جنوب لبنان يُغَيِّرُ شَرقَ المُتَوَسِّط!

هُدى الحُسَيني*

تتزايدُ في الأوساط الديبلوماسية والعسكرية المؤشّرات إلى أنَّ المواجهة الدائرة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية قد تكون على وشك الدخول في مرحلةٍ مختلفة تمامًا عمّا عرفه لبنان منذ سنوات. فالمعطيات المُتداوَلة في الكواليس السياسية والعسكرية توحي بأنَّ ما يجري التحضير له لا يندرج في إطارِ عمليةٍ محدودة أو ردٍّ عسكري موضعي، بل في سياق تصوُّر أوسع لإعادة رسم موازين القوى على الأرض، وربما إعادة صياغة الخريطة العسكرية في جنوب لبنان وشرقه معًا.

وتشير التقديرات إلى أنَّ أيَّ عملية برية إسرائيلية محتملة قد تتجاوز بكثير الحدود التقليدية للعمليات التي اعتادتها المنطقة في جولات التصعيد السابقة. فالتصوُّر العسكري المُتداوَل يتحدث عن تقدُّمٍ قد يصل إلى نحو 15 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية، بما يشمل مناطق واسعة تمتدُّ حتى تخوم مدينة صور وصولًا إلى خط القاسمية. مثل هذا التقدُّم، إن تحقّق، لن يكون مجرّد توغُّل محدود، بل خطوة تهدف إلى السيطرة على شريطٍ جغرافي واسع جنوب نهر الليطاني، وهو ما يعيد إلى الأذهان النقاش القديم حول المنطقة التي كانت تُطرح تاريخيًا كحزامٍ أمني يفصل بين الحدود الإسرائيلية والعمق اللبناني.

لكن الخطة، وفق هذه القراءة، لا تقومُ على محورٍ واحد. فثمّة حديثٌ عن محورٍ مُوازٍ قد ينطلق من المرتفعات المحيطة بجبل الشيخ، مُتَّجهًا نحو البقاع الغربي وراشيا. والهدف من هذا التحرُّك المتزامن، كما تفيد التقديرات العسكرية، ليس فقط توسيع نطاق العمليات، بل خلق فصل جغرافي وعسكري بين جنوب لبنان ومنطقة البقاع. وإذا تحقّق هذا الفصل، فإنَّ خطوط الاتصال والإمداد بين الجبهتين ستصبح أكثر هشاشة؛ ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من المواجهة.

ويبدو أنَّ التفكيرَ العسكري في هذه المرحلة يتجاوز الضغط المباشر على مواقع عسكرية أو قواعد إطلاق الصواريخ، ليذهب نحو هدفٍ أوسع يتمثل في السيطرة على المساحات الاستراتيجية الممتدة من جنوب الليطاني حتى معبر المصنع على الحدود اللبنانية-السورية. مثل هذا السيناريو، إذا تحقق، سيعني عمليًا قطع طرق الإمداد التقليدية وإعادة رسم خطوط الحركة داخل الأراضي اللبنانية؛ الأمر الذي قد يفرض واقعًا تفاوضيًا جديدًا على الدولة اللبنانية في مرحلةٍ لاحقة.

وفي موازاة هذه التطورات، تتحدث مصادر ديبلوماسية عن حركة عسكرية غير مسبوقة على الجانب السوري من الحدود مع لبنان. فالتقارير تشير إلى حشود عسكرية كبيرة تضم آلاف الجنود إلى جانب منصات صواريخ ومدفعية ثقيلة، في انتشارٍ يمتدُّ على طول الشريط الحدودي. وتُبرّر دمشق، وفق ما نُقل في اتصالات غير مباشرة، هذا الانتشار بأنه إجراءٌ احترازي يهدفُ إلى منعِ أيِّ تسلُّلٍ محتمل لمقاتلين عبر الحدود في حال اشتدت المعارك داخل الأراضي اللبنانية.

غير أنَّ هذا التفسير لا يبدّد كل المخاوف في بيروت. فبعضُ القراءات السياسية يرى أنَّ انتشارَ القوات السورية قد يحمل دلالات أوسع من مجرّد إجراءٍ وقائي؛ إذ يمكن أن يفتح الباب أمام احتمال قيام جبهة شرقية أو شمالية موازية، وهو سيناريو من شأنه أن يضعَ لبنان أمام ضغطٍ عسكري من أكثر من اتجاه في آنٍ واحد.

وفي الوقت نفسه، تشيرُ المعطيات الميدانية إلى أنَّ المشهد العسكري حول لبنان لا يقتصر على التحرّكات البرية المحتملة. فالبحر يشهد حضورًا مُكثّفًا للقطع الحربية الإسرائيلية قبالة الساحل اللبناني، في ما يشبه طوقًا بحريًا يهدف إلى مراقبة حركة الملاحة ومنع أي نقل محتمل للأسلحة أو الإمدادات. أما في الجو، فلا يزال التفوق الجوي الإسرائيلي حاسمًا، مع استمرار السيطرة شبه الكاملة على المجال الجوي اللبناني.

وإذا اجتمعت هذه العناصر -الحصار البحري، والتفوُّق الجوي، واحتمال التقدُّم البري من أكثر من محور- فإنَّ لبنان قد يجد نفسه أمام وضعٍ عسكري مُعقَّد يقترب من شكل الطوق الكامل حول مناطق واسعة من البلاد.

في المقابل، تؤكد التصريحات الصادرة عن قيادة “حزب الله” أنَّ أيَّ توغُّلٍ بري لن يكون خطوة سهلة، وأنَّ المواجهة البرية قد تتحوَّل ساحة قتال مباشر. ويقول قادة الحزب إنَّ تقدُّمَ القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية قد يفتح الباب أمام مواجهات قريبة، يعتقدون أنها قد تمنحهم فرصة لإلحاق خسائر بالجيش الإسرائيلي.

لكن في الكواليس السياسية، يبدو أنَّ القلق الأكبر لا يتعلّق فقط بالمعركة العسكرية، بل بما قد يأتي بعدها. فهناك مخاوف حقيقية داخل المؤسسات اللبنانية من أن تتحوَّلَ الحرب مدخلًا لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، سواء عبر مفاوضات مباشرة أو عبر ضغوطٍ دولية تهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل المستمرة منذ عام 1948.

وتشيرُ المعطيات إلى أنَّ واشنطن تدعَمُ إلى حدٍّ بعيد العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحد من الأضرار التي قد تصيب الدولة اللبنانية ومؤسساتها، في محاولةٍ لمنع انهيارٍ كامل للوضع الداخلي في لبنان.

وسط هذا المشهد المعقّد، تكثف القيادة اللبنانية تحركاتها الديبلوماسية في محاولةٍ لتجنُّب انزلاق البلاد إلى حرب متعددة الجبهات. وتُفسَّر اللقاءات والاتصالات المتسارعة التي يجريها رئيس الجمهورية جوزيف عون مع عواصم مختلفة على أنها محاولة لاحتواء التصعيد ومنع تحوُّله مواجهةً شاملة قد تعيد رسم الحدود العسكرية والسياسية للبنان.

في نهاية المطاف، يبدو أنَّ لبنان يقف عند عتبة مرحلة شديدة الحساسية. فالتداخل بين الحسابات العسكرية الإقليمية، والصراعات الدولية، والتوازنات الداخلية اللبنانية يجعل من أيِّ خطوة ميدانية شرارة محتملة لتحوُّلاتٍ أكبر. وفي منطقة اعتادت على الحروب المتقطعة، قد تكون المرحلة المقبلة مختلفة؛ لأنَّ ما يجري الإعداد له لا يتعلّق بجولةٍ عسكرية عابرة، بل بإعادة ترتيب المشهد الاستراتيجي في شرق المتوسط بأكمله.

  • هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى