سباقُ الخليج إلى الذكاء الاصطناعي… قوةٌ مُستَأجَرة أم سيادةٌ حقيقية؟

يضخُّ الخليج استثمارات هائلة ليحجز موقعًا متقدمًا في عصر الذكاء الاصطناعي. لكن وراء سباق الرقائق ومراكز البيانات سؤال سيادي: مَن يملك التكنولوجيا، ومَن يملك القرار في استخدامها؟

الرئيس دونالد ترامب مع مسؤولين خليجيين في اجتماع مع رؤساء شركات تكنولوجيا أميركية في واشنطن في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

مهند سلوم*

حين تعهّد طارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة “هيومن” (HUMAIN) السعودية للذكاء الاصطناعي، في وقت سابق من هذا العام، باختصار ما يعادل عقدين من التقدّم في عام واحد، لم يكن يتحدث عن طموح شركة ناشئة فحسب. كان يُعبّرُ، بدرجةٍ كبيرة، عن المزاج الجديد في الخليج: سباقٌ سريع لتحويل الثروة النفطية ورأس المال السيادي إلى موقع متقدّم في الاقتصاد الذي يُتَوقَّع أن يصوغ العقود المقبلة.

وخلال أسابيع قليلة، بدأت ملامح هذا السباق تتضح على نحو أكثر طموحًا. فقد وافقت واشنطن على تصدير عشرات الآلاف من أحدث معالجات “إنفيديا” إلى كلٍّ من “هيومن” السعودية و مجموعة “جي 42” (G42) الإماراتية، في خطوة تفتح أمام البلدين باب بناء قدرات حوسبية هائلة كانت القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدمة تجعل الوصول إليها مسألة سياسية بقدر ما هي تجارية. وفي موازاة ذلك، رفعت الرياض قيمة استثماراتها الموعودة في الولايات المتحدة إلى نحو تريليون دولار، بما يعكس حجم التشابك المتزايد بين الطموح التكنولوجي السعودي والعلاقة الاقتصادية مع واشنطن.

وفي الإمارات، يتجسّد الطموح نفسه في مشروع “ستارغيت” (Stargate) الضخم للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، فيما دخلت قطر السباق عبر كيانها السيادي “كيو-آي” (Qai). وبذلك لم تعد المنافسة الخليجية تدور حول استقطاب شركات التكنولوجيا أو إنشاء مراكز بيانات منفردة، بل حول بناء منظومات وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، مدعومة برأس المال السيادي وبشراكات مع أكبر الشركات التكنولوجية في العالم.

والرسالة التي ترافق هذه المشاريع لا تقل طموحًا عن حجمها: أن تكون هذه الاستثمارات حجر الأساس لاقتصادٍ سيادي يتجاوز حقبة النفط، وأن تنتقل دول الخليج من استيراد التكنولوجيا التي تصنع المستقبل إلى المشاركة في صنع ذلك المستقبل بنفسها.

لكن بين امتلاك بُنية تحتية هائلة للذكاء الاصطناعي وامتلاك السيادة التكنولوجية عليها مسافة لا ينبغي تجاهلها.

قوة رقمية… لكن مَن يملك مفاتيحها؟

إنَّ السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس فقط بعدد مراكز البيانات أو وحدات معالجة الرسوم المتقدمة التي تستطيع دولة شراءها. السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى تستطيع هذه الدولة تشغيل تلك القدرات وتطويرها واتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بها من دون أن تبقى رهينة تراخيص أو تقنيات أو قرارات سياسية تصدر في عاصمة أخرى؟

ومن هذه الزاوية، تبدو الصورة الخليجية أكثر تعقيدًا من الخطاب الذي يحيط بالمشاريع العملاقة.

فجزءٌ أساسي من منظومة الذكاء الاصطناعي التي يجري بناؤها في المنطقة يعتمد على سلسلة تكنولوجية لا تزال الولايات المتحدة تُهيمن على مفاصل حاسمة فيها. المعالجات الأكثر تطوُّرًا تأتي من شركات أميركية، والبنية السحابية في عدد من المشاريع ترتبط بمجموعات تكنولوجية أميركية كبرى، كما إنَّ كثيرًا من النماذج الأكثر تقدُّمًا في العالم طُوِّر داخل المنظومة الأميركية.

وهذا لا يعني أن جميع مشاريع الخليج متشابهة أو أنها تخضع للمستوى نفسه من الاعتماد الخارجي. فهناك طيفٌ واسع من الترتيبات. في بعض الحالات، تحتفظ شركات أميركية بدور تشغيلي مباشر داخل البنية التحتية المحلية وبشروط مرتبطة بتراخيص التصدير الأميركية. وفي حالات أخرى، كما في بعض مشاريع “هيومن” السعودية، تكون السيطرة التشغيلية المحلية أكبر، وإن ظلَّ الوصول إلى أكثر الرقائق تطوُّرًا مرتبطًا بالمورّد الأميركي وبقواعد التصدير التي تضعها واشنطن.

وهنا تظهر المفارقة التي قد تصبح واحدة من أهم قضايا السياسة التكنولوجية في الخليج خلال السنوات المقبلة: يمكن للدولة أن تمتلك قدرة حاسوبية هائلة من دون أن تمتلك بالضرورة حرية كاملة في تقرير كيفية استخدامها.

وتوضح تجربة مجموعة “جي 42” الإماراتية حساسية هذه المسألة. فتعميق شراكات الشركة مع الولايات المتحدة والوصول إلى التكنولوجيا الأميركية المتقدمة ترافقا مع تقليص روابطها التكنولوجية والاستثمارية مع الصين، في وقت ازداد فيه التدقيق الأميركي في احتمال وصول التقنيات المتقدمة إلى شركات أو جهات صينية.

المسألة هنا تتجاوز شركة واحدة. فهي تكشف كيف انتقلت المنافسة الأميركية-الصينية إلى قلب البنية الرقمية التي تحاول دول الخليج بناءها.

فالرقائق المتقدّمة لم تعد مجرّد سلعة تُشترى في السوق. لقد أصبحت أصلًا استراتيجيًا تحكم تصديره اعتبارات الأمن القومي والتحالفات والتنافس بين القوى الكبرى. ومَن يملك التكنولوجيا الأكثر حساسية لا يُحدّد سعرها وشروط بيعها فحسب، بل يستطيع أيضًا أن يضع قيودًا على وجهتها وطريقة استخدامها والجهات التي يمكن أن تتعامل معها.

وهذا يضع دول الخليج أمام معادلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة في الاقتصاد النفطي التقليدي.

فهي تريد بناء صناعة ذكاء اصطناعي عالمية المستوى، وتحتاج لتحقيق ذلك إلى أحدث الرقائق والنماذج والمنصّات السحابية. وفي الوقت نفسه، تريد الحفاظ على سياسة خارجية تقوم بدرجات متفاوتة على تنويع الشراكات وعدم الارتهان الكامل لمحورٍ دولي واحد، بما في ذلك استمرار العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية المهمة مع الصين.

لكن الجمع بين الهدفين يصبح أكثر صعوبة كلما ازدادت التكنولوجيا ارتباطًا بالسياسة.

ولهذا فإنَّ النقاش الحقيقي حول “السيادة في الذكاء الاصطناعي” لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الاستثمارات أو عدد مراكز البيانات أو كمية المعالجات التي تصل إلى الرياض وأبوظبي والدوحة. هذه مؤشرات إلى القوة والقدرة، لكنها ليست وحدها مؤشرات إلى الاستقلال.

السؤال الأعمق هو مَن يسيطر على الطبقات الأساسية للمنظومة: مَن يصمم الرقائق؟ مَن يملك البرمجيات والنماذج؟ مَن يدير البنية السحابية؟ مَن يضع شروط الترخيص؟ ومَن يستطيع، في لحظة خلاف سياسي أو تغيُّر في قواعد التصدير، تقييد الوصول إلى التكنولوجيا التي أصبحت الاقتصادات الجديدة تعتمد عليها؟

عند هذه النقطة، يتحوّل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من قصة استثمار وتكنولوجيا إلى قضية سيادة وجيوسياسة.

فالمعيار الحقيقي لن يكون فقط مقدار القدرة الحاسوبية التي يستطيع الخليج شراءها، بل مقدار السيطرة التي يستطيع الاحتفاظ بها عليها. وبعبارة أكثر مباشرة: السؤال ليس مَن يملك مركز البيانات، بل مَن يملك مفاتيحه.

حين تصبح الاعتمادية بوليصة تأمين

لكن ثمة حجة مقابلة تستحق أن تؤخذ بجدية: ماذا لو كانت دول الخليج تُدرك تمامًا طبيعة هذه الاعتمادية، وتتعامل معها لا باعتبارها نقطة ضعف، بل أداة لتعزيز أمنها؟

من هذا المنظور، يمكن قراءة الاستثمارات الخليجية الهائلة في الولايات المتحدة، والتي قد تتجاوز قيمتها المعلنة تريليون دولار، بالتوازي مع استضافة المنطقة بنية تحتية ومشاريع استراتيجية لشركات أميركية مثل “مايكروسوفت” و”غوغل” و”أمازون” و”إنفيديا”، بوصفها جُزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تحويل التشابك الاقتصادي والتكنولوجي إلى مظلّة سياسية وأمنية.

الفكرة بسيطة في جوهرها: كلما أصبحت اقتصادات الخليج ومراكز بياناته واستثماراته أكثر أهمية للشركات الأميركية وللاقتصاد الأميركي نفسه، ارتفعت كلفة تعرّض المنطقة للخطر بالنسبة إلى واشنطن. وبدلًا من أن يكون أمن الخليج مجرّد التزام سياسي قابل لإعادة النظر، يصبح استقراره مرتبطًا بمصالح تجارية وتكنولوجية أميركية مباشرة.

وقد شهدت هذه الفرضية اختبارًا عمليًا خلال المواجهة التي اندلعت في ربيع هذا العام بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وشملت هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت بنى رقمية ومنشآت للطاقة في الخليج. وفي تلك اللحظة، بدا أنَّ شبكة المصالح الأمنية والاقتصادية القائمة بين دول المنطقة وواشنطن لم تتفكك تحت الضغط.

لكن هنا تحديدًا تظهر حدود هذه الاستراتيجية.

فالاعتماد المُتبادَل يمكن أن يوفّر حماية، لكنه لا يلغي اختلال القوة بين الطرفين. وبوليصة التأمين التي لا يملك صاحبها شروطها كاملة تبقى، في نهاية المطاف، مرتبطة بإرادة الجهة التي تستطيع تعديل تلك الشروط. وما يعمل اليوم باعتباره شبكة أمان يمكن، عند اختلاف المصالح، أن يتحوّل إلى أداة ضغط.

وليست هذه مُعضِلة جديدة في تاريخ العلاقات الخليجية-الأميركية.

فمنذ اللقاء الشهير بين الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد الأميركي “يو أس أس كوينسي” عام 1945، ترسّخت معادلة استراتيجية ربطت أمن الخليج ومصالح الطاقة بعلاقة خاصة مع الولايات المتحدة. ثم تعمّقت هذه العلاقة في السبعينيات مع صعود ما عُرف بنظام “البترودولار”، الذي ربط تدفّقات النفط الخليجية بصورة أوثق بالنظام المالي والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وقد وفّرت هذه المعادلة لدول الخليج عقودًا من الأمن والازدهار والنفوذ الدولي. لكنها كشفت أيضًا عن حقيقة ملازمة لها: التشابك لا يعني بالضرورة التكافؤ في القدرة على تحديد شروط العلاقة.

ظهر ذلك بوضوح عندما اختلفت أولويات الرياض وواشنطن بشأن قرار “أوبك +” خفض إنتاج النفط في تشرين الأول (أكتوبر) 2022. ففي غضون أيام، تصاعد في واشنطن الحديث عن “عواقب” للعلاقة مع السعودية، وعاد مشروع قانون “نوبيك” (NOPEC)، الذي يستهدف الممارسات الاحتكارية في سوق النفط، إلى الواجهة، بالتوازي مع دعوات إلى مراجعة جوانب من التعاون العسكري وصفقات السلاح.

لم يؤدِّ الخلاف إلى انهيار العلاقة، لكنه أظهر مدى سرعة تحوُّل الاعتماد المُتبادَل إلى مصدر ضغط عندما تتباعد المصالح. واللافت أنَّ نمطًا مشابهًا ظهر بالفعل في المجال التكنولوجي قبل الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي.

ففي عام 2021، برزت مسألة الوجود التكنولوجي الصيني في الإمارات، ولا سيما معدات “هواوي” في شبكات الاتصالات، ضمن المخاوف الأميركية المحيطة بصفقة مقاتلات “أف-35″. وكانت واشنطن تخشى أن يؤدي وجود التكنولوجيا الصينية الحساسة إلى مخاطر أمنية تتعارض مع تشغيل إحدى أكثر منظوماتها العسكرية تطوّرًا. وفي النهاية، علّقت أبوظبي المحادثات بشأن الصفقة بعدما اعتبرت بعض المتطلبات الأميركية شديدة التقييد.

اليوم تعود المُعضِلة نفسها، ولكن حول سلعة استراتيجية مختلفة” الرقائق المتقدمة.

فالوصول إلى أحدث معالجات الذكاء الاصطناعي الأميركية يأتي هو الآخر ضمن منظومة من الشروط والضمانات المتعلقة بالأمن، والاستخدام النهائي، والعلاقات مع الشركات الصينية. وهكذا تنتقل نقطة الاحتكاك من شبكات الاتصالات والمقاتلات إلى مراكز البيانات والقدرة الحاسوبية.

وهنا تكمن المفارقة. فالعلاقة التي تمنح دول الخليج اليوم وصولًا إلى التكنولوجيا الأكثر تقدُّمًا في العالم، وتربط مصالح شركات أميركية عملاقة باستقرار المنطقة، يمكن أن تمنح واشنطن في الوقت نفسه نفوذًا على خياراتها التكنولوجية المستقبلية: ما التقنيات التي يمكن الحصول عليها، وكيف تُستخدم، وإلى أين يمكن تصدير الخدمات المبنية عليها، ومَن يمكن أن يكون شريكًا فيها.

بذلك لا تختفي الاعتمادية؛ بل تتغيّر طبيعتها.

ففي القرن العشرين كان مركز العلاقة هو النفط والسلاح والأمن. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تصبح الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والنماذج المتقدمة جُزءًا من المعادلة نفسها. والاختلاف أنَّ البنية الرقمية تتغلغل في قطاعات الاقتصاد والدولة بوتيرة قد تجعل الاعتماد عليها أعمق وأصعب في الاستبدال.

وهنا تصبح التجربة الأوروبية مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى الخليج.

فبعد سنوات من الاعتماد الواسع على الشركات غير الأوروبية في البنية الرقمية والحوسبة السحابية، بدأ الاتحاد الأوروبي يتعامل مع مفهوم “السيادة الرقمية” باعتباره قضية استراتيجية. وينطلق هذا التوجه من إدراك أنَّ جُزءًا كبيرًا من البيانات والخدمات والبنية السحابية الأوروبية يعتمد على شركات مقرّها خارج القارة، ولا سيما الشركات الأميركية.

ولذلك تسعى بروكسل، بدرجات متفاوتة، إلى تقليل مواطن الاعتماد هذه: من تشديد القواعد المتعلّقة بالبيانات الحساسة والخدمات السحابية، إلى دعم القدرات الأوروبية في أشباه الموصلات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، ومحاولة توفير بدائل محلية في المجالات التي تعتبرها استراتيجية.

ولا يعني ذلك أنَّ أوروبا حققت استقلالًا رقميًا، أو أنها قريبة بالضرورة من تحقيقه. فالاقتصاد الأوروبي نفسه مرتبط بعمق بالشركات والتكنولوجيا الأميركية، كما إنَّ بناء بدائل قادرة على المنافسة يحتاج إلى وقت ورأس مال وقدرات صناعية ضخمة.

لكن الاتجاه السياسي مهم.

فأوروبا تنظر بصورة متزايدة إلى اعتمادها التكنولوجي الخارجي باعتباره مخاطرة استراتيجية ينبغي تقليصها، بينما تتجه دول الخليج، في المرحلة الحالية على الأقل، إلى بناءِ جُزءٍ كبير من طموحها في الذكاء الاصطناعي من خلال تعميق شراكاتها مع المنظومة التكنولوجية الأميركية.

ولا يعني هذا بالضرورة أنَّ أحد الخيارين صحيح والآخر خاطئ. فقد يكون الخليج قادرًا على استخدام رأس المال والأسواق والموقع الجغرافي لبناء قدراته المحلية تدريجيًا من داخل هذه الشراكات، بدلًا من محاولة إنشاء منظومة مستقلة من الصفر. وقد تكون سرعة الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة أكثر قيمة في هذه المرحلة من الاستقلال الكامل عنها.

لكن المقارنة الأوروبية تطرح سؤالًا يصعب تجنّبه: إذا كانت اقتصادات متقدمة تملك قاعدة صناعية وعلمية واسعة ترى أنَّ الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأجنبية يمثل مشكلة سيادية، فإلى أي حد يستطيع الخليج أن يجعل الاعتماد على المنظومة نفسها أساسًا لسيادته الرقمية؟

وهنا تعود المسألة إلى المفارقة التي يقوم عليها المشروع كله: التشابك مع القوة التكنولوجية الأكبر في العالم قد يكون أحد أسرع الطرق لبناء قوة خليجية في الذكاء الاصطناعي. لكنه، من دون استراتيجية موازية لبناء المعرفة والملكية الفكرية والقدرات المحلية والتحكم التشغيلي، قد يجعل الوصول إلى تلك القوة مرتبطًا دائمًا بالشروط التي يضعها مَن يملك التكنولوجيا الأصلية.

السيادة التي لا يمكن شراؤها

لكن كل ذلك لا يعني أنَّ الرهان الخليجي على الذكاء الاصطناعي خاطئ، أو أنَّ مليارات الدولارات التي تُنفَقُ على بناء مراكز البيانات واستقطاب الشركات العالمية تُهدَرُ في مشروعٍ بلا جدوى. على العكس، المنطقة تبني في سنواتٍ قليلة قدرات كان إنشاؤها يحتاج في السابق إلى عقود. غير أنَّ نجاح هذه الاستراتيجية يتطلّب تسمية الأشياء بأسمائها: امتلاك القدرة ليس هو نفسه امتلاك السيادة عليها.

فالسيادة التكنولوجية لا تُشترى جاهزة ولا تُستَأجَرُ من الخارج. إنها تُبنى في الطبقات التي تستطيع الدولة امتلاكها والتحكُّم بها فعليًا. وفي مقدمتها البيانات، بوصفها المادة الخام التي ستُحدّد جانبًا كبيرًا من الميزة التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي، ثم النماذج المفتوحة التي يمكن نقلها وتشغيلها وتطويرها وتكييفها محليًا من دون أن يبقى استخدامها مرهونًا بإذنٍ خارجي.

لكن العنصر الأكثر أهمية ليس الرقائق ولا مراكز البيانات، بل البشر.

فالتحدّي الحقيقي أمام الخليج ليس ندرة رأس المال؛ فالمنطقة تملك من الموارد المالية ما يكفي لشراء أحدث التقنيات وبناء أضخم المنشآت. التحدّي هو بناء قاعدة من المهندسين والباحثين والعلماء القادرين على تصميم الأنظمة المتقدّمة وتشغيلها وصيانتها وتطويرها محليًا. ولا تزال هذه القاعدة، قياسًا إلى حجم الطموحات والاستثمارات المعلنة، محدودة.

وهنا تحديدًا تظهر بعض المؤشرات التي تستحق البناء عليها: تطوير نماذج مفتوحة المصدر في الإمارات، والعمل في السعودية على أنظمة ونماذج أكثر قدرة على التعامل مع اللغة العربية واحتياجات المنطقة. هذه المشاريع قد تبدو اليوم جُزءًا أصغر من مشهد تهيمن عليه مراكز البيانات العملاقة وصفقات الرقائق، لكنها تمثل في الواقع الطبقة الأقرب إلى مفهوم السيادة الذي تبحث عنه دول الخليج.

فالهدف في المدى الطويل لا ينبغي أن يكون الاستغناء عن الشركات الأميركية أو غيرها، ولا بناء منظومة تكنولوجية معزولة عن العالم؛ فهذا غير واقعي في صناعة تقوم بطبيعتها على سلاسل توريد ومعرفة عابرة للحدود. الهدف هو ألّا تتحوّل الشراكة إلى عجز عن الاختيار.

عملية البناء بدأت، ومن المرجح أن تتسارع. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون عدد الرقائق التي تستطيع الرياض وأبوظبي والدوحة تشغيلها هذا العام، ولا حجم مراكز البيانات التي ستفتتحها خلال الأعوام المقبلة.

الاختبار سيكون مَن يملك القرار بعد عشر سنوات.

فإذا استطاعت دول الخليج أن تُحوِّلَ ما تشتريه اليوم إلى معرفة وبيانات ونماذج وكفاءات تمتلكها غدًا، تكون قد استخدمت الاعتماد لبناء استقلال أكبر. أما إذا ظلت أهم طبقات منظومتها الرقمية تعمل وفق شروط يُحدّدها الآخرون، فستكون قد استبدلت اعتمادًا قديمًا بآخر أكثر تطوّرًا.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ربما يكون أبسط تعريف للسيادة هو الأكثر دقة: أن تملك التكنولوجيا، وأن تملك معها مفتاح تشغيلها وإيقافها.

Exit mobile version