حروب البطاريات… كيف أصبحت خزّانات الطاقة سلاحًا في المنافسة العالمية؟

لم تعد المنافسة العالمية على الطاقة تقتصر على النفط والغاز، بل امتدّت إلى التكنولوجيا التي ستخزّن كهرباء المستقبل. وفي قلب هذا السباق، تحوّلت البطاريات إلى ساحة صراعٍ صناعي وجيوسياسي ستُحدّد ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

الصين لا تقود صناعة البطاريات فحسب، بل تعيد رسم موازين القوة في الاقتصاد الكهربائي العالمي.

الدكتور ربّاح مطر*

في كلِّ مرحلة من مراحل التاريخ الحديث، كانت هناك سلعة أو تقنية تُعيدُ رسم موازين القوة بين الدول. فقد شكّل الفحم أساس الثورة الصناعية، ثم أصبح النفط المحرّك الرئيس للاقتصاد العالمي طوال القرن العشرين، قبل أن تتحوّل أشباه الموصلات إلى قلب الثورة الرقمية. واليوم، تبرز البطاريات بوصفها الحلقة الجديدة في هذه السلسلة؛ فلم تعد مجرّد وسيلة لتخزين الكهرباء، بل أصبحت ركيزةً لاقتصادٍ يقوم على السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وحتى الصناعات الدفاعية.

ولم يكن هذا التحوُّل وليد المصادفة. فحتى وقتٍ قريب، انحصر الاهتمام بالبطاريات في تشغيل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. لكن التحوُّل العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون، والتوسُّع المتسارع في السيارات الكهربائية، والطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، نقلها إلى قلب الاقتصاد العالمي، لتغدو أحد المكوِّنات الأساسية لمنظومة النقل والطاقة والصناعات المتقدمة.

هذا التحوُّل غيّر النظرة إلى البطاريات بالكامل. فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره منتجًا صناعيًا عالي التقنية، بات اليوم يُعامل بوصفه أصلًا استراتيجيًا يمسُّ الأمن القومي للدول. ولم يعد السؤال المطروح هو من ينتج البطاريات الأكثر كفاءة، بل مَن يملك القدرة على التحكُّم في سلاسل توريدها، وتأمين المواد الخام اللازمة لصناعتها، وتطوير أجيالها المقبلة.

ولعلَّ هذا ما يفسّر تصاعُد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وانخراط أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية والهند في سباقٍ محموم لبناء صناعات محلية قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بصناعة السيارات الكهربائية، بل بمستقبل الاقتصاد الرقمي بأكمله، في وقتٍ تتزايد الحاجة إلى تخزين الكهرباء مع توسُّع الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وارتفاع استهلاك الكهرباء نتيجة الطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنَّ الطلب العالمي على البطاريات يتضاعف بوتيرةٍ غير مسبوقة، مدفوعًا أساسًا بالنمو السريع لسوق السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. ففي غضون سنوات قليلة فقط، تحوّلت البطاريات إلى إحدى أسرع الصناعات نموًا في العالم، مع استثمارات بمئات مليارات الدولارات لإنشاء مصانع عملاقة، وتطوير تقنيات جديدة، وتأمين إمدادات الليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت وغيرها من المعادن الحيوية.

لكن هذه الثورة الصناعية تخفي وراءها واقعًا أكثر تعقيدًا. فبينما تتسابق الحكومات على دعم مصانع البطاريات، يتركّز معظم حلقات سلسلة القيمة العالمية في دولة واحدة هي الصين، التي لم تكتفِ ببناء أكبر قاعدة إنتاجية في العالم، بل نجحت أيضًا في فرض حضورها على مختلف مراحل الصناعة، من تكرير المعادن وتصنيع المواد الفعالة، وصولًا إلى إنتاج الخلايا والبطاريات النهائية. وهذا ما دفع كثيرين إلى تشبيه البطاريات اليوم بالنفط في القرن العشرين، باعتبارها المورد الذي ستتحدد على أساسه موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.

ومن هنا، لم يعد السباق العالمي يدور حول إنتاج المزيد من البطاريات فحسب، بل حول مَن يمتلك التكنولوجيا، ومن يتحكّم في المواد الخام، ومَن يُحدّد قواعد السوق العالمية. إنها منافسة تتجاوز حدود الصناعة، لتصبح جُزءًا من الصراع على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وربما الجيوسياسي، في عالمٍ يُعيدُ رسم أولوياته بوتيرةٍ غير مسبوقة.

كيف بنت الصين إمبراطورية البطاريات؟

ولم تأتِ هذه الهيمنة نتيجة طفرة عابرة، بل كانت ثمرة سياسة صناعية امتدت لأكثر من عشرين عامًا.

قبل عقدين فقط، لم تكن الصين تتصدر الحديث عن البطاريات، وكانت الشركات اليابانية والكورية الجنوبية تهيمن على هذه الصناعة، مُستفيدةً من خبرتها الطويلة في الإلكترونيات وصناعة السيارات. أما اليوم، فقد انقلب المشهد بالكامل. فلم تعد الشركات الصينية أكبر منتج للبطاريات في العالم فحسب، بل أصبحت تتحكّم في معظم حلقات سلسلة التوريد، من استخراج المواد الخام وتكريرها، إلى تصنيع المكوّنات الأساسية، وانتهاءً بإنتاج الخلايا التي تشغل السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. وتشير التقديرات إلى أنَّ الصين ستحتفظ بهذه الهيمنة خلال السنوات المقبلة، مع امتلاكها طاقة إنتاجية تتجاوز بأضعاف ما تمتلكه الاقتصادات الصناعية الأخرى مجتمعة.

ولم يكن هذا التفوُّق وليد المصادفة أو نتيجة انخفاض تكاليف العمالة، كما كان يُعتقد في السابق، بل جاء ثمرة استراتيجية صناعية طويلة الأمد بدأت منذ مطلع الألفية. فقد تعاملت بكين مع البطاريات باعتبارها صناعة استراتيجية للمستقبل، تمامًا كما تعاملت مع شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. ولذلك، لم تكتفِ بدعم الشركات المصنّعة، بل بنت منظومة متكاملة تشمل التعدين، والتكرير، والتصنيع، والبحث العلمي، وسوقًا محلية ضخمة قادرة على استيعاب الإنتاج وتشجيع الابتكار.

وكانت نقطة التحوُّل الحقيقية مع الانفجار الكبير في سوق السيارات الكهربائية. فبفضل الدعم الحكومي السخي، والحوافز الموجَّهة للمستهلكين، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للشحن، تحوّلت الصين إلى أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، ما وفر لشركاتها فرصة لاختبار التقنيات الجديدة وتوسيع الإنتاج بوتيرة لم تتمكن أي دولة أخرى من مجاراتها. ومع كل مصنع جديد، كانت تنخفض تكاليف الإنتاج، وتتحسّن الجودة، وتزداد القدرة على المنافسة عالميًا.

لكن سر القوة الصينية لا يكمن في حجم الإنتاج وحده، بل في السيطرة على المراحل الأكثر قيمة في الصناعة. فالبطارية ليست منتجًا واحدًا، بل سلسلة طويلة من العمليات تبدأ بتكرير المعادن، مرورًا بإنتاج المواد الفعالة التي تدخل في تصنيع الأقطاب الكهربائية، ثم تصنيع الخلايا وتجميعها في حزم جاهزة للاستخدام. وفي معظم هذه المراحل، تمتلك الشركات الصينية حضورًا طاغيًا، ولا سيما في إنتاج الغرافيت الصناعي والمواد المستخدمة في الأنود والكاثود، وهي مكوّنات يصعب الاستغناء عنها في البطاريات الحديثة. وتشير التقارير في هذا المجال إلى أنَّ هذا التكامل الرأسي منح الصين أفضلية يصعب تعويضها في المدى المنظور، لأنه يقلل الكلفة ويختصر زمن الإنتاج ويعزز الابتكار المستمر.

وإلى جانب ذلك، استفادت الشركات الصينية من وفورات الحجم بصورة غير مسبوقة. فكلما توسّعت المصانع وانخفضت كلفة الإنتاج، أصبحت البطاريات الصينية أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. واليوم، لا يعود الفارق السعري بينها وبين المنتجات الغربية إلى انخفاض الأجور فقط، بل إلى كفاءة المصانع، وارتفاع الإنتاجية، وسرعة تطوير خطوط التصنيع، إضافة إلى اعتماد مستويات متقدمة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي لإدارة العمليات الصناعية وتقليل الهدر وتحسين الجودة. وتشير التقديرات إلى أنَّ المصانع الصينية المتطوّرة نجحت في خفض نسب الفاقد إلى مستويات يصعب على المصانع الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا بلوغها في المراحل الأولى من التشغيل.

هذا التفوُّق لا ينعكس على الإنتاج الحالي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى القدرة على تحديد اتجاهات السوق. فقد كانت الصين من أوائل الدول التي راهنت على بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، وهي تقنية كانت تُعد أقل جاذبية قبل سنوات بسبب كثافتها الطاقية المنخفضة مقارنة ببطاريات النيكل والكوبالت. لكن الشركات الصينية واصلت تطويرها حتى أصبحت أقل تكلفة وأكثر أمانًا، ونجحت في رفع كفاءتها إلى مستويات جعلتها الخيار المفضل لقطاع واسع من السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. واليوم، تستحوذ هذه الفئة على نحو نصف سوق بطاريات الليثيوم عالميًا، فيما تتركز الغالبية الساحقة من قدراتها الإنتاجية داخل الصين.

ولعل أكثر ما يثير قلق المنافسين أنَّ بكين لا تكتفي بالدفاع عن موقعها الحالي، بل تستثمر بكثافة في الجيل التالي من البطاريات، مثل بطاريات الصوديوم، وبطاريات الأنود السيليكوني، والبطاريات ذات الحالة الصلبة. وبذلك، لا تسعى فقط إلى الاحتفاظ بصدارتها في التكنولوجيا الحالية، بل إلى ضمان انتقال هذه الهيمنة إلى التقنيات التي ستقود الصناعة خلال العقد المقبل.

وهنا تحديدًا بدأت الولايات المتحدة وأوروبا تدركان أنَّ المنافسة لم تعد تدور حول بيع بطاريات أكثر، بل حول السيطرة على صناعة ستُحدّد مستقبل السيارات والطاقة والذكاء الاصطناعي، وربما موازين الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة. ومن هذا الإدراك، انطلقت موجة جديدة من السياسات الصناعية الهادفة إلى إعادة بناء سلاسل التوريد خارج الصين، حتى وإن تطلّب ذلك استثمارات هائلة وحماية تجارية غير مسبوقة.

من سباق صناعي إلى معركة جيوسياسية

إذا كانت الصين قد نجحت في بناء أكبر صناعة للبطاريات في العالم، فإنَّ السؤال الذي يشغل العواصم الغربية اليوم ليس كيف تنافسها، بل كيف تقلل اعتمادها عليها. فالمسألة تجاوزت منذ سنوات حدود المنافسة التجارية، لتصبح قضية تتعلق بالأمن الاقتصادي والأمن القومي، في ظل تزايد القناعة بأنَّ السيطرة على البطاريات تعني، عمليًا، السيطرة على جُزءٍ كبير من الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.

وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة مع توسُّع الاعتماد على الكهرباء في مختلف القطاعات. فكلُّ سيارة كهربائية، ومحطة لتخزين الطاقة، ومركز بيانات يعمل على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يعتمد في النهاية على بطاريات تحتاج إلى معادن ومكوّنات وسلاسل توريد معقدة. وإذا تركزت هذه السلسلة في دولة واحدة، فإنَّ أيَّ أزمة سياسية أو تجارية قد تتحول سريعًا إلى أزمة صناعية عالمية.

ولعلَّ التجربة التي عاشها العالم خلال جائحة “كوفيد-19″، ثم اضطرابات سلاسل الإمداد، وأخيرًا التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، كانت كافية لتغيير طريقة تفكير الحكومات. فبعدما كان معيار الكفاءة الاقتصادية يقوم على الإنتاج الأرخص والأسرع، أصبح معيار “المرونة” يحتل موقعًا متقدمًا في رسم السياسات الصناعية. ولم يعد السؤال: مَن يستطيع التصنيع بأقل تكلفة؟ بل: ماذا سيحدث إذا انقطع هذا المورد أو أصبح خاضعًا لاعتبارات سياسية؟

ولم تعد هذه المخاوف نظرية. فقد أظهرت السنوات الأخيرة كيف يمكن للقيود التي تفرضها الدول على تصدير المعادن والمعدات الاستراتيجية أن تتحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي. فعندما شددت الصين القيود على تصدير بعض المعادن الحيوية ومعدات تصنيع البطاريات، أدركت الولايات المتحدة وأوروبا أنَّ الاعتماد على مورد واحد في قطاع بهذا الحجم لم يعد مجرد مسألة تجارية، بل أصبح قضية تتعلق بالأمن الصناعي والاستراتيجي.

هذا التحوُّل يفسّر موجة الحوافز الحكومية الضخمة التي أطلقتها الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الأخيرة. فقد خصّصت واشنطن، عبر “قانون خفض التضخم”، عشرات المليارات من الدولارات لدعم تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية محليًا، فيما تبنّى الاتحاد الأوروبي سياسات تهدف إلى توطين أجزاء أكبر من سلسلة القيمة، من استخراج المعادن إلى تصنيع الخلايا وإعادة التدوير. ولم يعد الهدف منافسة الصين في الأسعار، بل بناء قدرة إنتاجية تمنح هذه الاقتصادات هامشًا أكبر من الاستقلالية في القطاعات الحيوية.

لكن المهمة تبدو أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه على الورق. فالصين لا تهيمن فقط على إنتاج البطاريات، بل تمتلك أيضًا أفضلية واضحة في كفاءة المصانع، وتكلفة التصنيع، وإنتاج المواد الوسيطة، فضلًا عن خبرة تراكمت على مدى أكثر من عقدين. وتشير التقديرات إلى أنَّ الطاقة الإنتاجية الصينية قد تتجاوز الطلب العالمي نفسه بحلول نهاية العقد الحالي، وهو ما يمنح الشركات الصينية قدرة كبيرة على خفض الأسعار وإغراق الأسواق، الأمر الذي يضع المصانع الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا تحت ضغط اقتصادي شديد حتى قبل أن تبدأ العمل بكامل طاقتها.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع انتقال المنافسة إلى مرحلة جديدة. فبينما تعمل الدول الغربية على بناء مصانعها، تواصل الشركات الصينية الاستثمار في التقنيات المقبلة، وتوسيع حضورها في الأسواق الخارجية عبر إنشاء مصانع وشراكات في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. وبهذا، لم تعد المنافسة تقتصر على التصدير من الصين، بل أصبحت تشمل بناء نفوذ صناعي عالمي يصعب تجاوزه.

وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها أنَّ القطيعة الكاملة مع الصين ليست خيارًا عمليًا، على الأقل في المستقبل المنظور. فالكثير من المواد والمعدات والآلات اللازمة لصناعة البطاريات لا تزال تعتمد بصورة أو بأخرى على الموردين الصينيين، كما إنَّ الشركات الغربية نفسها تحتاج إلى التعاون مع نظيراتها الصينية في بعض المجالات لتسريع نقل التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج. ولهذا، بدأت تظهر مقاربة أكثر واقعية تقوم على “تقليل المخاطر” بدلًا من “فك الارتباط”، أي تنويع مصادر الإمداد وبناء قدرات محلية تدريجيًا، من دون السعي إلى إنهاء العلاقات الاقتصادية بالكامل.

وتعكس هذه المقاربة إدراكًا متزايدًا بأنَّ معركة البطاريات لن تُحسَمَ عبر الرسوم الجمركية أو الدعم الحكومي وحدهما، بل عبر الابتكار أيضًا. فمَن ينجح في تطوير الجيل المقبل من البطاريات سيكون الأقدر على إعادة رسم خريطة الصناعة العالمية، حتى لو كان متأخرًا في المنافسة الحالية.

ولهذا، لا تتركز الاستثمارات الكبرى اليوم على زيادة إنتاج بطاريات الليثيوم التقليدية فقط، بل تتجه أيضًا نحو تطوير تقنيات جديدة قد تغير قواعد اللعبة بالكامل، سواء من خلال خفض الاعتماد على المعادن النادرة، أو تقليل الكلفة، أو رفع كثافة الطاقة وسرعة الشحن. وهنا تحديدًا، تبدأ المرحلة التالية من السباق العالمي، حيث لم يعد التنافس يدور حول من ينتج أكثر، بل حول مَن يمتلك التكنولوجيا التي ستقود السوق في العقد المقبل.

هل تغيّر بطاريات المستقبل قواعد اللعبة؟

رُغمَ أنَّ بطاريات “الليثيوم أيون” لا تزال العمود الفقري لصناعة السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، فإنَّ السباق الحقيقي لم يعد يدور حول تحسين هذه التكنولوجيا فحسب، بل حول ابتكار الجيل التالي من البطاريات. فكما تجاوزت الهواتف الذكية الهواتف التقليدية، يتوقع خبراء الصناعة أن تشهد السنوات المقبلة ظهور تقنيات جديدة قد تعيد رسم خريطة المنافسة العالمية، سواء عبر خفض التكاليف أو تقليل الاعتماد على المعادن النادرة أو زيادة كفاءة التخزين وسرعة الشحن.

وفي مقدمة هذه التقنيات تبرز بطاريات الصوديوم، التي ينظر إليها كثيرون بوصفها المنافس الأكثر جدية لبطاريات الليثيوم في بعض الاستخدامات. وتكمن أهميتها في أنها تعتمد على الصوديوم، وهو عنصر أكثر وفرة وأقل تكلفة من الليثيوم، ما يقلل الضغوط على سلاسل توريد المعادن الحيوية. صحيح أنَّ كثافة الطاقة فيها لا تزال أقل من بطاريات الليثيوم، الأمر الذي يجعلها أقل ملاءمة للسيارات ذات المدى الطويل، لكنها تبدو خيارًا واعدًا لأنظمة تخزين الكهرباء على الشبكات، والمركبات الاقتصادية، والتطبيقات التي لا تتطلب بطاريات خفيفة الوزن أو ذات أداء فائق. وتشير الدراسات إلى أنَّ الصين تتقدم بفارق واضح في هذا المجال أيضًا، سواء من حيث براءات الاختراع أو المصانع التجارية، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار سيناريو هيمنتها على بطاريات الليثيوم.

غير أنَّ بطاريات الصوديوم ليست وحدها التي قد تعيد رسم خريطة الصناعة، إذ تعمل مختبرات وشركات حول العالم على تطوير تقنيات أخرى تستهدف رفع كثافة الطاقة، وتقليص زمن الشحن، وخفض تكاليف الإنتاج، بما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من البطاريات الأكثر كفاءة وتنافسية.

وفي المقابل، تراهن الولايات المتحدة وأوروبا على تقنيات أخرى تمنحهما فرصة لاستعادة جُزءٍ من زمام المبادرة. ومن أبرزها بطاريات الأنود السيليكوني، التي تستبدل جزءًا من الغرافيت المستخدم في البطاريات الحالية بالسيليكون، ما يسمح بزيادة كثافة الطاقة وتحسين سرعة الشحن من دون الحاجة إلى إعادة تصميم خطوط الإنتاج بالكامل. ولهذا السبب، تعد هذه التقنية من أكثر الابتكارات القابلة للتطبيق التجاري في المدى القريب، إذ يمكن دمجها تدريجًا في المصانع القائمة بدلًا من بناء مصانع جديدة بالكامل. وتشير المؤشرات إلى أنَّ الشركات الغربية تمتلك حضورًا قويًا في هذا المجال من حيث الابتكار وبراءات الاختراع، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية للمنافسة.

أما التقنية التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام الإعلامي، فهي بطاريات الحالة الصلبة، التي يراها كثيرون الخطوة التالية في تطور السيارات الكهربائية. فبدلًا من استخدام إلكتروليت سائل، تعتمد هذه البطاريات على مواد صلبة، ما يرفع مستويات الأمان ويزيد كثافة الطاقة ويختصر زمن الشحن. وإذا نجحت الشركات في تجاوز التحديات التصنيعية، فقد تتيح إنتاج سيارات تقطع مسافات أطول ببطاريات أصغر حجمًا وأخف وزنًا. لكن معظم الخبراء يرون أنَّ انتشارها الواسع لا يزال يحتاج إلى سنوات، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعقيد عمليات التصنيع مقارنة بالتقنيات الحالية.

وتجري كذلك أبحاث مكثفة على بطاريات الليثيوم المعدني والليثيوم-الكبريت، اللتين تعدان بكثافة طاقة أعلى بكثير من البطاريات التقليدية، وهو ما يجعلهما جذابتين للطائرات المسيّرة، والطيران الكهربائي، وبعض التطبيقات العسكرية والفضائية. إلّا أنَّ هذه التقنيات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بعمر البطارية والاستقرار والسلامة، ما يجعل استخدامها التجاري الواسع أقرب إلى نهاية العقد الحالي أو مطلع العقد المقبل.

لكن اللافت أنَّ المنافسة لم تعد تقتصر على نوع البطارية نفسها، بل امتدت إلى طريقة تصنيعها. فالشركات الكبرى تتسابق اليوم لتطوير مصانع أكثر ذكاءً تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتقنيات “التوأم الرقمي” لتحسين الإنتاج وتقليل الهدر، إلى جانب ابتكار أساليب تصنيع جديدة مثل الطلاء الجاف، الذي يختصر مراحل الإنتاج ويخفض استهلاك الطاقة والمواد الكيميائية، مع إمكانية تقليص تكاليف التصنيع بصورة ملموسة. وإذا أثبتت هذه التقنيات نجاحها على نطاق واسع، فإنها قد تكون مؤثرة في مستقبل الصناعة بقدر تأثير الكيمياء الجديدة للبطاريات نفسها.

ومع ذلك، لا يتوقع خبراء الصناعة أن تحلَّ أيٌّ من هذه التقنيات محل بطاريات “الليثيوم أيون” بالكامل خلال السنوات القليلة المقبلة. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا هو ظهور سوق أكثر تنوعًا، تستخدم فيه كل تقنية في التطبيقات التي تناسبها. فقد تهيمن بطاريات الصوديوم على أنظمة تخزين الطاقة، بينما تحافظ بطاريات الليثيوم على موقعها في السيارات الفاخرة، وتجد بطاريات الحالة الصلبة طريقها إلى المركبات عالية الأداء، في حين تخدم بطاريات الليثيوم-الكبريت الطيران والمجالات الدفاعية.

وهذا يعني أنَّ معركة البطاريات لن تُحسم بفائز واحد، بل ستدخل مرحلة جديدة عنوانها التخصص. فالدولة أو الشركة التي ستنجح في تطوير التقنية المناسبة للسوق المناسبة، وبأقل تكلفة ممكنة، ستكون الأقرب إلى قيادة الصناعة خلال العقد المقبل. ومن هنا، لم تعد المنافسة تقتصر على مَن يملك أكبر عدد من المصانع، بل أصبحت تدور أيضًا حول مَن يمتلك الأفكار والابتكارات التي ستحدد شكل الاقتصاد الكهربائي العالمي في المستقبل.

أين يقف العالم العربي؟

قد يبدو سباق البطاريات، للوهلة الأولى، شأنًا يقتصر على الصين والولايات المتحدة وأوروبا، لكن انعكاساته تمتد إلى الاقتصادات العربية أيضًا. فمع التحوُّل العالمي نحو الكهرباء والطاقة النظيفة، بدأت خريطة الاستثمارات الصناعية تتغير بوتيرة متسارعة، وأصبحت الدول التي تمتلك المواد الخام، أو الطاقة منخفضة التكلفة، أو المواقع اللوجستية المتميزة، تحظى بفرص جديدة للدخول في سلاسل القيمة العالمية.

ولا يفتقر العالم العربي إلى بعض هذه المقوّمات. فالمغرب، على سبيل المثال، يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، وهو عنصر يدخل في تصنيع بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم التي تشهد أسرع معدلات النمو عالميًا. كما نجح خلال السنوات الأخيرة في استقطاب استثمارات أجنبية في صناعات السيارات والبطاريات، مستفيدًا من قربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية واتفاقياته التجارية معها.

وفي مصر، تبرز فرصة من نوع مختلف. فإلى جانب امتلاكها قاعدة صناعية كبيرة، تمنحها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وموقعها بين أوروبا وآسيا وأفريقيا أفضلية لوجستية قد تؤهّلها لاستقطاب استثمارات في تصنيع مكوّنات البطاريات وتجميعها، ولا سيما مع تنامي صناعة السيارات الكهربائية في المنطقة. كما يمكن أن تستفيد من توسع مشروعات الطاقة المتجددة لتوفير كهرباء تنافسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو عامل بات يحظى بأهمية متزايدة في قرارات الشركات العالمية عند اختيار مواقع الإنتاج.

وفي الخليج، تبدو الصورة مختلفة لكنها لا تقل أهمية. فالسعودية والإمارات تستثمران مليارات الدولارات في بناء اقتصاد صناعي جديد يعتمد على الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، مستفيدتَين من وفرة الكهرباء منخفضة الكلفة، والبنية التحتية الحديثة، والقدرة التمويلية الكبيرة. كما تراهن سلطنة عُمان على استغلال مواردها المعدنية ومشروعاتها في الطاقة النظيفة لجذب استثمارات في الصناعات المرتبطة بالبطاريات، مستفيدة من موقعها على طرق التجارة العالمية. كما إنَّ توسُّعَ مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية يفتح الباب أمام إنشاء مصانع لإنتاج البطاريات أو مكوّناتها، خصوصًا مع تزايد اهتمام الشركات العالمية بتنويع مواقع الإنتاج خارج شرق آسيا.

لكن الدخول إلى هذه الصناعة لا يعني بالضرورة بناء مصانع لإنتاج البطاريات كاملة، وهي المرحلة الأكثر تعقيدًا والأشد تنافسية. فالفرص تمتد إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية، مثل إنتاج المواد الكيميائية الوسيطة، وإعادة تدوير البطاريات المستهلكة، وتصنيع مكوّنات معينة، إضافة إلى تطوير البرمجيات وأنظمة إدارة البطاريات، وهي سوق تنمو بسرعة مع تزايد الاعتماد على المركبات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.

وتبرز إعادة التدوير بوصفها أحد أكثر القطاعات الواعدة خلال العقد المقبل. فمع وصول ملايين البطاريات إلى نهاية عمرها التشغيلي، ستزداد الحاجة إلى استعادة الليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت لاستخدامها مجددًا في الإنتاج، وهو ما يقلل الاعتماد على التعدين ويخفّض التكاليف والأثر البيئي. وتشير التقديرات إلى أنَّ إعادة التدوير ستصبح أحد الأعمدة الرئيسة لسلسلة القيمة العالمية، إلى جانب التعدين والتصنيع، ما يفتح فرصًا جديدة أمام الدول التي تستثمر مبكرًا في هذا المجال.

غير أنَّ النجاح في هذا السباق لن يتحقق بمجرد ضخِّ الاستثمارات. فالتجربة الصينية توضّح أنَّ بناء صناعة بطاريات تنافسية يتطلب منظومة متكاملة تضم البحث العلمي، والجامعات، والشركات الصناعية، وسلاسل الإمداد، والتدريب، إلى جانب سياسات صناعية مستقرة تمتد لسنوات طويلة. ولهذا، فإنَّ الدول التي تنظر إلى البطاريات بوصفها مشروعًا استراتيجيًا طويل الأجل ستكون الأوفر حظًا في اقتناص جُزء من هذه السوق، مقارنة بالدول التي تكتفي باستيراد التكنولوجيا أو انتظار انتقالها إليها.

وكما شكّل النفط أساس النظام الصناعي في القرن العشرين، تبدو البطاريات مرشحة لأن تصبح حجر الأساس في الاقتصاد الكهربائي للقرن الحادي والعشرين. والفارق أنَّ السيطرة هذه المرة لن تُقاس بعدد الآبار، بل بمن يملك التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والقدرة على الابتكار. ولذلك، فإنَّ معركة البطاريات لا تتعلق بصناعة السيارات وحدها، بل بتحديد مَن سيقود الاقتصاد العالمي في عصر الكهرباء والذكاء الاصطناعي.

Exit mobile version