هُرْمُز يُغَيِّرُ حِساباتِ الكُوَيْت النِّفْطِيَّةَ
لم يَعُد مضيق هُرمُز مجرّد ممرٍّ لتصدير النفط، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لأمن الطاقة الكويتي. فقد دفعت الأزمة الأخيرة الكويت إلى مراجعة خياراتها الاستراتيجية، من تنويع مسارات التصدير إلى تسريع إصلاح قطاع النفط.

علي الشعلان*
لم تكشف التوترات الإقليمية الأخيرة المرتبطة بإيران عن هشاشة الوضع الأمني في الخليج فحسب، بل سلّطت الضوء أيضًا على واحدة من أبرز نقاط الضعف في قطاع الطاقة الكويتي. فقد أعادت الأزمة إلى الواجهة أسئلة مؤجّلة منذ سنوات حول أمن صادرات النفط، وتنويع مساراتها، وقدرة القطاع النفطي على مواكبة التحوّلات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة. وبذلك، وجدت الكويت نفسها أمام استحقاقٍ طال تأجيله، يتمثّل في إعادة النظر في آليات تصدير النفط، وتعزيز أمن الطاقة، وتسريع إصلاحات هيكلية في قطاعٍ ظلَّ لسنوات رهينةً التجاذبات السياسية.
وتختلف الكويت عن جيرانها الخليجيين في هذه المسألة؛ ففي حين تمتلك كلٌّ من السعودية والإمارات منافذ بديلة تتيح لهما تصدير جُزءٍ من إنتاجهما بعيدًا من مضيق هرمز، لا تزال الكويت تعتمد بصورة شبه كاملة على هذا الممر البحري الحيوي لتصدير نفطها ومنتجاتها الهيدروكربونية. وقد دفع ذلك صنّاع القرار إلى إعادة إحياء خطط قديمة لربط البلاد بشبكة خطوط الأنابيب الإقليمية، بما يخفف من المخاطر التي قد تنجم عن أيِّ اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق.
غير أنَّ خبراء الطاقة يرون أنَّ الأزمة الأخيرة لم تكن سوى محفّز لكشف مشكلات أعمق يعانيها القطاع النفطي الكويتي، وأنَّ معالجة مسألة طرق التصدير، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان أمن الطاقة أو الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة النفطية في المستقبل.
وفي هذا السياق، كشف الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، الشيخ نواف الصباح، خلال مشاركته في منتدى الطاقة العالمي الذي نظمه المجلس الأطلسي في واشنطن في حزيران (يونيو) الماضي، أنَّ الكويت تجري مباحثات مع كلٍّ من السعودية والإمارات لبحث إمكان الاستفادة من شبكات خطوط الأنابيب القائمة في البلدين لتوفير منافذ بديلة لصادرات النفط الكويتية، بما يقلل من اعتمادها الحصري على مضيق هرمز.
وتزامن ذلك مع إطلاق الحكومة الكويتية واحدة من أوسع عمليات إعادة هيكلة القطاع النفطي منذ سنوات. ففي الشهر الماضي، أصدرت مرسومًا يمنح مؤسسة البترول الكويتية استقلالية مالية وإدارية أوسع، ويتيح لها العمل وفق أسس تجارية أكثر مرونة. وترى الحكومة أنَّ هذه الخطوة تمثل ركيزة أساسية لتحديث المؤسسة، وتعزيز كفاءتها التشغيلية، وتمكينها من مواكبة التحوّلات المتسارعة التي تشهدها صناعة الطاقة العالمية، بعد سنوات من بطء الإصلاحات وتراكم التحديات.
مضيق هرمز… نقطة الضعف الاستراتيجية
وقد تحوّلت هذه المخاوف إلى واقعٍ مع اندلاع المواجهة العسكرية، إذ أدّى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز – الممر البحري الذي كان يعبر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب – إلى شللٍ واسع في حركة الشحن داخل الخليج. ولم تنجح محاولات إعادة تشغيل خطوط الملاحة في تهدئة الأسواق، بل أدّت إلى تصعيدٍ إضافي في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي أبقى المخاطر الأمنية مرتفعة، ودفع شركات الشحن ومالكي الناقلات إلى تجنّب الإبحار في المنطقة، في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين وتزايد احتمالات التعرُّض لهجمات أو احتجاز السفن.
وكانت الكويت من أكثر الدول الخليجية تأثرًا بهذه التطورات، بحكم اعتمادها شبه الكامل على مضيق هرمز لتصدير إنتاجها النفطي. فبحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، انخفض إنتاج البلاد بأكثر من النصف، متراجعًا من نحو 1.16 مليون برميل يوميًا في آذار (مارس) إلى 573 ألف برميل يوميًا في أيار (مايو). وبالنسبة إلى اقتصادٍ يعتمد على النفط لتوفير نحو 90 في المئة من الإيرادات العامة، فإنَّ أيَّ انقطاعٍ طويل الأمد في الصادرات لا يمثّل مجرّد أزمة لقطاع الطاقة، بل ينعكس مباشرة على المالية العامة، والإنفاق الحكومي، وقدرة الدولة على تمويل مشاريعها التنموية وبرامجها الاجتماعية.
غير أنَّ الأزمة كشفت أيضًا حقيقة أوسع؛ فالمشكلة لا تقتصر على غياب مسارات بديلة للتصدير، بل تمتد إلى طبيعة البنية التحتية النفطية الكويتية، التي ظلت لعقود تعتمد على فرضية استقرار الممرات البحرية في الخليج. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، لم يعد هذا الافتراض مضمونًا، الأمر الذي دفع صناع القرار إلى إعادة تقييم مفهوم “أمن الطاقة” نفسه، بحيث لا يقتصر على حجم الإنتاج، وإنما يشمل أيضًا مرونة سلاسل الإمداد، وتعدد منافذ التصدير، والقدرة على الحفاظ على تدفق الصادرات حتى في أوقات الأزمات.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع ليس مهمة سهلة. فمد خطوط أنابيب جديدة يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، ومفاوضات سياسية معقدة، وسنوات من التنفيذ، فضلًا عن أنه لا يمثل سوى جُزءٍ من معالجة التحديات البنيوية التي تواجه قطاع الطاقة الكويتي.
وفي هذا السياق، ترى كارين يونغ، الباحثة البارزة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أنَّ أزمة مضيق هرمز كشفت الحاجة الملحة إلى تنويع مسارات تصدير النفط، لكنها تُحذّر في الوقت نفسه من أنَّ الخيارات المتاحة أمام الكويت لا تزال محدودة، سواء من الناحية الجغرافية أو السياسية.
وتوضّح أنَّ أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في ربط الكويت بخط أنابيب “الشرق–الغرب” السعودي، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز. إلّا أنَّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة؛ فهو يتطلب إنشاء خطوط ربط جديدة بكلفة مرتفعة، كما يعتمد على موافقة السعودية، أو أي دولة مجاورة أخرى، على تخصيص جزء من الطاقة الاستيعابية لشبكاتها لصالح الصادرات الكويتية. وحتى في حال تحقق ذلك، فإنَّ هذه الخطوط لن تكون قادرة، على الأرجح، على استيعاب كامل الصادرات الكويتية، ما يعني أنها ستخفف من المخاطر، لكنها لن تقضي عليها بالكامل.
خطوط الأنابيب… حلول ضرورية لكنها غير كافية
ورُغمَ محدودية الخيارات المتاحة، فإنَّ الكويت تُتابع باهتمام الخطوات التي اتخذها جيرانها في الخليج لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز. فالإمارات، التي اتجهت إلى زيادة إنتاجها النفطي بعد انسحابها من تحالف “أوبك+”، تمتلك بالفعل أحد أهم منافذ التصدير البديلة في المنطقة عبر خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي ينقل الخام مباشرة إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، متجاوزًا المضيق بالكامل. كما تعمل أبوظبي على تطوير خطٍّ ثانٍ من شأنه مضاعفة الطاقة الاستيعابية لهذا المسار، في إطار استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز أمن صادراتها النفطية وتقليل تعرّضها للمخاطر الجيوسياسية.
إلّا أنَّ الحرب أظهرت في المقابل أنَّ خطوط الأنابيب، مهما بلغت أهميتها، ليست بمنأى عن التهديدات الأمنية. فهذه المنشآت قد تتجاوز الاختناقات البحرية، لكنها تظلُّ عُرضةً للاستهداف العسكري، سواء على امتداد مسارها أو في مرافق التصدير التي تنتهي إليها.
ولهذا السبب، يحذر الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، الشيخ نواف سعود الصباح، من المبالغة في النظر إلى خطوط الأنابيب بوصفها حلًا نهائيًا. ويؤكد أنَّ أمنَ أيّ خط أنابيب “يعتمد في نهاية المطاف على سلامة منشآت التصدير التي يصب فيها”، مشيرًا إلى أنَّ الهجمات الإيرانية خلال الحرب استهدفت مرافق نفطية وخطوط أنابيب في كلٍّ من السعودية والإمارات، وهو ما أثبت أنَّ البنية التحتية البرية ليست أقل عرضة للمخاطر من الممرات البحرية.
وقد عزّزت هذه الهجمات القناعة بأنَّ أمن الطاقة لم يعد مرتبطًا بمسار التصدير وحده، بل بقدرة الدولة على حماية سلسلة الإمداد بأكملها، من الحقول وخطوط الأنابيب، مرورًا بمحطات الضخ، وصولًا إلى مرافئ التصدير والتخزين.
ولم يكن خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، الذي تبلغ طاقته نحو سبعة ملايين برميل يوميًا وينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بمنأى عن هذه التحديات؛ إذ تعرّض خلال الحرب لأضرار نتيجة هجمات بطائرات مسيرة، الأمر الذي دفع المسؤولين الكويتيين إلى إعادة النظر في أولويات الاستثمار.
وفي هذا السياق، يرى العضو المنتدب لمؤسسة البترول الكويتية، الشيخ خالد أحمد الصباح، أنَّ تعزيز مرافق التخزين قد يكون أحد أهم الدروس المستفادة من الأزمة، مؤكّدًا أنَّ الكويت “بحاجة إلى طاقات تخزين أكبر بعد التجارب التي مرّت بها”. فزيادة السعات التخزينية تمنح المنتجين مرونة أكبر في إدارة الصادرات خلال فترات الاضطراب، وتُقلّل من الضغوط الناجمة عن توقف الشحن أو تعطُّل الموانئ.
ولا يقتصر التفكير في الحلول على تطوير البنية التحتية داخل الكويت، بل يمتد أيضًا إلى إعادة النظر في موقع البلاد ضمن سلسلة القيمة العالمية لصناعة النفط. ففي رأي كامل الحرمي، المحلل المستقل والرئيس التنفيذي السابق لشركة البترول الكويتية العالمية، ينبغي أن تركز الكويت بدرجة أكبر على الاستثمار في أنشطة المصب، مثل التكرير والتسويق وشبكات توزيع الوقود في الأسواق الخارجية، بدلًا من الاكتفاء بتصدير النفط الخام.
ويقول الحرمي إنَّ امتلاك مصافٍ ومحطات خدمة وأسواق توزيع خارجية يمنح الكويت منفذًا أكثر استقرارًا لصادراتها، ويحد من اعتمادها على الوسطاء وتقلبات الأسواق. فبدلًا من بيع النفط الخام ثم إعادة شرائه في صورة منتجات مكررة، تستطيع الدولة إيصال هيدروكربوناتها مباشرة إلى منشآت تملكها أو تشارك في إدارتها، بما يعزز القيمة المضافة ويزيد قدرتها على مواجهة الصدمات الجيوسياسية.
إصلاح قطاع الطاقة… من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل
وتملك الكويت بالفعل قاعدة يمكن البناء عليها في هذا المجال. فشركة “كيو 8” (Q8)، الذراع الدولية لمؤسسة البترول الكويتية، تدير شبكة واسعة من محطات الوقود في عدد من الدول الأوروبية وفي فيتنام، إلى جانب امتلاكها حصصًا في مصافٍ لتكرير النفط في إيطاليا وسلطنة عُمان وفيتنام. غير أنَّ توسيع هذا الحضور الخارجي يواجه تحديات متزايدة، إذ لا تزال الأسواق الآسيوية، رُغمَ أهميتها بوصفها الوجهة الرئيسة للنفط الخليجي، شديدة التنافس، مع احتدام المنافسة بين كبار المنتجين الإقليميين والدوليين على الحصص السوقية.
لكن التحديات التي تواجه الكويت لا تتوقف عند حدود الأسواق الخارجية. فخبراء الطاقة يرون أنَّ تعزيز أمن الصادرات يجب أن يترافق مع إصلاحاتٍ عميقة داخل القطاع نفسه، تبدأ من معالجة الاختلالات المزمنة في منظومة الكهرباء، ولا تنتهي بتسريع التحوُّل نحو مصادر الطاقة المتجددة.
فشبكة الكهرباء الكويتية تعاني منذ سنوات ضغوطًا متزايدة، مع تكرار فترات ارتفاع الأحمال والانقطاعات الموسمية، في وقتٍ لا تزال مساهمة الطاقة المتجددة محدودة مقارنة بمعظم دول مجلس التعاون الخليجي، التي قطعت أشواطًا أكبر في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء.
وفي هذا السياق، ترى كارين يونغ أنَّ الأولوية يجب أن تنصرف إلى معالجة الاختناقات الداخلية قبل أيِّ شيءٍ آخر، مُشيرةً إلى أنَّ إصلاح قطاع الكهرباء وتسريع دمج مصادر الطاقة المتجددة في منظومة التوليد يمثّلان خطوة أساسية لتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل، وليس مجرد خيار بيئي.
غير أنَّ تنفيذ هذه الإصلاحات ظلَّ لسنوات رهينة حالة من الجمود السياسي، نتيجة الخلافات المتكررة بين الحكومات المتعاقبة ومجلس الأمة المنتخب، وهي خلافات عطلت عددًا من مشاريع الإصلاح الاقتصادي والاستثماري. إلَّا أنَّ المشهد تغيّر في عام 2024، عندما أصدر أمير الكويت قرارًا بحل البرلمان وتعليق بعض مواده الدستورية لفترة انتقالية قد تمتد إلى أربع سنوات، وهو ما منح الحكومة مساحة أوسع للمضي في تنفيذ إصلاحات طال انتظارها، من بينها إعادة هيكلة قطاع الطاقة.
وفي المُحصّلة، تبدو الأزمة الأخيرة أكثر من مجرّد اختبار لقدرة الكويت على تجاوز اضطراب مؤقت في صادرات النفط. فقد كشفت عن الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم أمن الطاقة، بحيث لا يقتصر على ضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، بل يشمل أيضًا تنويع مسارات التصدير، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمارات في أنشطة المصب، وتحديث قطاع الكهرباء، وتسريع التحوّل نحو الطاقة المتجددة. وبالنسبة إلى الكويت، قد تكون هذه الأزمة، بما فرضته من تحديات، فرصة نادرة لإطلاق إصلاحات استراتيجية كان من الصعب تأجيلها أكثر، إذا أرادت الحفاظ على مكانتها كأحد أبرز منتجي الطاقة في الخليج خلال العقود المقبلة.
- علي الشعلان هو مراسل “أسواق العرب” في الكويت.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.