سكة الحجاز الجديدة: طموحٌ تركي لإعادة رَسم خرائط الرَبط الإقليمي

تسعى تركيا إلى إحياء سكة حديد الحجاز وتحويلها إلى ممر إقليمي يربط المشرق العربي بالخليج، في خطوةٍ تعكس طموح أنقرة لتوسيع نفوذها عبر مشاريع البنية التحتية. غير أنَّ هذا المشروع الطموح يواجه تحديات جيوسياسية واقتصادية وأمنية تثير تساؤلات بشأن قدرته على تغيير معادلات التجارة والنقل في المنطقة.

وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو: المشروع يهدف إلى إنشاء شبكة نقل إقليمية متكاملة تمتد حتى سلطنة عُمان.

محمد الحلبي*

في إطار سعيها إلى توظيف مشاريع البنية التحتية كأداةٍ لتعزيز نفوذها الإقليمي، تعمل تركيا على إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية وتطويرها لتتحوَّل من إرثٍ عثماني مُهمَل إلى ممرِّ نقلٍ استراتيجي يربط المشرق العربي بالخليج. فالمشروع، الذي يتجاوز البُعد التراثي، يندرج ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها أنقرة إلى ترسيخ موقعها كمركز محوري لحركة التجارة والعبور بين أوروبا والشرق الأوسط.

وتعود جذور سكة حديد الحجاز إلى مطلع القرن العشرين، حين شُيِّدَت لربط دمشق بالمدينة المنورة في إطار مشروع عثماني طموح. إلّا أنَّ الخطَّ تعرّض للتدمير والتعطل بعد الحرب العالمية الأولى، نتيجة النزاعات السياسية والعسكرية وإعادة رسم الحدود في المنطقة، ما أدى إلى تراجع دوره وتوقف معظم أجزائه عن العمل لعقود طويلة.

اليوم، تُعيدُ تركيا طرح المشروع برؤية مختلفة تقوم على تحديث أجزاء رئيسة من السكة المارة عبر سوريا والأردن، تمهيدًا لتمديدها جنوبًا عبر المملكة العربية السعودية وصولًا إلى سلطنة عُمان. ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه ممرًا تجاريًا بديلًا يمكن أن يخفف الاعتماد على طرق الشحن البحرية التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، في تصريحات أدلى بها في حزيران (يونيو) 2026، أنَّ المشروع لا يقتصر على إحياء خطٍّ تاريخي، بل يهدف إلى إنشاء شبكة نقل إقليمية متكاملة تمتد حتى سلطنة عُمان. وتعكس هذه الخطوة طموح أنقرة لتعزيز دورها في ربط الأسواق الأوروبية بالمشرق العربي ودول الخليج عبر ممرات برّية حديثة.

ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى بإعادة ربط تركيا بمدينة حلب، مع الاستفادة من شبكات السكك الحديدية القائمة في سوريا والأردن. كما عرضت أنقرة المساهمة في استكمال مقطع مفقود من السكة داخل الأراضي السورية بطول يقارب 20 ميلًا، في حين أبدى الأردن استعداده للمشاركة في أعمال الصيانة والتشغيل اللازمة لإعادة تفعيل الخط.

وتستند هذه التحركات إلى تفاهمات إقليمية متزايدة؛ إذ حققت تركيا وسوريا والأردن تقدمًا في إعداد مذكرة تفاهم نوقشت في عمّان عام 2025، أعقبتها اتفاقيات إضافية في قطاع النقل خلال عام 2026. كما انضمت المملكة العربية السعودية إلى المشاورات عبر إجراء دراسات جدوى لربط المشروع بشبكة السكك الحديدية الوطنية، ما يعكس اتساع الاهتمام الإقليمي بإعادة إحياء هذا الممر التاريخي وتحويله إلى شريان اقتصادي جديد في المنطقة.

من السكة التاريخية إلى الممر الجيوسياسي

بالنسبة إلى أنقرة، لا يُعَدُّ مشروع إحياء سكة حديد الحجاز مجرد مشروع نقل عابر، بل امتدادًا لنهجٍ أوسع يوظّف البنية التحتية كأداةٍ لتعزيز النفوذ الجيوسياسي. فمن خلال ربط الجغرافيا بشبكات النقل والتجارة، تسعى تركيا إلى تحويل موقعها الاستراتيجي إلى مصدر قوة سياسية واقتصادية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى إعادة تشغيل الخط على أنها وسيلة لربط القاعدة الصناعية التركية بالأسواق العربية، وتعزيز حركة التبادل التجاري بين شمال المنطقة وجنوبها، فضلًا عن تكاملها مع مشاريع الربط الإقليمي الأخرى، وعلى رأسها “الممر الأوسط” الذي تروج له أنقرة باعتباره بديلًا من المسارات التقليدية بين آسيا وأوروبا.

كما تراهن تركيا على البُعد التاريخي والثقافي للمشروع، إذ يمكن للخط أن يدعم حركة السياحة الدينية ورحلات الحج والعمرة من خلال استعادة الروابط التي كانت قائمة خلال العهد العثماني بين الأناضول والحجاز. وبهذا المعنى، لا تقتصر أهداف أنقرة على إنشاء ممر للنقل فحسب، بل تمتد إلى ترسيخ صورة تركيا بوصفها حلقة وصل مركزية بين أقاليم المنطقة ومجالاتها الاقتصادية والثقافية.

هل يمكن أن تكون السكة بديلًا من مضيق هرمز؟

غير أنَّ الطموحات التركية تصطدم بجملة من الحقائق الجيواقتصادية المرتبطة بحركة التجارة والطاقة العالمية. فبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مرّ نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبر مضيق هرمز خلال عام 2024، فيما يظل المضيق أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفقات النفط العالمية. ومن هذا المنطلق، يمكن لممرٍّ بري يمتد من الخليج العربي عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا والبحر المتوسط أن يوفر مسارًا إضافيًا لنقل بعض السلع والمنتجات البتروكيماوية والمدخلات الصناعية والحاويات، فضلًا عن الشحنات غير المستعجلة. كما قد يمنح دول الخليج هامشًا أكبر من المرونة اللوجستية في حال تعرضت الممرات البحرية في الخليج العربي أو البحر الأحمر لاضطرابات أمنية أو سياسية.

إلّا أنَّ هذه المزايا لا تعني أنَّ المشروع قادر على الحلول محل المسارات البحرية التقليدية. فمعظم صادرات الطاقة الخليجية تتجه أساسًا نحو الأسواق الآسيوية، التي تمثل الوجهة الرئيسة للنفط والغاز الطبيعي المسال المنتج في المنطقة. وتشمل هذه الأسواق دولًا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي وجهات لا يمكن للخط الحديدي المقترح أن يوفر لها بديلًا عمليًا أو اقتصاديًا مماثلًا للنقل البحري. وتؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية هذه الحقيقة؛ إذ تشير إلى أنَّ 83 في المئة من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي عبرت مضيق هرمز خلال عام 2024 كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية.

وعليه، فإنَّ قدرة مشروع سكة حديد الحجاز على أداء دور بديل من مضيق هرمز تبقى محدودة. فالنقل بالسكك الحديدية، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع استيعاب الأحجام الضخمة من صادرات النفط والغاز الخليجية، كما إنه لا يتوافق مع الاتجاهات التجارية الرئيسة لهذه الصادرات ولا يتمتع بالجدوى الاقتصادية ذاتها التي يوفرها النقل البحري. ومن ثم، يمكن النظر إلى المشروع باعتباره مسارًا مكمّلًا يساهم في تنويع شبكات النقل والتجارة الإقليمية وتعزيز مرونتها، لكنه لا يرقى إلى مستوى البديل الاستراتيجي للمضيق، الأمر الذي يجعل بعض الطروحات التركية بشأن دوره كبديل من مضيق هرمز أقرب إلى المبالغة السياسية منها إلى التقييم الاقتصادي واللوجستي الواقعي.

بين الحسابات السياسية والعقبات الميدانية

إلى جانب التحديات الاقتصادية واللوجستية، يظلُّ العامل السياسي عنصرًا حاسمًا في تحديد فرص نجاح المشروع. فإعادة إحياء سكة حديد الحجاز تتطلب مستوى مرتفعًا من الثقة والتنسيق بين الدول المعنية، وهو أمر لا يزال يواجه اختبارات مستمرة في البيئة الإقليمية الحالية. ورُغمَ أنَّ تركيا نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحسين علاقاتها مع عدد من دول الخليج العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، عبر توسيع مجالات التعاون الاقتصادي وتعزيز الشراكات الدفاعية والبحث عن أرضية مشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، فإنَّ هذا التقارب لم يبدد جميع الشكوك المتراكمة خلال العقد الماضي.

وتُدرك دول الخليج أهمية تنويع مسارات التجارة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرّضة للمخاطر الجيوسياسية، وهو ما يفسّر اهتمامها بالمشاريع البرية البديلة. كما إنَّ انخراط المملكة العربية السعودية في دراسات الجدوى والمناقشات المتعلقة بالمشروع يعكس وجود اهتمام حقيقي باستكشاف الفرص التي قد يوفرها هذا الممر. غير أنَّ هذا الاهتمام لا يخلو من الحذر، في ظل استمرار التساؤلات بشأن الأبعاد السياسية والاستراتيجية للمبادرة التركية في المدى البعيد.

فمن منظور العديد من العواصم الخليجية، لا تزال بعض الملفات العالقة تؤثر في مستوى الثقة تجاه أنقرة. إذ لم تُمحَ بالكامل تداعيات المواقف التركية السابقة، بما في ذلك دعمها لقوى وحركات مرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين”، وانخراطها النشط في ملفات إقليمية حساسة مثل سوريا وليبيا، فضلًا عن سعيها إلى توسيع حضورها السياسي في العالم العربي. كما يثير الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ”العثمانية الجديدة” مخاوف لدى بعض النخب السياسية العربية التي تنظر إلى المبادرات التركية الكبرى باعتبارها مشاريع نفوذ تتجاوز أبعادها الاقتصادية المعلنة، وتحمل في طياتها طموحات جيوسياسية تستحضر إرثًا تاريخيًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة السياسية للمنطقة.

وفي موازاة هذه الاعتبارات السياسية، تواجه المبادرة مجموعة من العقبات العملية المعقدة. فالبنية التحتية للسكك الحديدية في سوريا تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، ما يجعل إعادة تأهيلها مشروعًا مكلفًا يتطلب استثمارات كبيرة وضمانات أمنية واستقرارًا سياسيًا طويل الأمد. كما إنَّ تعدّد مراكز النفوذ داخل البلاد، بما يشمل المناطق الخاضعة لسيطرة القوى الكردية، والمناطق ذات الغالبية الدرزية، وانتشار الفصائل المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق، كلها عوامل قد تعيق تنفيذ المشروع أو تؤخّره.

أما الأردن، الذي يشكل حلقة أساسية في أيِّ مسارٍ بري يربط تركيا بالخليج العربي، فيواجه تحديات مختلفة تتعلق بالقدرات التمويلية والقيود المفروضة على الموازنة العامة، إضافة إلى الاعتبارات الاقتصادية المحلية. كما إنَّ أيَّ توسُّعٍ كبير في النقل عبر السكك الحديدية قد يثير تحفّظات لدى بعض القطاعات المرتبطة بالنقل البري، ولا سيما نقابات سائقي الشاحنات التي تتمتع بنفوذ وتأثير ملحوظين في المشهد الاقتصادي الأردني.

وفي المقابل، يتعيَّن على كلٍّ من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان تقييم المشروع في ضوء أولوياتهما الوطنية الخاصة بتطوير شبكات النقل والموانئ والخدمات اللوجستية. فهاتان الدولتان تستثمران بالفعل في مشاريع ضخمة تهدف إلى تعزيز موقعهما ضمن سلاسل الإمداد العالمية، ما يعني أنَّ أيَّ انخراطٍ في مشروع سكة حديد الحجاز سيخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالجدوى الاقتصادية، ومدى تكامله مع الخطط الوطنية القائمة، والعوائد الاستراتيجية المتوقعة منه في المدى الطويل.

ومع ذلك، فإنَّ التحديات التي تواجه المشروع لا تقتصر على التمويل والبنية التحتية والاستقرار السياسي، بل تمتد إلى تفاصيل فنية وإجرائية قد تكون حاسمة في تحديد مصيره. فاختلاف المعايير التشغيلية بين الدول المعنية، وتباين الأنظمة الجمركية، وتعقيدات إجراءات التفتيش الحدودي، ومتطلبات الأمن والنقل، كلها عوامل قد تؤخّر تنفيذ المشروع أو تحد من كفاءته حتى قبل انطلاق أول قطار شحن على امتداد المسار المقترح.

ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل البيئة الجيوسياسية المحيطة. فمن المرجح أن تتابع إسرائيل عن كثب أي ممر بري جديد يعيد تشكيل حركة التجارة والربط الاقتصادي بين المشرق العربي والخليج. وفي المقابل، قد تنظر إيران وشبكات حلفائها الإقليميين إلى المشروع باعتباره جزءًا من جهود أوسع لإعادة رسم خرائط النقل والتجارة بما يقلص من نفوذهم أو يلتف على بعض أوراق القوة التي يمتلكونها. كما إنَّ استمرار التحديات الأمنية في البحر الأحمر، وحالة عدم الاستقرار في سوريا، والتغيرات المتسارعة في أنماط العلاقات العربية ـ الخليجية، تظل جميعها عوامل مؤثرة في حسابات الجدوى والاستدامة.

ومن هذه الزاوية، قد يتبين أنَّ الممر الذي يُطرح بوصفه حلًا لمعضلة “عنق الزجاجة” في الممرات البحرية لا يلغي المخاطر بقدر ما يعيد توزيعها. فبدلًا من الاعتماد على نقاط اختناق بحرية حساسة، قد يجد المشروع نفسه أمام شبكة معقدة من التحديات السياسية والأمنية البرية التي لا تقل تأثيرًا على حركة التجارة والاستثمار.

لذلك، فإنَّ القيمة الاستراتيجية الحقيقية لمشروع إحياء سكة حديد الحجاز لا تكمن في تقديم بديل مباشر من مضيق هرمز، بل في توسيع خيارات الربط والنقل المتاحة أمام دول المنطقة. وإذا ما نُفذ المشروع ضمن إطار واقعي ومتدرج، فقد يسهم في تعزيز التجارة البينية، ودعم جهود إعادة إعمار سوريا، وتعميق الترابط الاقتصادي بين تركيا والأردن ودول الخليج العربية. كما يمكن أن يوفر لأنقرة منصة إضافية لممارسة ما بات يُعرف بديبلوماسية “القوى المتوسطة”، التي تقوم على توظيف أدوات الاقتصاد والبنية التحتية لتعزيز الحضور الإقليمي.

غير أنَّ نجاح هذا الطموح سيظل مرهونًا بقدرة تركيا وشركائها على مواءمة الاعتبارات الاقتصادية مع الحقائق الجيوسياسية، وعلى تقديم المشروع باعتباره مبادرة للتكامل الإقليمي لا أداة للمنافسة الجيوسياسية. فكلما اقترب الخطاب السياسي من الواقعية وابتعد عن المبالغة في الوعود، ازدادت فرص تحول سكة حديد الحجاز من فكرة طموحة إلى ممر إقليمي قابل للحياة والاستمرار.

  • محمد الحلبي هو مراسل “أسواق العرب” في دمشق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى