لبنان… جمهورية تصدير الثمن

البروفِسور بيار الخوري*

انتهت الجلسة التشريعية المالية في مجلس النواب اللبناني في 30 حزيران (يونيو) كما انتهت عشرات الجلسات قبلها: نقاشاتٌ مطوّلة، تبايُنات سياسية، وملفات مصيرية بقيت معلّقة بين اللجان والمشاورات والتعديلات. لم تقع مواجهة سياسية كبرى، ولم يخرج أحدٌ منتصرًا أو مهزومًا. بدا وكأنَّ الجميع نجح في تجنّب دفع الكلفة السياسية لأيِّ قرار، فيما بقيت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية معلّقة على اللبنانيين.

هذا المشهد لم يَعُد استثناءً في الحياة السياسية اللبنانية، بل أصبح أحد أساليب إدارتها. ففي لبنان، لا يكون التأجيل نتيجة العجز عن اتخاذ القرار، بل يتحوّل إلى قرارٍ بحدِّ ذاته. فالسلطة نادرًا ما ترفض الإصلاح صراحةً، لأنَّ كلفة الرفض المباشر مرتفعة داخليًا وخارجيًا، لكنها تُتقن تأجيله، وإعادة تدويره تحت عناوين مختلفة: مرة في انتظار توافق سياسي، ومرة إلى ما بعد تشكيل حكومة، ومرة بحجة الظروف الإقليمية أو الحاجة إلى مزيد من الدراسة. وما إن تنتهي ذريعة حتى تولد أخرى، لتبقى الملفات الكبرى أسيرة زمن سياسي لا يعرف المواعيد النهائية.

غير أنَّ الزمن ليس مجانيًا. فكلُّ يوم يمر من دون إصلاح لا يجمّد الخسائر، بل يضاعفها. والفاتورة لا تبقى معلّقة في الهواء، بل تنتقل تدريجًا إلى المجتمع. فمن يملك النفوذ أو رأس المال يستطيع شراء الوقت، أما أصحاب الدخل المحدود فيدفعون ثمنه من قدرتهم الشرائية، ومن قيمة مدّخراتهم، ومن فاتورة الكهرباء والاستشفاء والتعليم، ومن تراجُع الخدمات العامة.

وهنا تظهر الآلية التي تحكم النظام اللبناني منذ سنوات: تصدير الثمن (أو تحويل الثمن). فالقرار الذي لا يُتَّخذ اليوم لا يختفي، وإنما تُنقل كلفته إلى طرف آخر. مرة إلى المودعين، ومرة إلى دافعي الضرائب، ومرة إلى الأجيال المقبلة، ومرة إلى الاقتصاد كله. التأجيل ليس حيادًا، بل وسيلة لإعادة توزيع الخسائر، بحيث يتحمّلها دائمًا مَن يملك أقل قدرة على الدفاع عن نفسه.

ولعلَّ أخطر ما في النموذج اللبناني أنه لم يعد يقوم على تعطيل القوانين فحسب، بل على إنتاج قوانين تبقى معلّقة بين الإقرار والتنفيذ، وعلى خلق فراغات تشريعية تبدو وكأنها نتيجة بطء إداري أو خلاف سياسي، فيما هي في كثير من الأحيان جُزءٌ من آلية متكاملة لتأجيل الحسم وتصدير الثمن.

ويُعَدُّ قانون “ضبط رأس المال” (الكابيتال كونترول) مثالًا واضحًا على ذلك. فقد غاب سنوات، فيما كانت المصارف تفرض قيودًا غير رسمية تختلف من مصرفٍ إلى آخر، بل ومن مودعٍ إلى آخر داخل المصرف نفسه. وكانت النتيجة أنَّ مودعَين يمتلكان الرصيد نفسه حصلا على معاملتَين مختلفتَين. لم يكن الغموض عدالةً عمياء، بل عدالةً انتقائية، ترى جيدًا لكنها تختار مَن ترى.

مثل هذا الغموض يؤدي وظيفتين في آن واحد: فهو يحمي السلطة من اتخاذ قرار واضح يمكن محاسبتها عليه، ويترك في الوقت نفسه مساحة واسعة للاستثناءات والمحسوبيات. وحين يغيب النصُّ الواضح، يغيب المخالف أيضًا. الجميع يصبح ضحية الظروف، ولا أحد يبدو مسؤولًا عن القرار.

وعندما يقترب أيُّ إصلاحٍ من لحظة الحسم، يظهر خطابٌ مألوف في الحياة السياسية اللبنانية. لا يُقال إنَّ الإصلاح مرفوض، بل يُعاد تعريفه. فجأة يصبح توزيع الخسائر استهدافًا لطائفة، أو مساسًا بحقوق جماعة، أو تهديدًا لتوازنات دقيقة. وهكذا ينتقل النقاش من سؤالٍ اقتصادي مشروع: مَن يتحمّل الخسائر؟ إلى سؤالٍ وجودي: مَن يستهدفنا؟

تكمن فعالية هذا الخطاب في أثره، لا في دقته. فالتفاوض على توزيع الخسائر مُمكن، أما حين تتحوّل القضية إلى صراعٍ على الوجود، يصبح التوافق شبه مستحيل. والأسوأ أنَّ هذا الخطاب لا يحمي الطوائف بقدر ما يحمي مَن يتحدّث باسمها. فالمودع الصغير، أيًا كان انتماؤه، خسر بالطريقة نفسها، لكن الخطاب الطائفي نجح في تحويل غضبه من المنظومة التي أفقرته إلى خصم آخر، غالبًا ما يكون وهميًا.

وهنا يبلغ تصدير الثمن مرحلته الأكثر خطورة. فلم يعد الثمن يُنقل إلى المستقبل أو إلى الفئات الأضعف فقط، بل أصبح يُنقل إلى الهوية نفسها. فبدل أن يُسأل: مَن تسبَّبَ بالخسارة؟ يصبح السؤال: مَن يستهدف جماعتنا؟ وعندما تُستبدل المحاسبة بالخوف، يصبح تعطيل الإصلاح أسهل بكثير من إنجازه.

ولا يُعَدُّ “تصدير الثمن” مجرّد استعارة بلاغية، بل هو نمطٌ معروف في الاقتصاد السياسي. فقد بيّنت أدبيات هذا الحقل كيف تميل السلطات إلى تأجيل الكلفة السياسية لقراراتها عبر تحميلها لأطراف لا تمتلك القدرة على الاعتراض، سواء كانوا أجيالًا مقبلة، أو فئات اجتماعية أضعف، أو دائنين، أو الاقتصاد بأكمله.

وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة كارمن راينهارت وكينيث روغوف الموسّعة عن ثمانية قرون من الأزمات المالية أنَّ الدول لا تُعلن فشلها وخسائرها دفعةً واحدة، بل تُصدّر تكاليف الفشل تدريجًا عبر التضخم، وخفض قيمة العملة، والتأخر في إعادة الهيكلة، وكل يوم تأخير يرفع الفاتورة النهائية ويُحوّلها إلى مَن لا يملك أصولًا تحميه.

ولبنان ليس استثناءً من هذا النمط، بل ربما أحد أكثر نماذجه وضوحًا. فما جرى بين عامي 2016 و2019، ثم بعد الانهيار، لم يكن مجرد سوء إدارة مالية، بل عملية منهجية لتصدير الثمن. فالهندسات المالية لم تُلغِ الخسائر، بل أخّرت الاعتراف بها، ونقلت كلفتها من الحاضر إلى المستقبل، ومن أصحاب القدرة على التفاوض إلى المودعين العاديين الذين لم يكن لديهم أي نفوذ أو معرفة بما يجري. وقد وثّق البنك الدولي هذه الآلية بوصفها أحد أبرز أسباب الانهيار المالي، حيث استند النموذج الاقتصادي إلى استقطاب العملات الأجنبية مع ترحيل الخسائر إلى المجتمع.

وتضيف التجربة الأرجنتينية بُعدًا آخر لهذه الظاهرة. فعندما تستنفد الدولة قدرتها على تحميل الداخل كلفة الأزمة، تحاول نقل جزء من العبء إلى الخارج عبر مفاوضات إعادة الهيكلة مع الدائنين. لكن لبنان يدخل هذه المرحلة بأوراق تفاوضية أضعف بكثير، بعدما استُنزفت موارده وتراجعت ثقته الدولية.

ومع ذلك، تبقى خصوصية الحالة اللبنانية في أنَّ تصدير الثمن لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا واجتماعيًا أيضًا. فالطائفية لم تؤدِّ دورًا في تقاسم السلطة فحسب، بل أصبحت وسيلة لتقاسم المسؤولية عن الفشل، ثم لإخفائها. وهكذا تحوّل السؤال من: مَن تسبّبَ بالخسائر؟ إلى: مَن يُهدّد وجودنا؟ وهو انتقالٌ يعطّل الوعي قبل أن يعطّل القرار.

وهنا يبرز السؤال الأصعب: إذا كان كلُّ طرفٍ يتصرّف وفق مصلحته المباشرة، المصرف الذي أجّل الاعتراف بالخسائر، والسياسي الذي أجّل الإصلاح، والزعيم الذي حوّل الأزمة الاقتصادية إلى معركة هوية، فمَن المسؤول؟

الإجابة ليست بسيطة، لأنَّ المشكلة لا تكمن في وجود مُذنب واحد، بل في نظامٍ يكافئ السلوك الفردي القصير الأجل ويعاقب المسؤولية الجماعية. فلا يحتاج هذا النظام إلى مؤامرة، ولا إلى غرفة مغلقة تُتَّخَذ فيها القرارات. يكفي أن يسعى كلُّ طرفٍ إلى حماية مصلحته الخاصة، حتى تتراكم النتائج الكارثية على المجتمع كله.

وهذا ما يجعل هذه المنظومة عصية على المحاسبة. ففي الفساد التقليدي يمكن تحديد الفاعل، وجمع الأدلة، وإصدار الأحكام. أما في منظومة تصدير الثمن، فإنَّ الكارثة تكون حصيلة سلسلة طويلة من “اللاقرارات”، بحيث يبدو الجميع أبرياء قانونيًا، فيما يدفع المجتمع بأكمله الفاتورة.

والأخطر أنَّ هذه الآلية تُعيدُ إنتاجَ نفسها باستمرار. فهي تُكافئ مَن ينجح في نقل كلفة قراراته إلى غيره، وتعاقب مَن يحاول تحمّل مسؤوليته. وهكذا يتحوّل تصدير الثمن من سلوكٍ سياسي إلى ثقافة حُكم.

لكن ماذا يحدث عندما لا يبقى أحدٌ يُمكن تحميله الفاتورة؟

الأجيال المقبلة تهاجر. والفئات الأضعف بلغت حدود قدرتها على الاحتمال. والخارج لم يعد مستعدًا لتقديم الدعم بلا إصلاحات. أما الخوف، مهما طال عمره، فلا يستطيع أن يدفع فاتورة كهرباء، أو يعيد وديعة، أو يوقف انهيار عملة.

عند هذه النقطة، يصل أي نظام قائم على تصدير الثمن إلى لحظة الحقيقة. ليس لأنه قرّر أن يتغيّر، بل لأنه لم يعد يجد مَن يدفع عنه.

التاريخ يقول إنَّ الأنظمة لا تتعلم هذا الدرس طوعًا، بل حين يصبح التأجيل مستحيلًا. وحينها تكون الكلفة النهائية أكبر بكثير من تلك التي حاولت الهروب منها في البداية.

لبنان ليس الدولة الوحيدة التي عرفت هذا المسار، لكنه يكاد يكون من أكثر الدول التي أتقنت تحويله إلى أسلوب حُكم. حتى بدا التأجيل سياسة، وتصدير الثمن ثقافة، والاستراحة بين أزمتين نوعًا من الازدهار المؤقت.

ولذلك، فإنَّ السؤال الحقيقي لم يعد: متى سيدفع لبنان الثمن؟ بل: هل بقي أحدٌ يمكن للنظام أن يصدّر إليه الفاتورة؟

  • البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى