الإِعلام المدروس والإِعلام المدسوس
هنري زغيب*
في الحرب العالمية الثانية، برَزَ جوزف غوبلز وزيرُ هتلر للإِعلام. وكان شعارُه في مواقفه وخُطَبه: “إِكذِبْ إِكذِبْ إِكذِبْ إِلى أَن يُصدِّقَك الناس”. وظلَّ يَكذِب ويُصَدِّقُه الناس حتى تَبَيَّن كَذِبُه، فانتهى منتحرًا في أَوَّل أَيَّار/مايو 1945، بعد أَقلَّ من 24 ساعة على انتحار صديقه ورئيسه أَدولف هتلر في زاويةِ قبوٍ حقير.
وفي حرب الأَيام الستة، بَدءًا من 5 حزيران/يونيو 1967، برَزَ أَحمد سعيد مديرُ “إِذاعة صوت العرب” في القاهرة، يُذيع منها بياناتٍ ومواقفَ بطوليةً للرئيس جمال عبد الناصر، حتى أَعلنَ انتصارَ الجيش المصري ونجاحَه في إِسقاط الطائرات الأَميركية. وما بَزَغَ الصباح حتى تَبَيَّن أَنه كان يَكْذِب، وأَنَّ الطائرات الحربية المصرية لم تُغادرْ مطارَها، وأَنَّ مصر أُصيبت بنكسةٍ سبَّبَت استقالته بعد أَسابيع في أَيلول/سبتمبر 1967.
وفي حرب العراق سنة 2003 عند غَزْوِه الكويت، برَزَ محمد سعيد الصحَّاف وزيرُ إِعلام الرئيس صدام حسين، وراح يبالغ في عقْد مؤْتمرات صحافية متتالية متعاقبة. وظلَّ يَكْذِب، ويُعلن انتصار الجيش العراقي، ويَنعتُ الأَميركان بالـ”عُلُوج”، وأَنهم ينتحرون عند أَسوار بغداد، حتى تَبَيَّن أَنه كان يَكْذِب، وأَنَّ بغداد سقَطَت بعد ساعات، وانتهى الأَمرُ بِهَرَبه إِلى دولة الإِمارات ووفاته فيها.
وفي الحرب الحالية الدائرة منذ شهر بين أَميركا وإِيران، وما يتفرَّع عنها من “أَذْرُع”، نَشهد على مرِّ الدقائق بياناتٍ وأَخبارًا وإِشاعاتٍ ومواقفَ وتصاريحَ من كلِّ فريق، سُرعانَ ما يَتَبَيَّن زيفُها أَو دَسُّها أَو تَضليلُها.
قد يكون من طبيعة المسار الحربي، أَنْ يكونَ فيه إِعلامٌ مدسوس بصيغة إِعلامٍ مدروس في ضَلاله وتَضْليله، فيكون مدسوسُه مدروسًا لا لنقْل الحقيقة والواقع الحاصل، بل لِـحَرْف الحقيقة عن واقعها إِلى اتجاهٍ من صالح الجهة الـمُعْلِمة. وهذه خطةٌ من طبيعة الإِعلام في الحروب والثورات والأَزمات، لاستقطاب الرأْي العام إِلى جانب هذه الجهة أَو تلك، هذه الدولة أَو تلك، فيُعلنُ هذا الفريق أَنه تَصدَّى وأَوقَعَ خسائرَ فادحة فاضحة، وأَنَّ التوازنات تميل إِلى هذا الفريق دون ذاك، ثم يَتَبَيَّن للرأْي العام أَنَّ الأَنباء والتغطيات كانت في مُعظمها مبالغاتٍ مضخَّمةً غيرَ صحيحة.
ويَزيدُ من الضلال والتضليل تَنَطُّحُ المنصَّات الإِكترونية، تَنْشُرُ أَخبارًا منقولة أَو منحولة، يَروح حاملُو الأَجهزة الخَلَوية يَبُثُّونها من دون وازع، يَتناقلُونها ويُرسلُونها ويُعلِّقون عليها مَدحًا أَو قَدحًا، فإِذا بالمعلومة تَنتشرُ في ثَوانٍ إِلى مئَات الآلاف الذين يَبْنُون عليها مواقفَهم دون التأَكُّدِ من مَصادرها ودقَّتها، فتَتغلْغلُ الإِشاعات، وتَهلَع لها قلوب وتَفرح قلوب، حتى يَتَبَيّن أَنها كانت كاذبة أَو مُحَرَّفة أَو مغلوطة. ونادرًا ما شَهِدْنا منصَّةً أَو جريدةً أَو وسيلةً إِعلامية إِذاعية أَو تلفزيونية، تَتَراجَع عن خَطَإِها وتعتذر إِلى جمهورها.
هي هذه ضريبةُ الحرب: بين إِعلامٍ مدسوس على طريقة غوبلز وشعارِه الشِرّير الشَهير “إِكذِبْ إِكذِبْ إِكذِبْ إِلى أَن يُصدِّقَك الناس”، وإِعلامٍ مدروس رصين يتأَكَّد من المعلومة قبل نَشْرها فيَكتسبُ ثقةَ جمهوره، فيما الإِعلام الـمُغْرض المدسوس يَربَحُ الأَغناميين العُمْيانيين من جمهوره، ويَخْسَر المتَنَوِّرين الذين لا يَرتَدعُون تباعًا عن إِلباسِهِ أَبْشَعَ نَعتٍ جارح قاتل، بأَنه … “إِعلام كذَّاب”.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

