الدولة أُمُّنا وبنْتُنا وربيبَتُنا فكيف نرفُضُها؟
هنري زغيب*
أَخطأَ البعضُ، وغالبًا ما يُخطئ، في استيعاب تمييزيَ الثلاثيِّ بين الوطن والدولة والسُلطة. فإِذ قلتُ إِنَّ شأْني كلَّه في خدمة لبنان الوطن لا الدولة والسلطة، رأَى البعض أَنني أَعتنقُ الوطن وأَرفض الدولة والسلطة. مش صحيح. أَنا أَعمل في خدمة الوطن لأَنه ثابتٌ دائمٌ: أَعلامًا ومعالِمَ وعلامات، فيما الدولة والسلطة متغيَّرتان وفْقَ مَن يكون في الحكْم. فإِذا كان الحُكْم صالحًا ساسَ دولةً صالحة، وإِن كان فاسدًا أَفسدَ الدولةَ وشوَّه صورة الوطن.
هذا يعني أَلَّا نرفضَ الدولة بالمطلق. فليس من حياةٍ مواطنيةٍ هانئةٍ خارج الدولة التي، إِن هي صالحة، تنصِّع صورة الوطن. هكذا اليوم، ومنذ فترةٍ غيرِ قصيرة، بعدما تفشى الخطر في مفاصل الوطن، أَخذ رجالُ الكُتَل السياسية ينادون بالعودة إِلى حضن الدولة، لأَن الدولة الصالحة أُمُّنا التي تحمينا، وبنْتُنا التي نَسهر على سلامتها، وربيبتُنا التي ننمو بنمُوِّها، وتزدهر معنا فَتَتَنَصَّع صورةُ الوطن.
سنة 1976، إِبّان ما سُمِّيَت “حرب السنَتَيْن”، كان الإِمامُ موسى الصدر يستقبلُ زوارًا في المجلس الإِسلامي الشيعي الأَعلى (الحازمية)، حين دخلَ عليه رئيس “فرع الأَمن والاستطلاع” (أَي فرع المخابرات) في قوات الردع العربية السورية فترتئذٍ العميد محمد غانم، واضعًا خدماتِ الفرع في مطالب الإِمام الصدر. ومن دون تفكير طويل، بادرَه الإِمام بهَيبته الساطعة: “مطلبي الوحيد أَن تساعدوا في أَمرَين رئيسَين: الحفاظ على مؤَسسات الدولة، وعلى تقوية الجيش اللبناني”.
هذا رجلُ دولةٍ استثنائيٌّ، يضعُ كلَّ مطلَبٍ له في خدمة الدولة لا في خدمته الشخصية. وحين أُردِّد أَنَّ أَبناءَنا يغادرون لبنان لأَنهم يهُجُّون من الدولة لا من الوطن، أَقصِد أَنهم يهُجُّون من الدولة الفاسدة التي لا تحمي الوطن فيهاجرون. وحين يلمِسون صلاحَ الدولة، يعودون إِلى الوطن يُسهمون في رفْد دولته بما لديهم من خبُرات وتجارب. ويكون عندها الوطنُ المنشود الجديد ذو الدولة المنشودة الجديدة، تحقيقًا الآيةَ 22 من سورة “ق”:”لقد كُنتَ في غفلةٍ من كلِّ هذا، فَكَشَفْنا عنكَ غطاءَك، فبَصَرُكَ اليومَ حديد”.
بهذا البصَر الحديد، نرنو إِلى الحكْم الحديد، يُحصِّن لنا الوطنَ الحديد، فنعرفُ عندئذٍ دولةً تكونُ حقًّا أُمَّنا التي تحمينا، وبنْتَنا التي نَسهر على سلامتها، وربيبتَنا التي نَنْمو بنُمُوِّها، وتَزدهرُ معنا، فَتَتَنصَّع صورة الوطن.
وعندما الدولةُ الناصعةُ تتزوَّجُ الحُكمَ الناصع، يتصالح بهما الوطن، لأَنهما يكونان جديرَين حقًّا بقيادة لبنان الجديد.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



