إيران تُراهِن على المفاوضات لتجنُّب ما لا تُحمَد عُقباه!

هُدى الحُسَيني*

تدخل المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلةً شديدة الحساسية، وسط محاولات للتوصُّل إلى اتفاقٍ ينهي المواجهة التي اندلعت قبل أشهر، لكن المؤشرات لا تُوحي بأنَّ الطريق أصبح سهلًا. فالتبايُن بين مواقف الطرفين ما زال كبيرًا، كما إنَّ الملفات المطروحة لا تقتصر على البرنامج النووي، بل تمتدُّ إلى نفوذ إيران الإقليمي، ودورها في دعم الجماعات المسلحة، وأمن الملاحة في الخليج، ومستقبل العقوبات الاقتصادية.

ويرى عددٌ من الخبراء الأميركيين أنَّ القيادة الإيرانية تنظر إلى هذه المفاوضات باعتبارها معركة تتعلق ببقاء النظام أكثر مما تتعلق بمستقبل الدولة الإيرانية نفسها. ولذلك تحاول طهران أن تدخل أيَّ اتفاقٍ من موقع لا يبدو فيه أنها قدمت تنازلات كبيرة، لأنَّ إظهار الضعف أمام الداخل قد ينعكس على تماسك السلطة في مرحلةٍ تواجه فيها تحديات سياسية واقتصادية غير مسبوقة.

ويعتقد هؤلاء أنَّ النظام يحتاج بصورة ملحّة إلى تخفيف العقوبات، للحصول على موارد مالية تساعده على تجاوز أزمته الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه لا يريد التخلّي عن الأدوات التي يعدّها مصدر قوته ونفوذه، سواء في الملف النووي أو عبر شبكات حلفائه في المنطقة. ومن هذا المنطلق تبدو المفاوضات بطيئة ومعقّدة؛ إذ يحاول كل طرف انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الوصول إلى اتفاقٍ نهائي.

وتشير الأخبار الأميركية إلى أنَّ إيران، بعد الخسائر العسكرية التي تعرّضت لها خلال الحرب، فقدت جُزءًا كبيرًا من قدراتها التقليدية، لكنها ما زالت تمتلك وسائل أخرى قادرة على إرباك خصومها. فبدلًا من الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة، يمكنها استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والهجمات السيبرانية والجماعات المسلحة المنتشرة في عدد من دول المنطقة. وهذه الأدوات غير التقليدية كانت على مدى عقود الركيزة الأساسية لاستراتيجية إيران الخارجية، ولا تزال تمثّل ورقة ضغط فعّالة.

ويحتلُّ لبنان موقعًا أساسيًا في هذا المشهد. فطهران لا تنظر إلى الساحة اللبنانية بوصفها ملفًّا منفصلًا، بل تعدّها جزءًا من شبكة نفوذها الإقليمي. لذلك تحاول ربط أي تسوية سياسية بمستقبل وجود الجماعات الحليفة لها هناك، وترفض أن يؤدي أيُّ اتفاقٍ إلى إنهاء هذا النفوذ بصورةٍ كاملة. وفي المقابل تؤكد الحكومة اللبنانية أنها تريد حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وهو ما يزيد تعقيد المشهد ويجعل الملف اللبناني أحد أبرز عناصر الخلاف في المفاوضات. وتزداد المشكلة تعقيدًا مع استمرار التوتر بين إسرائيل وهذه الجماعات المسلحة. فأيُّ هجوم صاروخي قد يدفع إسرائيل إلى ردٍّ واسع، وهو ما قد تستغله طهران سياسيًا لإظهار نفسها طرفًا يدافع عن حلفائه، أو لتأخير المفاوضات، أو لزيادة الضغوط على واشنطن. لذلك تبقى احتمالات التصعيد قائمة حتى في ظل استمرار الاتصالات الديبلوماسية.

أما مضيق هرمز فما زال يشكّل أحد أهم عناصر القلق بالنسبة إلى الأسواق العالمية. ورغم استئناف جُزءٍ من حركة الملاحة، فإنَّ إزالة الألغام البحرية وإعادة الثقة إلى شركات التأمين والشحن تحتاجان إلى وقت. كما إنَّ عودة صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية لا تعتمد فقط على فتح الممرات البحرية، وإنما أيضًا على استقرار الأوضاع الأمنية.

ويرى خبراء الطاقة أنَّ أسعار النفط قد تشهد تراجعًا نسبيًا على المدى القريب مع تحسُّن حركة الإمدادات، لكنها قد تعود إلى الارتفاع لاحقًا مع سعي الدول المستوردة إلى إعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية بعد فترةٍ طويلة من الاضطرابات. كما إنَّ أيَّ تصعيدٍ جديد في الخليج أو لبنان يمكن أن ينعكس فورًا على الأسعار والأسواق العالمية.

وفي الوقت نفسه، يُحذّر محللون من أنَّ أيَّ تخفيف للعقوبات على إيران يجب أن يكون مُرتبطًا بإجراءاتٍ واضحة وقابلة للقياس، حتى لا تتحوّل الأموال الجديدة إلى مصدر يعزّز نشاط المؤسسات الأمنية أو يدعم العمليات الخارجية. لذلك يطالب كثيرون بأن تكون أي خطوات اقتصادية متبادلة مرتبطة برقابة دقيقة وضمانات قابلة للتنفيذ.

ورغم استمرار المحادثات، فإنَّ فرص نجاحها الكامل ما زالت غير مضمونة. فأيُّ حادثٍ أمني كبير، سواء في لبنان أو الخليج أو البحر الأحمر، قد يُعيدُ المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية خلال ساعات. كما إنَّ استمرار نشاط الجماعات المسلحة يجعل احتمال اندلاع أزمة جديدة قائمًا في أيِّ وقت.

ويرى أصحاب هذا التقييم أنَّ المرحلة المقبلة قد تشهد حالة من الهدوء الحذر أكثر من كونها سلامًا دائمًا. فالمفاوضات قد تستمر، لكن التوتر سيبقى حاضرًا، فيما تحاول جميع الأطراف تجنّب مواجهة شاملة لا يرغب فيها أحد.

وفي الداخل الإيراني، تبدو التحديات الاقتصادية والسياسية عاملًا لا يقل أهمية عن الضغوط الخارجية. فالتضخم، وتراجع الاستثمار، والعقوبات، والخسائر التي خلّفتها الحرب؛ كلها عوامل تزيد الضغوط على النظام، وتحدّ من قدرته على المناورة. كما إنَّ أيَّ تأخيرٍ في تحقيق انفراج اقتصادي قد يؤدي إلى اتساع حالة الاستياء الشعبي، وهو ما يجعل القيادة الإيرانية أمام معادلة صعبة تجمع بين الحاجة إلى تخفيف العقوبات، والرغبة في عدم الظهور بمظهر الطرف الذي قدّم تنازلات كبيرة. لهذا تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق خطوات ملموسة فقد تشهد المنطقة فترة من التهدئة النسبية. أما إذا تعثّرت أو انهارت بسبب حادث أمني أو خلاف سياسي فإنَّ الشرق الأوسط قد يدخل جولة جديدة من عدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على أمن المنطقة وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

  • هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى