العراق المُعَلَّق بين الخليج وطهران: أزمةُ سيادة أم أزمةُ دولة؟

لم تعد أزمة العراق بالنسبة إلى دول الخليج مرتبطة بنوايا عدائية مباشرة، بل بقدرة الدولة العراقية نفسها على احتكار قرارها السيادي. وبين تراجع النفوذ الإيراني ومحاولات الانفتاح الخليجي، تقف بغداد أمام اختبار حاسم: استعادة الدولة أو البقاء رهينة توازنات السلاح والنفوذ.

رئيس الحكومة العراقية المكلف علي الزيدي: إذا نجح في تشكيل الحكومة ستكون السيادة معركة الدولة الأصعب.

مهنّد سلوم*

تملك دول الخليج مبررات واضحة للنظر إلى العراق باعتباره مصدر قلق أمني مستمر. فبعد مرور ستة وثلاثين عامًا على اجتياح قوات صدام حسين للكويت، وأكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، ما تزال بغداد يُنظَرُ إليها، خليجيًا، بوصفها العاصمة العربية الوحيدة التي لا يمكن التعويل بالكامل على وضوح التزاماتها السيادية أو استقلال قرارها الاستراتيجي. ولا يرتبط هذا التصوُّر بسجالٍ سياسي عابر، بقدر ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية وحدود قدرتها على فرض سيادتها الكاملة.

وخلال السنوات الأخيرة، تحوّل المجال الجوي العراقي إلى ممرٍّ تستخدمه إيران لنقل رسائلها العسكرية باتجاه دول الخليج، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ. وفي الداخل، تستمرُّ جماعات مسلحة مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”حركة حزب الله النجباء” في العمل ضمن منظومة أمنية تتجاوز سلطة الدولة التقليدية، حيث ترتبط قراراتها الاستراتيجية والعسكرية بطهران أكثر مما ترتبط بالمؤسسات الرسمية في بغداد. كما بات “الحشد الشعبي”، رغم إضفاء الشرعية القانونية عليه ضمن هيكل الدولة، يُمثّل في الواقع مركز قوة موازٍ للمؤسسة العسكرية العراقية، مع امتلاكه شبكات نفوذ وأطر قيادة مستقلة إلى حد كبير.

ولا تقتصر الإشكالية على الجانب الأمني وحده، بل تمتد إلى بنية الدولة الإدارية والسيادية نفسها. ففي عدد من المعابر الحدودية والموانئ، تتولى فصائل مسلحة إدارة موارد وإيرادات بعيدًا من الرقابة الحكومية الفعلية، ما يعكس تآكل قدرة الدولة على احتكار السلطة المالية والتنظيمية. كما برزت مؤشرات إلى تجاوز المؤسسات الديبلوماسية العراقية حدود التوافق السياسي الداخلي، وهو ما ظهر بوضوح في ملف إيداع الخطوط البحرية وحدود المناطق لدى الأمم المتحدة في شباط (فبراير) 2026، حين استبدلت بغداد الوثائق المقدمة سابقًا عامي 2011 و2021، الأمر الذي دفع مجلس التعاون الخليجي، بقيادة الكويت، إلى تقديم اعتراض جماعي منسق. والمفارقة أنَّ هذه الوقائع لا تُعد موضع خلاف جوهري داخل العراق نفسه، بل يُنظَرُ إليها باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للتوازنات السياسية والدستورية التي تشكلت بعد عام 2003.

السيادة العراقية… جوهر الأزمة الخليجية

وهنا تبرز النقطة الأكثر أهمية في فهم طبيعة العلاقة المعقّدة بين العراق ودول الخليج. فالإشكالية لا تتعلق، بالمعنى التقليدي، بوجود نية عراقية عدائية تجاه جيرانه الخليجيين، كما يُصوََّر أحيانًا، بل ترتبط أساسًا بمسألة السيادة وتوزيع السلطة داخل الدولة العراقية نفسها. فمحدودية قدرة بغداد على الالتزام الكامل بتعهداتها لا تعود إلى احتلال خارجي مباشر أو ضعف مؤقت في السلطة التنفيذية، بل إلى بنية سياسية ودستورية تشكلت بعد عام 2003، أفرزت مراكز قوة متعددة تمتلك أدوات أمنية وعسكرية تتجاوز ولاءاتها حدود الدولة الوطنية العراقية.

ومن هذا المنطلق، تبدو أيُّ مقاربة واقعية لإعادة بناء الثقة بين العراق ودول الخليج مرتبطة أولًا بالاعتراف بحجم القيود المفروضة على القرار السيادي العراقي. فالاتفاقات السياسية والأمنية لا تكتسب قيمتها من النصوص وحدها، بل من قدرة الدولة على تنفيذها وضمان استمراريتها. وحتى الآن، لا تزال بغداد تواجه صعوبة في احتكار القرار الأمني والعسكري بصورة كاملة، ما يجعل مسألة الالتزام السيادي موضع تساؤل دائم لدى جيرانها الخليجيين.

لكن إدراك هذه التعقيدات لا يعني استحالة إعادة صياغة العلاقة، بل قد يشكل نقطة انطلاق أكثر واقعية لبناء تفاهمات جديدة بين الطرفين. فالتعامل مع العراق كما هو، لا كما يُفترض أن يكون، يفتح المجال أمام مقاربة أكثر براغماتية تقوم على إدارة التوازنات بدل تجاهلها.

تراجع النفوذ الإيراني وفرصة بغداد الجديدة

وفي الوقت نفسه، تشهد البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق تحوّلات جوهرية تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة. فإيران، التي كانت اللاعب الأكثر نفوذًا في المشهد العراقي منذ عام 2003، تواجه اليوم واحدة من أكثر مراحلها الإقليمية هشاشة منذ سنوات طويلة. فقد تراجع نفوذ “حزب الله” في لبنان، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا، فيما تعرّضَ الحوثيون في اليمن لضغوط وخسائر كبيرة. كما إنَّ استراتيجية طهران القائمة على الردع والانتقام عبر استهداف مصالح أميركية وخليجية أفضت، في العديد من الحالات، إلى نتائج عكسية، بعدما استدعت ردودًا عسكرية أضعفت القدرات الإيرانية من دون أن تُحقّقَ المكاسب السياسية التي كانت تسعى إليها.

وفي هذا السياق، لم يعد النفوذ الإيراني في العراق أمرًا محسومًا أو مطلقًا كما كان خلال العقدين الماضيين. وللمرة الأولى منذ سقوط النظام السابق، تبرز فرصة فعلية أمام بغداد لاستعادة جُزءٍ من استقلال قرارها السيادي، شرط توافر إرادة سياسية داخلية تسمح بذلك، إلى جانب استعداد خليجي لتحويل هذا الانفتاح إلى شراكة عملية ذات جدوى اقتصادية واستراتيجية.

وقد بدأت مؤشّرات هذا التحوُّل تظهر تدريجًا في طبيعة العلاقات العراقية-الخليجية خلال السنوات الأخيرة. فالتقارب بين بغداد وكلٍّ من الرياض والدوحة وأبو ظبي تجاوز الطابع البروتوكولي، ليدخل في مسارات تعاون اقتصادي واستثماري وأمني أكثر وضوحًا. كما إنَّ مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة، وخصوصًا ضمن إطار التعاون الثلاثي بين العراق والأردن ومصر الذي أُعلن رسميًا في قمة بغداد عام 2021، عكست توجُّهًا عراقيًا متزايدًا نحو تنويع شراكاته الإقليمية، رُغمَ أنَّ جُزءًا كبيرًا من هذه المشاريع لا يزال في مراحله غير المكتملة.

وفي موازاة ذلك، بدأت الاستثمارات الخليجية الضخمة خلال الأعوام الأخيرة تُحدث تحوُّلًا تدريجيًا في حسابات قوى سياسية عراقية كانت تنظر تقليديًا بعين الريبة إلى الانفتاح على الخليج لأسبابٍ إيديولوجية وسياسية. غير أنَّ هذا المسار الاقتصادي يبقى هشًا ما لم يُدعَم بإطارٍ أمني وسياسي قادر على حمايته وضمان استمراريته.

الأمن أولًا: هل تنجح معادلة الثقة بين الخليج والعراق؟

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء مقاربة أمنية خليجية ـ عراقية جديدة، تقوم على أسس أكثر استقرارًا وواقعية، وتستند إلى ثلاثة مبادئ قادرة على تحويل التقارب الاقتصادي الحالي إلى شراكة إقليمية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى السيادة العراقية باعتبارها واقعًا مكتملًا يمكن التعامل معه كأمرٍ محسوم، بل كمسارٍ سياسي وأمني يحتاج إلى بناءٍ تدريجي وشراكةٍ إقليمية داعمة. فالتعامل الخليجي مع بغداد لا يمكن أن يستند إلى المجاملات الديبلوماسية أو الافتراضات القانونية المجردة، بل إلى مقاربة عملية تعترف بحدود الدولة العراقية الحالية، وتسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز قدرتها على استعادة أدواتها السيادية.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تأسيس آليات تعاون أمنية واستخباراتية أكثر انتظامًا بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، تُركّز على ملفات محددة وقابلة للقياس، مثل مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، وضبط شبكات التمويل غير المشروع، والتصدي للاختراقات الإلكترونية، وتعزيز أمن الحدود. فهذه الملفات لا تمثل فقط تهديدات مشتركة، بل توفر أيضًا أرضية عملية لبناء الثقة بصورة تدريجية بعيدًا من الشعارات السياسية العامة.

كما إنَّ تطوير إطارٍ مؤسساتي دائم للحوار الأمني بين العراق ودول الخليج، على مستوى نواب الوزراء والأجهزة الفنية المختصة، قد يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بالبيانات السياسية التقليدية. فاستقرار العلاقة الخليجيةـالعراقية يحتاج إلى قنوات تنسيق مستمرة قادرة على إدارة الأزمات ومراقبة التقدم الفعلي على الأرض، بالتوازي مع تفهُّمٍ خليجي لطبيعة التعقيدات السياسية الداخلية التي تتحكم بإيقاع القرار العراقي.

وفي المقابل، تبقى مسألة المجال الجوي والحدود من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى دول الخليج. فاستمرار استخدام الأراضي العراقية من قبل فصائل موالية لإيران لتنفيذ عمليات أو تمرير رسائل عسكرية باتجاه الخليج يمثّل، بالنسبة إلى العواصم الخليجية، عاملًا يقوّض أي مسار لبناء الثقة أو توسيع التعاون الاقتصادي. إذ لا يمكن الفصل بين الانفتاح الاقتصادي والاستقرار الأمني، ما دامت البنية التحتية والمجال الجوي لدول الخليج عرضة لتهديدات تنطلق من الأراضي العراقية.

ورُغمَ محدودية قدرة بغداد على ضبط هذا الواقع بصورة كاملة، فإنَّ هامش التحرُّك ليس معدومًا. فإطلاق آليات تشاور مشتركة في مجالات الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة، إلى جانب تطوير اتفاقات أمن حدودية مع السعودية والكويت تعتمد على نشر القوات النظامية العراقية بدل الفصائل المسلحة، يُمكن أن يشكل خطوات عملية قابلة للتنفيذ سياسيًا وأمنيًا. وقد لا تبدو هذه الإجراءات تحوُّلات استراتيجية كبرى، لكنها تمثل بالنسبة إلى دول الخليج مؤشرات ملموسة إلى وجود إرادة عراقية لاستعادة جزء من القرار السيادي.

أما ملف الجماعات المسلحة، فيبقى الأكثر تعقيدًا وحساسية داخل العراق. فمعالجة هذا الملف لا يمكن فرضها من الخارج، بل ترتبط بمسار سياسي داخلي طويل ومعقد، يتطلب إعادة دمج تدريجية للهياكل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة الرسمية. غير أنَّ ذلك لا يلغي أهمية الدور الخارجي في تشكيل بيئة تشجّع هذا التحوُّل، عبر ربط الانفتاح الاقتصادي والسياسي بمستويات التقدم المحققة على الأرض.

ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة التدريجية أكثر واقعية من المطالبة بحلول شاملة وفورية. فكلُّ خطوةٍ تؤدّي إلى إخضاع مجموعة مسلحة لسلطة وزارة الدفاع العراقية، أو استعادة الدولة السيطرة على معبر حدودي أو مرفق سيادي، تمثل مكسبًا أمنيًا مباشرًا ليس لبغداد وحدها، بل أيضًا لدول الخليج. ولذلك، فإنَّ سياسة الحوافز الإقليمية يُفترَض أن تُبنى على تشجيع التقدم التراكمي، بدل انتظار تسوية نهائية قد تبقى بعيدة المنال لسنوات.

وفي النهاية، لا يتطلب هذا المسار من دول الخليج تجاهل التجارب السابقة أو التقليل من حجم النفوذ الإيراني داخل العراق، بل على العكس، يُفترَض الاعتراف بوضوح بأنَّ أزمة السلطة والسيادة داخل الدولة العراقية تحوّلت، منذ سنوات، إلى جُزءٍ من معادلة الأمن الإقليمي الخليجي. وفي المقابل، يبقى مستقبل هذه الأزمة مرتبطًا أولًا بقدرة العراقيين أنفسهم على إعادة تعريف توازنات دولتهم، ضمن بيئة إقليمية تستطيع، إذا أرادت، أن تجعل استعادة السيادة العراقية مشروعًا ممكنًا لا مجرّد شعارٍ سياسي.

ومع ذلك، فإنَّ الفرصة المتاحة أمام العراق لإعادة تموضعه الإقليمي قد تكون أضيق وأكثر هشاشة مما تدركه بغداد أحيانًا. فالانفتاح الخليجي الحالي تجاه العراق لا يستند إلى معادلة ثابتة أو دائمة، بل يرتبط بجملةٍ من الظروف الإقليمية والسياسية المتغيّرة، في مقدمتها تراجع النفوذ الإيراني النسبي، ووجود قيادة خليجية تتبنى مقاربة أكثر براغماتية وانفتاحًا تجاه العراق، إلى جانب غياب أي تصعيد أمني مباشر يستهدف دول الخليج انطلاقًا من الأراضي العراقية.

لكن هذه المعادلة تبقى قابلة للاهتزاز بسرعة. فأيُّ هجوم جديد يطال منشآت خليجية أو يهدد أمن مواطني دول الخليج عبر فصائل تنشط داخل العراق، قد يعيد العلاقة إلى نقطة الصفر، ويقوّض مسار الانفتاح القائم بالكامل. ولذلك، فإنَّ الحفاظ على هذه الفرصة يتطلب من بغداد التعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على استعادة جزء من سيادتها العملية، لا مجرد إدارة توازنات داخلية مؤقتة.

وفي هذا السياق، تصبح السيطرة على المجال الجوي، وضبط الحدود، والحد من تحركات الجماعات المسلحة الخارجة عن القرار الرسمي، عناصر أساسية في بناء الدولة العراقية نفسها، لا مجرد مطالب خليجية أو شروط سياسية خارجية. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة مؤسساتها المدنية، بل أيضًا بقدرتها على احتكار أدوات القوة وفرض قواعد السيادة على كامل أراضيها.

كما إنَّ تجربة العقود الماضية أظهرت أنَّ العلاقات الخليجيةـالعراقية لا يمكن أن تُبنى على الاقتصاد أو الديبلوماسية أو الروابط الثقافية وحدها، بمعزل عن الاعتبارات الأمنية. فالأمن كان العامل الحاسم في انهيار العلاقة بعد غزو الكويت عام 1990، وهو نفسه الذي أعاق إعادة بناء الثقة بعد عام 2003، وسيبقى العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل الانفتاح الحالي، وما إذا كان سيتحول إلى شراكة مستدامة أو إلى محطة عابرة تنتهي بدورة جديدة من التوتر والقطيعة.

وفي النهاية، تبدو المعادلة واضحة لكلا الطرفين: فإعادة بناء الثقة بين العراق ودول الخليج لن تتحقق عبر الخطابات السياسية وحدها، بل عبر خطوات سيادية ملموسة تُعيد تعريف موقع العراق داخل محيطه العربي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بقدرة بغداد على اتخاذ هذا المسار، بل أيضًا بمدى استعداد الجانبين لتحويل اللحظة الإقليمية الحالية إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة أكثر استقرارًا واستدامة.

  • مهند سلوم هو زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وأستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وباحث فخري في جامعة إكستر البريطانية.
  • يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى