حين يُصبحُ العنفُ مُقدَّسًا: التحدّي الحقيقي أمام الدولة العراقية

لا يكمن التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية في وجود جماعات مسلحة خارج إطارها فحسب، بل في قدرة تلك الجماعات على تحويل نفوذها إلى شرعية والعنف إلى قيمة مقدسة عصيّة على النقد والمساءلة. ومن هنا، تصبح معركة استعادة الدولة معركة على الأفكار والسرديات بقدر ما هي معركة على السلاح والسلطة.

رئيس الحكومة علي الزيدي: بناء الدولة هو التحدي.

علي المراياتي*

اعتاد صانعو القرار في الولايات المتحدة، كما العديد من الناشطين العراقيين، النظر إلى الميليشيات المدعومة من إيران بوصفها مشكلة أمنية بالدرجة الأولى، ما دفعهم إلى التركيز على مطلب نزع سلاحها وإخضاعها الكامل لسلطة الدولة. وغالبًا ما يُستشهد في هذا السياق بالتجربة الإسرائيلية عام 1948، عندما عمد ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، إلى حلّ التنظيمات المسلحة القائمة آنذاك ودمجها في مؤسسة عسكرية موحّدة. غير أنَّ مقاربة كهذه، القائمة على فرض الحلول من أعلى إلى أسفل، لا تبدو كافية لفهم طبيعة الظاهرة في العراق أو لمعالجة جذورها الفعلية.

فنفوذ الجماعات المسلحة الأكثر تأثيرًا في العراق لا يستند إلى ما تمتلكه من أسلحة وقدرات قتالية فحسب، بل يقوم على شبكة متشابكة من مصادر القوة تشمل الشرعية الدينية، والحضور السياسي، وشبكات المحسوبية الاقتصادية، والقبول الاجتماعي الذي راكمته على مدى سنوات. وقد وفرت هذه المنظومة لتلك الجماعات مظلة حماية واسعة حدّت من إمكان مساءلتها أو إخضاعها للمحاسبة. ومن هنا، فإنَّ أيَّ مشروع جاد لاستعادة سيادة الدولة العراقية وترسيخ احتكارها لاستخدام القوة المشروعة لا يمكن أن يقتصر على تفكيك البنية العسكرية للميليشيات، بل يتطلّب أولًا معالجة الأسس التي تستمد منها شرعيتها ونفوذها داخل المجتمع.

قداسة السلاح وصناعة الشرعية

وفي هذا الإطار، تبرز الجماعات المسلحة المدعومة من إيران بوصفها نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف الخطاب الديني في تعزيز النفوذ السياسي والأمني. فهذه الجماعات نجحت على مدى سنوات في إعادة تقديم أفعالها وممارساتها من خلال سرديات دينية تصوّر الإكراه والعنف باعتبارهما واجبًا دينيًا أو شكلًا من أشكال التضحية والدفاع عن العقيدة. ولا تقتصر أدوات النفوذ الإيراني في العراق على الدعم العسكري أو تزويد الحلفاء المحليين بالأسلحة والتقنيات المتطورة، بل تمتد أيضًا إلى بناء منظومة سردية متماسكة تمنح هذه الجماعات قدرة استثنائية على التأثير والتعبئة وحماية مصالحها.

وتكمن إحدى أبرز نقاط قوة هذه الفصائل في قدرتها على إضفاء طابع مقدس على دورها وممارساتها. فالصورة التي تقدمها لنفسها لا تستند فقط إلى القوة المسلحة، بل إلى شرعية رمزية ودينية تجعل انتقادها أكثر تعقيدًا. وبهذا المعنى، لا تتمثل العقبة الأساسية أمام الإصلاح في وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة فحسب، بل في البيئة السياسية والثقافية التي تمنح العنف غطاءً من القداسة وتجعله بمنأى عن النقد والمساءلة.

وفي ظل هذا الواقع، تستفيد شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالميليشيات من رمزية دينية قوية تحول دون إخضاعها للتدقيق العام. وغالبًا ما يُعاد تصوير أي انتقاد يطاول ملفات الفساد أو التهريب عبر الحدود أو انتهاكات حقوق الإنسان المنسوبة إلى هذه الجماعات على أنه استهداف للطائفة الشيعية أو مساس بهويتها الدينية. ونتيجة لذلك، يتحول النقاش حول أداء الميليشيات وسلوكها من نقاش سياسي أو قانوني إلى قضية ذات أبعاد وجودية، الأمر الذي يعقّد مساعي الإصلاح ويمنح القوى المسلحة هامشًا إضافيًا للحفاظ على نفوذها واستمرار حضورها في مؤسسات الدولة والمجتمع.

ويمنح هذا الغطاء السردي والديني الفصائل المسلحة قدرة كبيرة على حماية نفوذها وتوسيع هامش حركتها. فمن خلال تقديم نفسها بوصفها حامية للنظام والمجتمع، تتمكن هذه الجماعات من ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على وسائل الإعلام والناشطين والمؤسسات العامة، في وقتٍ تُعامل أيَّ محاولة لانتقادها أو مساءلتها على أنها استهدافٌ لمكانتها ودورها.

وتعكس الاعتداءات المتكررة التي استهدفت سفارات ومؤسسات إعلامية وجهات تُعنى بنقل المعلومات حجم الأهمية التي توليها الميليشيات لمعركة السرديات والرأي العام. فالصراع بالنسبة إليها لا يقتصر على السيطرة الميدانية أو العسكرية، بل يمتد إلى التحكُّم في تدفق المعلومات وتوجيه الخطاب العام بما يخدم مصالحها ويعزز شرعيتها.

ويزداد هذا النفوذ تعقيدًا مع امتلاك الفصائل المسلحة حضورًا مؤثرًا داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها البيروقراطية. إذ تُتهم هذه الجماعات باستخدام نفوذها داخل بعض الهيئات الحكومية، ولا سيما هيئة الإعلام والاتصالات، لتقييد الأصوات المعارضة وإسكات المنتقدين. وقد شمل ذلك، وفق هذه الرؤية، استهداف حسابات رقمية تعود إلى ناشطين علمانيين وإصلاحيين داخل العراق وخارجه، ما يحد من قدرتهم على الوصول إلى الجمهور والمشاركة في النقاش العام.

وفي هذا المناخ، يواجه الصحافيون والناشطون أشكالًا متعددة من الضغوط، تتراوح بين الترهيب المباشر والملاحقات القانونية وحملات التشهير الإلكترونية المنظمة التي تنفذها شبكات رقمية مرتبطة بالميليشيات. كما تُسهم القيود التنظيمية والرقابية في تضييق مساحة التعبير المستقل، الأمر الذي يسمح للروايات المدعومة من الجماعات المسلحة بفرض حضورها على الفضاء العام وتقليص فرص ظهور روايات بديلة أو منافسة.

وتؤدي هذه المعادلة، في نهاية المطاف، إلى خلق بيئة تُضعف آليات المساءلة السياسية والاجتماعية، وتحدُّ من قدرة المجتمع على مراقبة أداء القوى النافذة أو محاسبتها، بما يساهم في ترسيخ استمرارية الميليشيات وتعزيز نفوذها داخل الدولة والمجتمع.

معركة استعادة الدولة خارج الميدان العسكري

ومن هنا، يبرز استنتاج أساسي مفاده أن مستقبل العراق لا يُحسم في الميدان العسكري وحده، بل في الساحتين الثقافية والسياسية أيضًا. فالصراع الدائر يتعلق بطبيعة الدولة ومصادر الشرعية وحدود النفوذ داخل المجتمع، وهي قضايا تتجاوز مسألة السلاح إلى معركة أوسع حول الأفكار والقيم والهوية السياسية.

وفي هذا السياق، تكتسب الأصوات المناهضة للميليشيات وللنفوذ الإيراني في الخارج أهمية خاصة، لكنها لا تستطيع وحدها حسم المواجهة. فالمعركة الحقيقية تبقى داخل العراق نفسه، حيث يواجه المواطنون بصورة يومية ضغوط الجماعات المسلحة وشبكات النفوذ الاجتماعي والاقتصادي المرتبطة بها، وحيث تتشكل البيئة التي تمنح هذه القوى قدرتها على الاستمرار.

وبناءً على ذلك، فإنَّ أيَّ استراتيجية جادة للحد من نفوذ الميليشيات لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية أو العسكرية، بل تتطلب تحوُّلًا أوسع في الفضاء الإعلامي والرقمي والقانوني. ويشمل ذلك دعم آليات الحماية القانونية للناشطين والصحافيين، ومنع استخدام المؤسسات الحكومية كأدوات لتقييد حرية التعبير، إلى جانب تعزيز الوعي العام وتشجيع النقاش النقدي عبر المنصات الرقمية. فالتحدي الأساسي لا يكمن فقط في تفكيك البنية المسلحة لهذه الجماعات، بل أيضًا في مواجهة منظومة الشرعية التي تستند إليها وفي إعادة بناء فضاء عام يسمح بالتعددية والمساءلة وتداول الأفكار بحرية.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الشبكات القانونية والمدنية الداعمة للناشطين بوصفها جُزءًا أساسيًا من أيِّ جهد يهدف إلى تعزيز المساءلة وحماية المجال العام. فهذه الشبكات لا تقتصر وظيفتها على الدفاع عن الأصوات المحلية المستقلة، بل تشمل أيضًا توفير الحماية القانونية للناشطين المستهدفين، والتصدي لمحاولات استخدام القوانين والإجراءات الإدارية لإغلاق الحسابات الرقمية أو تقييد المنصات التي يستخدمها المنتقدون السلميون.

كما تبرز الحاجة إلى تطوير قنوات تواصل مباشرة بين هذه الجهات وشركات التكنولوجيا الكبرى، ولا سيما الأميركية منها، بهدف تسهيل التحقق من حسابات الناشطين العراقيين وحمايتها من الاستهداف، وضمان سرعة إعادة تفعيلها في حال تعرضها للإغلاق أو التعطيل. وفي المقابل، يدعو هذا الطرح إلى التعامل بقدر أكبر من الحزم مع شبكات التأثير المنسقة المدعومة من الدولة أو المرتبطة بالميليشيات، وكذلك مع الجهات التي تنشط في نشر المعلومات المضللة وتوجيه الحملات الدعائية المنظمة.

ويشمل ذلك، بصورة خاصة، المنصات والحسابات التي يُقال إنها تستفيد من دعم مؤسسات إعلامية مرتبطة بقوات الحشد الشعبي، والتي تضطلع بدور في تضخيم خطاب الميليشيات وترويج السرديات المتوافقة مع المصالح الإيرانية. ومن وجهة نظر أصحاب هذا التوجه، ينبغي إخضاع هذه الشبكات للإجراءات نفسها التي اعتمدتها شركات التكنولوجيا والحكومات الغربية سابقًا في مواجهة البنية الرقمية لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، والتي استهدفت تفكيك شبكات التأثير والدعاية التابعة له والحد من قدرتها على الوصول إلى الجمهور.

وفي المحصّلة، يخلص هذا المنظور إلى أنَّ نفوذ الجماعات المسلحة لا يرتبط فقط بما تمتلكه من قوة عسكرية، بل أيضًا بمدى قدرتها على الحفاظ على شرعيتها الاجتماعية والرمزية. فاستمرار أي بنية شبه عسكرية على المدى الطويل يبقى رهينًا بقبول المجتمع لها واستعداده لمنحها مكانة استثنائية تتجاوز مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإنَّ استعادة السيادة العراقية لا تبدأ فقط من ضبط السلاح أو إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة لن تتمكن من ترسيخ احتكارها الشرعي للقوة إلّا عندما تصبح المؤسسات الوطنية المصدر الأول للشرعية والحماية في نظر المواطنين، وعندما تتراجع قدرة السرديات المسلحة على فرض نفسها بوصفها المرجعية الأعلى أو البديل من الدولة. عندها فقط يمكن الحديث عن سيادة عراقية مكتملة تستند إلى سلطة المؤسسات لا إلى نفوذ الجماعات المسلحة.

  • علي المراياتي هو خبير في شؤون الأمن الدولي ومكافحة الإرهاب، ومترجم ميداني سابق لدى القوات المسلحة الأميركية خلال عملية تحرير العراق. شغل منصب مستشار أمني رفيع المستوى في البرلمان العراقي، وعمل خبيرًا استخباراتيًا مع وكالات حكومية أميركية. تركز أبحاثه على الأمن الدولي، والتطرف، والحرب الهجينة، والجغرافيا السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى