لم تُبطئ الحرب مع إيران مَسيرةَ التقدُّم في الخليج… ولن تُوقِفَها

مايكل بلومبيرغ*

قد تُصقِلُ الأزمات والمحن بعض الدول، لكنها في الوقت نفسه تكشف بوضوح مستوى جاهزيتها الحقيقية. ومع تصاعد الهجمات الإيرانية الأخيرة على أهداف مدنية في منطقة الخليج، لم يقتصر المشهد على تداعيات أمنية آنية، بل قدّم اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الدول على الصمود في وجه الصدمات. في هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذجٍ لنهجٍ طويل الأمد قائم على الاستعداد المُسبَق، حيث أسهمت عقود من الاستثمار الاستراتيجي—من تنويع الاقتصاد إلى بناء شراكات مع مؤسسات عالمية وتعزيز القدرات الدفاعية—في تمكينها من الحفاظ على زخم النمو حتى في أوقات الاضطراب.

ولم تكن هذه الرؤية محصورة بالإمارات وحدها، بل امتدت إلى عدد من دول المنطقة التي أدركت أنَّ الاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن التخطيط الاستباقي. فقد ساعدت الاستثمارات المدروسة في مختلف القطاعات على تعزيز قدرة هذه الدول ليس فقط على تجاوز تداعيات الصراع، بل على الاستمرار في لعب دور قيادي في مجالات مستقبلية حاسمة، مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة المتجددة.

وخلال زيارتي إلى الإمارات العام الماضي، التقيتُ بقيادات صناديق الثروة السيادية التي تعمل على تحديث أسواق رأس المال في المنطقة وتعزيز ارتباطها بالمستثمرين العالميين، في تعاونٍ وثيق مع مؤسسات مالية دولية من بينها بلومبيرغ. ما كان واضحًا في تلك اللقاءات هو أنَّ الرهان على الابتكار والانفتاح الاقتصادي ليس خيارًا مرحليًا، بل توجُّه استراتيجي راسخ. ومن واقع متابعتي للأسواق العالمية، لا يبدو أنَّ التوترات الراهنة ستقوّض هذا المسار، أو من جاذبية المنطقة كمركزٍ مُتنامٍ للتجارة والخدمات اللوجستية، وبشكلٍ متزايد، للتكنولوجيا. ولهذا، تواصل العديد من الشركات العالمية، بما في ذلك بلومبيرغ، النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منصة حيوية للنمو والاستثمار في المرحلة المقبلة.

في خضم التوترات الأخيرة، لم تُظهر أسواق المنطقة علامات انكماش بقدر ما عكست قدرة لافتة على التكيّف والاستمرار. فقد تواصلت تدفقات رؤوس الأموال من وإلى المنطقة، فيما مضت الصفقات التجارية الكبرى في مسارها من دون تباطؤ يُذكر. هذه المؤشرات، التي تابعتها عن كثب، تعزز قناعة تتشاركها اليوم شريحة واسعة من قادة الأعمال حول العالم، مفادها أن آفاق الشرق الأوسط لا تزال إيجابية، وأنَّ ما تحقّق من تحوّلات خلال السنوات الماضية ليس عُرضةً للتراجع بسهولة.

هذا الانطباع لا ينفصل عن تجربتنا المباشرة في بلومبيرغ. فمنذ افتتاح أول مكتب لنا في دبي في تسعينيات القرن الماضي، تحوّل حضورنا في المنطقة من نقطة انطلاق محدودة إلى شبكة متكاملة تضم خمسة مكاتب تغطي مجالات التمويل والبيانات والإعلام. هذا التوسع لم يكن مجرد قرار مؤسسي، بل انعكاس لمسار نموٍّ أوسع شهدته المنطقة نفسها، مدفوعًا برؤية استراتيجية طويلة الأمد لقادتها.

لقد أسهمت السياسات التي تبنّتها دول الخليج—من جذب الاستثمارات إلى دعم بيئات الابتكار—في خلق مناخ يتسم بثقة عالية وإمكانات واسعة. ولم يتراجع هذا الزخم مع اندلاع التوترات الأخيرة، بل تعزّز عبر إجراءات استباقية دعمت السيولة والإقراض، إلى جانب مبادرات لدعم قطاعات حيوية مثل السياحة والضيافة. وفي الوقت ذاته، واصل القطاع الخاص ضخ استثماراته، في إشارة واضحة إلى استمرار الثقة في متانة الاقتصاد. مجتمعة، تعكس هذه العوامل اقتصادًا لا يكتفي بالصمود، بل يواصل التوسُّع.

وليس هذا المشهد جديدًا على المنطقة. فقد واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات كبرى، كان أبرزها جائحة كوفيد-19، التي أدت إلى انكماش الاقتصاد غير النفطي قبل أن يتعافى ويتجاوز مستويات ما قبل الجائحة. هذا التعافي السريع لم يكن مصادفة، بل نتيجة بنية اقتصادية أكثر تنوُّعًا وقدرة على امتصاص الصدمات. واليوم، تحتل دولة الإمارات مكانة متقدمة بين أكبر الدول المصدّرة للسلع عالميًا (بين أول عشر دول)، فيما يواكب نمو تجارتها الخارجية توسع في شراكاتها الدولية، بما في ذلك التزامات استثمارية ضخمة في قطاعات التكنولوجيا، تعكس عمق اندماجها في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك التزامها باستثمار 1.4 تريليون دولار في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة.

لم تقتصر ثمار تعميق العلاقات الاقتصادية والاستثمارية على داخل الخليج، بل امتدت آثارها إلى الساحة الدولية، وهو ما بدا جليًا خلال مشاركتي في مؤتمر المناخ (COP28) الذي استضافته دبي عام 2023. ففي ظل قيادة رئيس المؤتمر آنذاك، الدكتور سلطان الجابر، خرجت الاجتماعات بنتائج ملموسة في ملفات شديدة الحساسية، من بينها التوافق على خفض انبعاثات غاز الميثان في قطاع النفط والغاز، إلى جانب خطوات للحد من التلوث الناتج عن الصناعات الثقيلة. هذه المخرجات لم تكن مجرد التزامات نظرية، بل عكست قدرة المنطقة على لعب دور فاعل في صياغة حلول لقضايا عالمية معقدة.

وخلال وجودي في دبي، كان لافتًا كيف تتقاطع الاستثمارات الاقتصادية مع البُعد الثقافي في صياغة نموذج تنموي متكامل. فقد زرت متحف المستقبل، الذي يجسد بوضوح كيف يمكن للثقافة أن تتحول إلى محرك اقتصادي يجذب الزوار والمقيمين على حد سواء. هذا التوجه لم يأتِ مصادفة، بل هو جزء من رؤية أوسع تبنّاها قادة المنطقة، تجسدت في إنشاء مؤسسات ثقافية عالمية المستوى. ومن المنتظر أن تتعزّز هذه الدينامية مع مشاريع جديدة، من بينها متحف “آرت ميل” في الدوحة، الذي اطلعتُ على مراحله خلال منتدى قطر الاقتصادي العام الماضي، إلى جانب “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، الذي يقدم نموذجًا للحوار بين الأديان ويعكس قيم التعايش والانفتاح.

في المحصّلة، وبينما يظل الأمل قائمًا في تحقيق سلام دائم في المنطقة، تبدو الأسس التي بنتها دول الخليج خلال العقود الماضية أكثر رسوخًا من أن تتأثر بالاضطرابات العابرة. فهذه الدول لم تراكم فقط أصولًا اقتصادية، بل أسست لثقافة قائمة على الابتكار والانفتاح والتطلع إلى المستقبل—وهي عوامل يصعب تقويضها، وستظل محل تقدير وثقة من مجتمع الأعمال العالمي.

  • مايكل بلومبيرغ هو مؤسس شركة بلومبيرغ ومؤسسة بلومبيرغ الخيرية، وشغل منصب رئيس بلدية مدينة نيويورك بين العامين 2002 و2013.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى