر الأبيض المتوسط. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، ازدادت هذه الفرصة ضياعًا؛ إذ انهارت طرق التجارة، وتراجعت الاستثمارات، وتحوّلت سوريا من معبر إقليمي حيوي إلى مساحة معزولة خارج حركة الاقتصاد الإقليمي.

اليوم، تسعى حكومة أحمد الشرع إلى تبنّي مقاربة مختلفة تقوم على إعادة تعريف الجغرافيا السورية بوصفها رافعة للتعافي الاقتصادي واستعادة الدور الإقليمي. ورغم استمرار التحدّيات الأمنية، بات الانفتاح الاقتصادي يُطرَح كأحد أعمدة تثبيت الدولة، فيما تُوظَّف مشاريع البنية التحتية والطاقة والربط الإقليمي ليس فقط لخدمة جهود إعادة الإعمار، بل أيضًا كأدوات لإعادة دمج سوريا في محيطها السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الرهان على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يمتد إلى بناء شبكة مصالح اقتصادية مشتركة تجعل استقرار سوريا مصلحة مباشرة لدول الجوار وشركائها.

وجاءت التطوّرات الإقليمية الأخيرة لتعزّز هذا التوجُّه. فقد دفعت الاضطرابات التي طالت حركة الملاحة البحرية في الخليج، على خلفية التوترات المرتبطة بإيران، الحكومات والمستثمرين إلى إعادة تقييم أمن مسارات التجارة التقليدية. ومع تزايد المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بمضيقَي هرمز وباب المندب، برز اهتمام متزايد بالبدائل البرية القادرة على ربط منتجي الطاقة في الخليج بموانئ البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، استعادت الجغرافيا السورية أهميتها الاستراتيجية، ليس لأنَّ موقعها تبدّل، بل لأنَّ التحوّلات في البيئة الإقليمية تغيرت وأعادت اكتشاف القيمة الاقتصادية والسياسية التي طالما منحها هذا الموقع.

الديبلوماسية الاقتصادية كأداة لإعادة التأهيل السياسي

لم يكن التحدّي الذي واجه حكومة أحمد الشرع بعد وصولها إلى السلطة اقتصاديًا فحسب، بل كان سياسيًا أيضًا. فخلفية الشرع والقيادة الجديدة أثارت في البداية قدرًا كبيرًا من الحذر لدى العواصم العربية والغربية، في ظل المخاوف المرتبطة بعلاقات سابقة مع تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، فضلًا عن الغموض الذي أحاط بمستقبل السياسة السورية. إلّا أنَّ دمشق سعت منذ وقت مبكر إلى معالجة هذه الهواجس عبر تبنّي مقاربة ديبلوماسية تقوم على البراغماتية الاقتصادية، بدلًا من الخطابات الإيديولوجية التي طبعت علاقاتها الخارجية في مراحل سابقة.

وانطلاقًا من هذه المقاربة، ركّزت القيادة السورية الجديدة على طمأنة دول الجوار، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر والعراق، بأنَّ سوريا ما بعد الأسد تنوي بناء علاقاتها الإقليمية على أساس المصالح الاقتصادية المشتركة. وجاءت اللقاءات رفيعة المستوى مع هذه الدول مترافقة مع دعوات للاستثمار في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، في محاولة لإبراز صورة دولة تسعى إلى الاندماج في الاقتصاد الإقليمي، لا إلى إعادة إنتاج عزلتها السياسية.

وتبرز العلاقة مع العراق بوصفها أحد أوضح الأمثلة على هذا التحوُّل. فقد كان المسؤولون العراقيون من بين أوائل الزائرين لدمشق عقب سيطرة “هيئة تحرير الشام” بقيادة الشرع على العاصمة في كانون الأول (ديسمبر) 2024، وأسهمت تلك اللقاءات في تخفيف جانب مهم من المخاوف المتبادلة. ثم اكتسب هذا التقارب بُعدًا عمليًا مع اندلاع أزمة الملاحة في الخليج؛ فعندما أدّى الحصار الإيراني لمضيق هرمز في آذار (مارس) 2026 إلى إرباك صادرات النفط العراقية، عرضت دمشق استخدام موانئها على البحر الأبيض المتوسط كمنفذ بديل لشحن شحنات النفط الخام. ورُغمَ أنَّ القيود اللوجستية حدّت من حجم الاستفادة الفعلية من هذا الخيار، فإنَّ المبادرة حملت دلالة سياسية واقتصادية مهمة، إذ قدّمت سوريا نفسها باعتبارها شريكًا قادرًا على المساهمة في تعزيز أمن الإمدادات الإقليمية. وفي السياق ذاته، تعكس المناقشات الجارية بشأن إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك–بانياس رؤية أوسع لإحياء شبكات الترابط الاقتصادي التي لطالما شكلت إحدى ركائز الجغرافيا الاقتصادية للمشرق.

استثمارات الطاقة كأداة في فن إدارة الدولة

لا تنظر دمشق إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية بوصفه وسيلة لتسريع التعافي الاقتصادي فحسب، بل باعتباره أداة لإعادة بناء شبكة من المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة باستقرار سوريا. فمن منظور الحكومة، لا يقتصر أثر مشاريع البنية التحتية الكبرى على إعادة تشغيل الاقتصاد، بل يمتد إلى خلق شركاء خارجيين لديهم مصلحة مباشرة في نجاح الدولة واستقرارها على المدى الطويل.

وانطلاقًا من هذا التصوُّر، توسعت استراتيجية الحكومة لتشمل طيفًا واسعًا من القطاعات والشركاء الدوليين. ففي قطاع الكهرباء، تقود شركة “يو سي سي القابضة”  (UCC Holding)، ومقرها قطر، تحالفًا استثماريًا تعهّدَ بضخِّ نحو سبعة مليارات دولار لإعادة تأهيل منظومة توليد الكهرباء. وفي الوقت نفسه، وقعت شركات طاقة كبرى من قطر وفرنسا والولايات المتحدة مذكرات تفاهم لإجراء أعمال استكشاف تجاري، في محاولة لإحياء قطاع النفط والغاز الذي لا يزال إنتاجه يدور حول ربع مستوياته قبل الحرب. ويؤدي انخراط شركات خليجية وتركية وأوروبية وأميركية في هذه المشاريع إلى توسيع دائرة الجهات ذات المصالح الاقتصادية داخل سوريا، بما يعزز الحوافز الإقليمية والدولية للحفاظ على استقرارها.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية الجيواقتصاد في إدارة الدولة. فالبنية التحتية لم تعد مجرد مشروع تنموي أو وسيلة لإعادة الإعمار، بل أصبحت أداة للسياسة الخارجية وبناء النفوذ. ومن خلال اتفاقيات الاستثمار، تحصل سوريا على رأس المال الذي تحتاج إليه لإعادة تشغيل اقتصادها، وفي الوقت نفسه تعمّق انخراط القوى الإقليمية والدولية في مسارها السياسي والاقتصادي، بما يدعم جهودها لاستعادة موقعها في النظام الإقليمي.

وينطبق المنطق ذاته على التعاون المتسارع مع المستثمرين الخليجيين. فالالتزامات الاستثمارية التي أعلنتها شركات قطرية وإماراتية، بما في ذلك الاستثمارات المستهدفة التي تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار وأُعلن عنها خلال “المنتدى الاستثماري السوري-الإماراتي”، تتجاوز إطار تمويل إعادة الإعمار لتشمل قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والعقارات والزراعة. وتؤسس هذه المشاريع، إذا ما نُفِّذت، لعلاقات اقتصادية طويلة الأجل تربط تعافي سوريا بالمصالح التجارية لدول المنطقة. وبينما تبقى الجدوى الاقتصادية المحرّك الرئيس لهذه الاستثمارات، فإنها تحمل أيضًا بُعدًا استراتيجيًا يتمثل في توسيع قاعدة الأطراف الإقليمية والدولية التي ترى في استقرار سوريا مصلحة اقتصادية وسياسية مشتركة.

إعادة بناء سوريا كدولة عبور إقليمية

إذا كانت الاستثمارات تمثل الركيزة الاقتصادية لاستراتيجية دمشق الجديدة، فإنَّ الهدف الأكثر طموحًا يتمثّل في إعادة تموضع سوريا بوصفها دولة عبور إقليمية، لا مجرّد دولة منتجة أو مستهلكة للطاقة. فالحكومة تُراهن على أنَّ القيمة الاستراتيجية للبلاد لن تُقاس مستقبلًا بحجم مواردها الطبيعية فحسب، بل أيضًا بقدرتها على ربط أسواق المنطقة ومساراتها التجارية.

وقد أعادت الاضطرابات التي شهدها مضيقا هرمز وباب المندب تسليط الضوء على هشاشة شبكة التصدير في الشرق الأوسط، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الممرات البحرية. ورُغمَ أنَّ النقل البحري سيبقى الوسيلة الرئيسة للتجارة الإقليمية، فإنَّ الأزمات الأخيرة عززت الحاجة إلى ممرّات برية مُكمّلة تخفف من الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، وتوفّر بدائل أكثر مرونة في أوقات التوترات الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، برزت سوريا باعتبارها أحد الخيارات الممكنة. فعندما أدّى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط العراقية، والتي تقدر بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا، سارعت دمشق إلى إتاحة نقل النفط الخام عبر أراضيها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، في خطوةٍ هدفت إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عن بغداد، وأظهرت في الوقت نفسه الإمكانات الكامنة للدور السوري كممر بديل للطاقة.

ومن هنا، يمكن فهم سلسلة مشاريع البنية التحتية التي تروّج لها الحكومة السورية ضمن رؤية أشمل لإحياء وظيفة البلاد التاريخية كحلقة وصل بين المشرق والخليج والبحر الأبيض المتوسط. فخطط تطوير ميناءي طرطوس واللاذقية، ومقترحات إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس، إلى جانب إحياء النقاش حول مشروع سكة حديد الحجاز التي تربط السعودية بتركيا مرورًا بالأردن وسوريا، لا تبدو مشاريع منفصلة، بل مكوّنات لاستراتيجية واحدة تهدف إلى إعادة دمج سوريا في شبكات التجارة والطاقة الإقليمية.

وتكتسب الاستثمارات الإماراتية في الموانئ السورية أهمية خاصة ضمن هذا الإطار. فمشروع تحديث ميناء طرطوس، الذي تقدر قيمته بنحو 800 مليون دولار، لا يقتصر على تطوير منشأة بحرية، بل يهدف إلى تعزيز قدرة سوريا على الاندماج في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية الإقليمية، مع توفير منفذ أكثر كفاءة للمستثمرين الخليجيين نحو أسواق البحر الأبيض المتوسط. وبالمثل، فإنَّ إعادة إحياء شبكات السكك الحديدية التي تربط تركيا وسوريا والأردن ودول الخليج من شأنها أن تعيد رسم الخريطة البرية للتجارة في المشرق، وتمنح سوريا دورًا محوريًا في حركة البضائع والطاقة بين هذه الاقتصادات.

وفي المحصّلة، تعكس هذه المشاريع رؤية تتجاوز إعادة الإعمار بمفهومها التقليدي، لتستهدف تحويل الجغرافيا السورية إلى مصدر نفوذ اقتصادي واستراتيجي. فبدلًا من التعويل أساسًا على عائدات الهيدروكربونات، تراهن دمشق على أن تصبح القيمة المضافة لسوريا نابعة من قدرتها على تسهيل تدفق الطاقة والسلع ورؤوس الأموال عبر المنطقة، بما يجعل موقعها الجغرافي أصلًا اقتصاديًا دائمًا، لا مجرد حقيقة جغرافية ثابتة.

الفرص والمعوّقات

مع ذلك، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية رهينًا بجملة من التحديات التي لا تزال تلقي بظلالها على المشهد السوري. فالدولة تواجه مؤسسات منهكة، وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع، وقيودًا تمويلية مستمرة، فضلًا عن بيئة أمنية لم تستقر بعد. ورغم ما شهده نظام العقوبات الغربية من تخفيف، فإن استمرار الضبابية التنظيمية وارتفاع المخاطر السياسية يحدّان من قدرة دمشق على استقطاب الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها مشاريع إعادة الإعمار. كما إنَّ التنافس الإقليمي والضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة يبرزان هشاشة البيئة الجيوسياسية التي يُفتَرَض أن تحتضن هذه المشاريع.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي المبالغة في تقدير ما يمكن أن تحققه الاستثمارات الأجنبية على الصعيد السياسي. فالمصالح التجارية لا تتحول تلقائيًا إلى ضمانات أمنية أو تحالفات استراتيجية، كما إنَّ مشاريع البنية التحتية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع بمفردها معالجة الاختلالات العميقة في الحوكمة وبناء مؤسسات الدولة. غير أنَّ قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على دمج سوريا تدريجيًا في شبكات اقتصادية إقليمية، بما يزيد من كلفة أي عودة إلى عدم الاستقرار بالنسبة إلى الأطراف الخارجية المنخرطة فيها.

في جوهرها، تمثل الاستراتيجية التي تتبناها دمشق محاولة لإعادة صياغة الدور الإقليمي لسوريا من خلال أدوات الجيواقتصاد. فبدلًا من التعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها مهمة داخلية تقتصر على إصلاح ما دمرته الحرب، تسعى الحكومة إلى توظيف مشاريع الطاقة والبنية التحتية وممرات النقل والاستثمارات الأجنبية لإعادة بناء شبكة علاقاتها الإقليمية واستعادة حضورها على الساحة الدولية. وبذلك، تصبح الجغرافيا السورية، التي كانت لعقود مصدرًا للصراعات والتنافس، أساسًا لمشروع جديد يقوم على الترابط الاقتصادي والمصالح المتبادلة.

وقد أضفت الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها حركة التجارة البحرية في الشرق الأوسط قدرًا إضافيًا من الواقعية على هذه الرؤية، بعدما أعادت تسليط الضوء على أهمية الممرات البرية البديلة عبر المشرق العربي. إلّا أنَّ تحويل هذا الظرف الجيوسياسي إلى مكسب دائم سيعتمد، في نهاية المطاف، على قدرة سوريا على توفير البيئة التي يبحث عنها المستثمرون وشركاء التجارة: الاستقرار السياسي، والمؤسسات الفاعلة، والأطر التنظيمية القابلة للتنبؤ. فإذا تمكنت دمشق من تحقيق هذه الشروط، فقد تكتشف أنَّ مصدر قوتها الاستراتيجية لا يكمن في الثروات المدفونة تحت الأرض، بقدر ما يكمن في موقعها بوصفها نقطة عبور تربط بين اقتصادات المنطقة وأسواقها.

  • نجاة عزيز إبراهيم هو محلل سياسي. حاصل على درجة الماجستير في السياسة من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، ودرجة الماجستير التنفيذي في سياسات وممارسات التنمية من معهد جنيف للدراسات العليا. يركز نجاة منذ عام 2025 على الجيوسياسة وسياسات الطاقة في الشرق الأوسط، وقد عمل مستشارًا سياسيًا في البرلمان العراقي لرئيس اللجنة الفرعية للطاقة المتجددة.
  • يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى