لم تعد البنية التحتية في دول الخليج مجرد شبكات تخدم الاقتصاد، بل أصبحت محرّكًا لإعادة تشكيله. فمع تسارع التحوُّل الرقمي وتوسّع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، تمضي المنطقة نحو نموذج تنموي جديد يجعل الاستدامة والمرونة أساسًا للتنافسية المستقبلية.
يارا أبي فراج*
لم يعد التحوّل في البنية التحتية في الخليج العربي مجرد استجابة لمتطلبات التنمية أو لتحديات التغير المناخي، بل أصبح جزءًا من إعادة صياغة النموذج الاقتصادي الذي تتبناه دول المنطقة. فمع تسارع مشاريع التنويع الاقتصادي، وارتفاع الطلب على الطاقة، والتوسُّع في المدن الذكية، تتجه الحكومات إلى الاستثمار في بنية تحتية أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على مواكبة التحوّلات التكنولوجية وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
وفي هذا السياق، تكشف دراسة حديثة أجرتها شركة “سيمنس” أنَّ منطقة الخليج العربي تتقدّم على كثير من الأسواق العالمية في مستوى التزامها بتحوُّل البنية التحتية وقطاع الطاقة. وتشير نتائج الدراسة إلى أنَّ صناع القرار في المنطقة لا يكتفون بإدراك أهمية هذا التحوّل، بل يبدون استعدادًا أكبر لترجمة هذا الإدراك إلى استثمارات ومشروعات عملية، في ظل قناعة متزايدة بأنَّ تعزيز الاستدامة بات شرطًا أساسيًا للحفاظ على القدرة التنافسية وتحقيق النمو طويل الأمد.
وتعكس نتائج الدراسة هذا التوجه بوضوح؛ إذ يرى 66% من المديرين التنفيذيين في دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة تسريع التحول العالمي في قطاع الطاقة بوتيرة أكبر، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 57%. ويعكس هذا الفارق أنَّ المنطقة لم تعد تتعامل مع التحوُّل في الطاقة باعتباره خيارًا بيئيًا فحسب، بل بوصفه ركيزة استراتيجية للأمن الاقتصادي، وتعزيز مرونة البنية التحتية، ورفع كفاءة إدارة الموارد في مواجهة المتغيرات المستقبلية.
ويرى هاكان أوزدمير، الرئيس التنفيذي لشركة “سيمنس” للبنية التحتية الذكية في الشرق الأوسط وقطر، أنَّ نتائج “مؤشر تحوُّل البنية التحتية في الشرق الأوسط 2026” تؤكد دخول المنطقة مرحلة جديدة، أصبحت فيها البنية التحتية عنصرًا حاسمًا في تعزيز التنافسية الاقتصادية والاستدامة. ويشير إلى أنَّ تزايد تعقيد أنظمة الطاقة، وارتفاع الطلب عليها، يفرضان دمج البنية التحتية التقليدية مع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يتيح بناء شبكات أكثر قدرة على التنبؤ بالمتغيرات، والتكيُف معها، والاستجابة لها بكفاءة أعلى، وهو ما سيشكل الأساس الذي ستقوم عليه المرحلة المقبلة من مشاريع البنية التحتية في المنطقة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البنية التحتية
لم يعد الذكاء الاصطناعي عنصرًا داعمًا لعمليات البنية التحتية، بل أصبح أحد المحرّكات الرئيسة لإعادة تصميمها وتشغيلها. فمع تزايد تعقيد شبكات الطاقة والمياه والنقل والمباني الذكية، تتجه المؤسسات إلى الاعتماد على أنظمة قادرة على تحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالأعطال، وإدارة الموارد بكفاءة أعلى، بما يعزز الإنتاجية ويخفض التكاليف ويرفع مستويات الاستدامة.
وتشير الدراسة إلى أنَّ هذا التحوّل يتسارع بوتيرةٍ لافتة في الخليج العربي، حيث يتوقع 62% من المديرين التنفيذيين أن يُعيدَ الذكاء الاصطناعي رسم آليات تشغيل البنية التحتية خلال السنوات الثلاث المقبلة. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا بأنَّ المرحلة المقبلة لن تعتمد على توسيع المرافق والمنشآت فحسب، بل على جعلها أكثر ذكاءً وقدرة على اتخاذ القرار والاستجابة للمتغيّرات في الزمن الحقيقي.
ولا يقتصر التحوّل على تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى التوسع في الأتمتة والأنظمة ذاتية التشغيل. فقد أبدت 56% من المؤسسات استعدادها لتطبيق حلول تشغيل ذاتية في المباني، فيما تخطط 57% منها لضخِّ استثمارات كبيرة في هذا المجال خلال العام المقبل، في مؤشر إلى أنَّ الأتمتة باتت تُعد استثمارًا استراتيجيًا لتحسين كفاءة التشغيل، وليس مجرد خيار تقني.
وفي موازاة ذلك، يتزايد الطلب على بنية رقمية أكثر تكاملًا وقدرة على إدارة البيانات. فقد أكد 69% من المشاركين في الدراسة أنَّ مؤسساتهم تحتاج إلى حلول متقدمة تسمح بدمج البيانات بسرعة وكفاءة، بما يساعد على تجاوز القيود التي تفرضها الأنظمة التقليدية وتعدد المنصات التقنية. وتُترجَمُ هذه القناعة إلى خططٍ استثمارية واضحة، إذ تعتزم النسبة نفسها زيادة إنفاقها على تقنيات تكامل البيانات، إدراكًا منها أنَّ البيانات المترابطة أصبحت الأساس الذي تقوم عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والركيزة التي ستحدد قدرة مؤسسات البنية التحتية على رفع كفاءتها وتعزيز مرونتها في السنوات المقبلة.
تحديث الشبكات… الأساس الحقيقي للتحوُّل في الطاقة
ومع تسارع التحوّل الرقمي، لم تعد كفاءة البنية التحتية تُقاس بقدرتها على توفير الخدمات فحسب، بل أيضًا بمدى مرونتها في مواجهة الأعطال والتكيُّف مع المتغيِّرات التشغيلية. فالشبكات الحديثة مطالبة اليوم بأن تكون قادرة على رصد المشكلات قبل وقوعها، وعزلها عند حدوثها، والاستفادة من البيانات المتراكمة لتحسين أدائها بصورة مستمرة، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي أحد المكوّنات الأساسية للبنية التحتية المستقبلية.
وتؤكد نتائج الدراسة أنَّ المؤسسات الخليجية بدأت بالفعل تبنّي هذا التوجه؛ إذ يرى 61% من المشاركين أنَّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي أسهمت في تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية، بما يتيح تحسين استمرارية الخدمات وتقليل تأثير الأعطال والانقطاعات. ويعكس ذلك انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب التقنية إلى مرحلة التطبيقات التشغيلية التي تؤدي دورًا مباشرًا في رفع كفاءة المرافق الوطنية.
وفي الوقت نفسه، تبرز عملية تحديث شبكات الطاقة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لإنجاح التحوُّل نحو مصادر الطاقة النظيفة. فالتوسُّع في الطاقة المتجددة لا يقتصر على إنشاء محطات جديدة، بل يتطلّب شبكات كهربائية أكثر ذكاءً وقدرة على إدارة مصادر متعددة للطاقة، وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، والاستجابة الفورية للتغيُّرات في الطلب.
وفي هذا الإطار، يرى 64% من المشاركين في الدراسة أنَّ الشبكات الذكية وبرمجيات إدارتها تمثل أدوات حاسمة لدعم هذا التحول، بينما يؤيد 66% دمج مكوّنات منظومة الطاقة المختلفة، بما في ذلك الكهرباء والغاز والهيدروجين وقطاع النقل، ضمن منصة تشغيل موحدة. ويعكس هذا التوجه تحوُّلًا في فلسفة إدارة الطاقة، يقوم على التكامل بين القطاعات بدلًا من إدارتها بصورة منفصلة، بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويزيد مرونة منظومة الطاقة بأكملها.
ويتكامل هذا المسار مع تنامي الاستثمارات الإقليمية في مشاريع الربط الكهربائي العابر للحدود وتوسيع تجارة الطاقة بين دول المنطقة. ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على تعزيز أمن الإمدادات، بل تمتد إلى بناء منظومة طاقة أكثر قدرة على مواجهة الانقطاعات الطارئة والظروف المناخية القاسية، من خلال تبادل الطاقة وتوزيع الأحمال بين الشبكات الوطنية. ويؤشر ذلك إلى أنَّ الشرق الأوسط لا يكتفي بتحديث بنيته التحتية داخليًا، بل يتجه تدريجًا نحو بناء شبكة طاقة إقليمية أكثر ترابطًا ومرونة، تشكل قاعدة أساسية لتحقيق أمن الطاقة والاستدامة في العقود المقبلة.
الاستدامة والتحوُّل الرقمي… وجهان لمستقبل البنية التحتية
ولا يقتصر التحوُّل الذي تشهده البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي على تحديث التقنيات أو توسيع الاستثمارات، بل يمتد إلى إعادة صياغة فلسفة تصميمها وتشغيلها. فوفقًا للتقرير/الدراسة، تتبنى المنطقة نهج “الاستدامة بالتصميم”، الذي يقوم على دمج أهداف خفض الانبعاثات الكربونية والتقنيات الرقمية في صلب مشاريع البنية التحتية منذ مراحل التخطيط الأولى، بدلًا من إضافتها لاحقًا بوصفها حلولًا تكميلية.
وفي هذا الإطار، برزت إزالة الكربون من العمليات التشغيلية باعتبارها إحدى الأولويات الاستراتيجية للمؤسسات في المنطقة. فقد أفادت 70% من المؤسسات المشاركة بأنها وضعت بالفعل أهدافًا لخفض الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 58%. ويعكس هذا الفارق توجُّهًا متسارعًا نحو مواءمة النمو الاقتصادي مع متطلبات الاستدامة، في ظلِّ إدراكٍ متزايد بأنَّ القدرة التنافسية المستقبلية ستعتمد، إلى حد كبير، على كفاءة استخدام الطاقة وخفض البصمة الكربونية.
وفي الوقت نفسه، يُنظَرُ إلى التحوُّل الرقمي باعتباره الأداة الرئيسة لتحقيق هذه الأهداف، لا مجرّد مسارٍ مُوازٍ لها. فقد اعتبرت 68% من المؤسسات أنَّ الرقمنة تمثّل عامل التمكين الأساسي لتطوير البنية التحتية، من خلال توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي والأتمتة في تحسين الأداء التشغيلي، وترشيد استهلاك الموارد، ورفع كفاءة إدارة الأصول في المدى الطويل.
ويبرزُ عنصرٌ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الشراكة الوثيقة بين القطاعَين العام والخاص، التي تبدو أكثر رسوخًا في الشرق الأوسط مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى. إذ أكد 65% من المشاركين في الدراسة/التقرير وجود تعاون فعّال بين الحكومات وقطاع الأعمال في تطوير سياسات الطاقة والبنية التحتية، متجاوزًا المتوسط العالمي البالغ 59%. ويعكس ذلك قناعة متنامية بأنَّ التحوُّل بهذا الحجم لا يمكن أن يعتمد على جهود المؤسسات منفردة، بل يتطلب تنسيقًا بين السياسات العامة والاستثمارات الخاصة والتطورات التقنية.
وتقود هذه المؤشرات مجتمعة إلى خلاصة واضحة: فالدول الخليجية لم تعد تكتفي بوضع رؤى طموحة لمستقبل الطاقة والبنية التحتية، بل بدأت تُترجم هذه الرؤى إلى برامج تنفيذية واستثمارات ملموسة. ومع تزايد ترابط شبكات الطاقة والنقل والاتصالات والبيانات، ستصبح المرونة التشغيلية، والذكاء الرقمي، والقدرة على التكيف مع المتغيرات، عناصر حاسمة في بناء اقتصادات أكثر استدامة وقدرة على المنافسة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن المنطقة تمضي نحو مرحلة جديدة، لا تُقاس فيها قوة البنية التحتية بحجمها أو تكلفتها، بل بمدى ذكائها، واستدامتها، وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
- يارا أبي فرّاج هي صحافية لبنانية متخصصة بشؤون التكنولوجيا.
