أوهامُ النصر… عندما يُسَوَّقُ الصمودُ بديلًا من الانتصار

السفير يوسف صدقه*

في الحروب، لا يكون النصرُ دائمًا حيث تُعلنه البياناتُ الرسمية، ولا تكون الهزيمةُ دائمًا حيث تُشير إليها الخرائطُ العسكريةُ وحدها. فالتاريخُ العسكريُّ مليءٌ بقوى أعلنت انتصارَها يومَ انتهاء المعارك، قبل أن يُثبت الزمنُ أنَّها خرجت من الحرب أضعفَ ممّا دخلتها. وبين وقائعِ الميدان ورواياتِ السُّلطة مساحةٌ واسعةٌ من التأويل، تتحوَّل فيها الخسائرُ إلى “صمود”، والانكفاءُ إلى “إنجاز”، والبقاءُ إلى “انتصار”. هذه هي المساحةُ التي تتحرَّك فيها اليومَ إيرانُ و”حزبُ الله”، بعدما تكبَّدا خسائرَ فادحة، ثمَّ خرجا بخطابٍ واحدٍ تقريبًا: لقد انتصرنا لأنَّنا لم نسقط.

غيرَ أنَّ هذا التعريفَ للنصر، على جاذبيَّته التعبويَّة، لا يصمدُ كثيرًا أمام اختبارِ السياسةِ والاستراتيجية. فالنصرُ في الحرب لا يُقاسُ بمجرَّد استمرارِ النظام أو بقاءِ التنظيم، بل بمدى قدرةِ الطرفِ المُحارِب على تحقيقِ الأهداف التي دخل المواجهةَ من أجلها، وبالكلفة التي دفعها في سبيلِ ذلك. قد يربحُ طرفٌ معركةً ويخسرُ حربًا، وقد يصمدُ طرفٌ آخرُ عسكريًا، لكنَّه يخرجُ أضعفَ سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ممَّا كان عليه قبل المواجهة.

في الحروبِ الكلاسيكية كان تحديدُ المنتصر أسهلَ نسبيًا: مَن يحتلُّ الأرض، ويُدمِّر قوَّةَ الخصم، ويفرض شروطَه السياسية، يُعَدُّ غالبًا الطرفَ المنتصر. أمَّا في حروبِ اليوم، حيث تتداخلُ الجيوشُ النظامية والتنظيماتُ المسلَّحة، وتتقاطعُ الساحاتُ العسكريةُ مع الحروبِ السيبرانية والإعلامية والنفسية، فقد أصبح النصرُ مفهومًا أكثرَ مراوغة. هنا تحديدًا نشأت فكرةُ “النصر بالصمود”، وهي الفكرةُ التي تبنَّتها إيرانُ ومحورُها منذ عقود، وجعلت من عدمِ السقوط بديلًا من تحقيقِ الإنجاز.

بالنسبةِ إلى إيران، يمكن القولُ إنَّها نجحت في منعِ الانهيار الكامل للنظام، وهذا في حساباتها الداخلية ليس تفصيلًا عابرًا. لكنَّها في المقابل خرجت مُثقَلةً بخسائرَ عسكريةٍ واقتصاديةٍ ومعنويةٍ كبيرة، وبقدراتٍ مُقيَّدة، وببرنامجٍ نوويٍّ وصاروخيٍّ تحت ضغطٍ غير مسبوق، وباقتصادٍ أكثرَ اختناقًا، وبصورةٍ إقليميةٍ أقلَّ مهابةً ممَّا كانت عليه. فإذا كان معيارُ النصر هو البقاء، تستطيعُ طهران أن تُعلن انتصارًا نسبيًا. أمَّا إذا كان المعيارُ هو تحسينُ الموقعِ الاستراتيجي، وفرضُ الشروط، وتوسيعُ هامشِ الحركة، فإنَّ النتيجةَ تبدو أقربَ إلى نجاةٍ مُكلِفةٍ منها إلى انتصارٍ مكتمل.

والأمرُ نفسُه ينسحب، وربَّما بصورةٍ أشدَّ وضوحًا، على “حزبِ الله”. فالحزبُ لا يزال قائمًا، وبنيتُه لم تتفكَّك بالكامل، وجمهورُه لم ينفضَّ عنه بصورةٍ حاسمة. لكنَّه دفع ثمنًا باهظًا في قياداتِه، ومناطقه، وبيئتِه الاجتماعية، وفي صورةِ الردع التي بناها على مدى سنوات. كما دفع لبنانُ، لا الحزبُ وحده، كلفةً مُدمِّرةً في الاقتصاد والعمران والاستقرار. وهنا يصبحُ السؤالُ مشروعًا: هل يكفي أن يبقى التنظيمُ ليُقال إنَّه انتصر، إذا كانت الأرضُ مُدمَّرة، والناسُ مُنهكة، والدولةُ أكثرَ ضعفًا، والخصمُ لا يزال قادرًا على فرضِ وقائعَ ميدانيةٍ وسياسية؟

ليست المشكلةُ في أن تحتفلَ الأطرافُ ببقائها؛ فالبقاءُ في بعضِ الحروب قد يكونُ إنجازًا فعلًا. المشكلةُ تبدأ عندما يُقدَّم البقاءُ بوصفه نصرًا كاملًا، وعندما تُمحى الفوارقُ بين عدمِ الهزيمة وتحقيقِ الانتصار. فالصمودُ قد يمنعُ الخصمَ من تحقيقِ كلِّ أهدافه، لكنَّه لا يعني تلقائيًا أنَّ الطرفَ الصامدَ حقَّق أهدافَه هو. وبين الحالتين فرقٌ كبير.

لقد أثبت التاريخُ أنَّ القوَّةَ العسكريةَ وحدها لا تكفي لحسمِ معنى الحرب. فالإدارةُ السياسية، والقدرةُ الاقتصادية، ومناعةُ المجتمع، والحركةُ الديبلوماسية، كلُّها عناصرُ تُحدِّد النتيجةَ النهائية. لذلك فإنَّ الحُكمَ على إيران و”حزبِ الله” لا ينبغي أن ينطلقَ من خطابِ النصر، بل من ميزانِ الأرباح والخسائر: ماذا كانا يريدان؟ ماذا حقَّقا؟ ماذا خسرا؟ وما الذي بقي من قدرتِهما على التأثير بعد الحرب؟

بهذا المعنى، تبدو روايةُ النصر التي يرفعها الطرفان أقربَ إلى ضرورةٍ سياسيةٍ ونفسيةٍ منها إلى توصيفٍ موضوعيٍّ للنتائج. فقد احتاجت إيرانُ إلى القول إنَّها انتصرت كي تُحافظ على تماسكِ الداخل وهيبةِ النظام، كما احتاج “حزبُ الله” إلى الخطابِ نفسِه كي يمنعَ تحوُّلَ الخسائر إلى مساءلةٍ داخليةٍ لبنانية. لكنَّ الوقائعَ لا تُقاس بالشعارات. فحين تكونُ الكلفةُ أكبرَ من المكاسب، وحين يتحوَّل الصمودُ إلى وسيلةٍ لتجميلِ التراجع، يصبح “النصرُ” وهمًا مفيدًا لأصحابه، لا حقيقةً ثابتةً في ميزانِ التاريخ.

في النهاية، ليس المطلوبُ إنكارَ تعقيدِ مفهومِ النصر والهزيمة في الحروبِ الحديثة، بل منعَ تحويلِ هذا التعقيد إلى ستارٍ يحجبُ الحقائق. فالبقاءُ ليس دائمًا انتصارًا، والصمودُ ليس دائمًا إنجازًا، والهزيمةُ لا تحتاجُ دائمًا إلى إعلانٍ رسمي. وأحيانًا لا تحتاجُ الهزيمةُ إلى اعترافِ أصحابها؛ فقراءةُ الخسائر والنتائج، وما تبدَّل في موازينِ القوَّة، تكفي لتكشفَ أنَّ الحربَ انتهت بخطابِ منتصرين وواقعٍ مختلفٍ تمامًا. فالنصر لا يُقاس بما تقوله البيانات ولا بما تردده الشعارات، بل بما تُثبته النتائج. وعندما تُوزَن حصيلة الحرب بميزان المكاسب والخسائر، تبدو الصورة واضحة: لقد صمدت إيران و”حزب الله”، لكنهما لم ينتصرا.

  • السفير يوسف صدقه هو كاتب سياسي وديبلوماسي لبناني متقاعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى