البحرُ الأحمر على صفيحٍ ساخن: صراعُ الممرّات وتوازُنات القوّة الجديدة

كابي طبراني*

عاد البحر الأحمر إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، لا بوصفه ممرًّا ملاحيًا يربط بين قناة السويس والمحيط الهندي فحسب، بل باعتباره ساحة اشتباك سياسي وأمني تتقاطع فيها أزمات الشرق الأوسط مع هشاشة القرن الأفريقي. ما كان يُنظر إليه طويلًا كفاصلٍ جغرافي بين ضفّتين، تحوّل اليوم إلى مساحةٍ مكشوفة تتكثّفُ فيها التنافسات الإقليمية، وتنعكس عبرها ارتدادات الحروب والصراعات على الاقتصاد العالمي بأسره.

يمرُّ عبر هذا الممر البحري ما يُقدَّر بنحو 12 إلى 15 في المئة من التجارة العالمية، ونسبةً كبيرة من تجارة الحاويات والطاقة المُتَّجهة من الخليج إلى أوروبا. لذلك لم تعد الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن التجارية منذ أواخر العام 2023 مجرّد تهديدٍ أمني محدود، بل تحوّلت إلى اختبارٍ مباشر لحرية الملاحة ولسلاسل الإمداد العالمية. تَراجُعُ حركة السفن عبر قناة السويس، وارتفاعُ تكاليف الشحن، واضطرارُ شركات الملاحة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، كُلُّها مؤشّرات إلى أنَّ أيَّ اضطراب في باب المندب ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وعلى موازنات الدول التي تعتمد على عائدات العبور البحري، وفي مقدمتها مصر.

غير أنَّ ما يحدث في البحر لا يمكن فصله عمّا يجري على اليابسة. فالهجمات البحرية انبثقت من سياق الحرب اليمنية وتعقيداتها الإقليمية، تمامًا كما إنَّ عودةَ القرصنة قبالة السواحل الصومالية ترتبطُ بضعف الدولة وتآكل مؤسساتها وتفاقم الأزمات الاقتصادية. الأمن البحري في البحر الأحمر هو امتدادٌ مباشر لحالة الاستقرار أو الانهيار على ضفّتَيه. كلما تراجعت قدرة الدول الساحلية على بسط سيادتها، تحوّلت السواحل إلى منصّات تهديد للملاحة الدولية، وتحوّل الممر إلى أداة ضغط في صراعاتٍ أوسع.

المشهد لم يَعُد محكومًا بثُنائية القوى الكبرى كما كان الحال في الحرب الباردة. اليوم تتصدّرُ القوى الإقليمية المتوسّطة واجهة التنافس. دول الخليج، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وَسّعت حضورها عبر استثماراتٍ في الموانئ وممرّات النقل والمشاريع اللوجستية. تركيا رَسّخت موطئ قدم في الصومال من خلال اتفاقياتٍ أمنية ومشاريع بنى تحتية. مصر تنظر إلى التطوُّرات من زاوية أمن قناة السويس وملف مياه النيل. إسرائيل بدورها أعادت تقييم حضورها في المعادلة البحرية، خصوصًا في ظلِّ تهديدات الحوثيين واتساع نطاق الاشتباك الإقليمي.

هذه التحرّكات ليست اقتصادية بحتة. فالموانئ لم تعد مرافق تجارية فحسب، بل أدوات استراتيجية للتحكُّم في سلاسل الإمداد ومسارات التجارة وتعزيز النفوذ السياسي طويل الأمد. الاستثمار في البنية التحتية البحرية يمنح الدول الداعمة موطئ قدم دائمًا في بيئات هشّة تبحث عن التمويل والدعم، ويُحوّل الشراكات الاقتصادية إلى ترتيباتٍ ذات أبعادٍ أمنية.

في المقابل، لم يَعُد القرن الأفريقي ساحةً سلبية تتلقّى التأثيرات الخارجية. النخب الحاكمة في إثيوبيا والصومال والسودان وإريتريا وجيبوتي تتعامل ببراغماتية مع هذا التزاحُم الإقليمي، مُستفيدةً من التنافس للحصول على دعم مالي أو سياسي أو عسكري. غير أنَّ هذا التوازن الدقيق ينطوي على مخاطر حقيقية، إذ قد يؤدّي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وتحويل النزاعات المحلية إلى حروبٍ بالوكالة.

الحرب في السودان مثالٌ واضح على تداخل العوامل الداخلية بالخارجية، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع صراع السلطة المحلي، ما يُطيلُ أمد النزاع ويُعقّدُ فُرَص التسوية. في اليمن، تحوّل الممر البحري إلى ورقة ضغط ضمن صراع يتجاوز الحدود الوطنية. أما سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، فقد فتح باب توترات جديدة مع الصومال وإريتريا، وأعاد رسم خطوط اصطفافٍ في الإقليم.

إلى جانب التنافس السياسي، ثمة عوامل بنيوية تزيد المشهد تعقيدًا. دول القرن الأفريقي تواجه تحديات حادة في التنمية والحُكم الرشيد، وتُعاني من آثار النزاعات الممتدة والتغيُّر المناخي وندرة الموارد. هذه البيئة الهشّة تغذي شبكات التهريب والاتجار بالبشر والصيد غير المشروع، وتخلق اقتصادًا مُوازيًا يتغذّى من غياب الرقابة. وهكذا تتشكّل حلقة مفرغة: ضعف الدولة يؤدّي إلى اضطراب بحري، والاضطراب البحري يُفاقم الأزمات الاقتصادية ويُقوّض قدرة الدولة على التعافي.

أما القوى الكبرى، فهي حاضرة ولكن بدور مختلف. الولايات المتحدة تُركّزُ على ضمان حرية الملاحة ومكافحة الإرهاب، من دون انخراطٍ واسع في معالجة جذور الأزمات البرية. الصين وَسّعت حضورها الاقتصادي والعسكري، خصوصًا في جيبوتي، في إطار سعيها إلى حماية طرق التجارة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. إلّا أنَّ تعدُّدَ اللاعبين وغياب إطار أمني جامع يجعلان المشهد أقرب إلى ازدحامٍ استراتيجي منه إلى نظامٍ مُستقر.

يَتَبَلوَرُ في البحر الأحمر تدريجًا نوعٌ من الاستقطاب غير المعلن، حيث تتقاطع حسابات السيادة الإقليمية مع رهانات النفوذ البحري. بعضُ الأطراف يسعى إلى تعزيز شبكات موانئ وممرّات لوجستية عابرة للحدود، فيما تتمسّك أطرافٌ أخرى بمبدَإِ وِحدةِ الأراضي ورفض ترتيبات قد تُضعِفُ الدولة المركزية. هذه التباينات لا تُشكّلُ تحالفاتٍ صلبة بقدر ما تعكس اصطفافات مَرِنة تتبدّل وفق تطوّرات الأزمات.

اليوم، يتقاطع في البحر الأحمر مسار الحرب في غزة، وتداعيات النزاع في اليمن، والحرب الأهلية في السودان، والتوترات في القرن الأفريقي، إضافة إلى احتمالات اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء مباشرة أو عبر الساحات البحرية. هذا التراكُم يجعل الممر عُرضةً لأيِّ خطَإٍ في الحسابات. ضربةٌ على سفينة، أو اتفاقٌ مُثيرٌ للجدل حول ميناء، أو تصعيدٌ بين قوى إقليمية، قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الممر الضيّق.

ورُغمََ الصورة القاتمة، لا يخلو المشهد من فُرَص. البحر الأحمر ليس فقط ممرًّا للصراعات، بل فضاء ترابُطٍ اقتصادي وثقافي عميق بين ضفّتَيه. التجارة والطاقة والهجرة والتحدّيات البيئية قواسم مشتركة تفرضُ تعاونًا يتجاوز منطق الصفرية. تحويلُ هذا الممر من ساحةِ تنافُس إلى منصّة شراكة يتطلّب مقاربة شاملة تربط بين الأمن البحري والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

فلا يمكن للأساطيل البحرية وحدها أن تضمن سلامة الملاحة إذا بقيت جذور الأزمات على اليابسة من دون معالجة. كما إنَّ الاستثمارات الاقتصادية لن تُحقّقَ الاستقرار ما لم تقترن بإصلاحاتٍ مؤسّسية تُعزّز الحكم الرشيد وتُخفّف هشاشة الدول الساحلية. المطلوب رؤيةٌ إقليمية أكثر شمولًا تعترف بأنَّ أمنَ كلِّ طرفٍ مُرتبطٌ بأمن جيرانه عبر هذا الشريط المائي الضيّق.

لم يَعُد البحر الأحمر هامشًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل بات شريانًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي وتوازنات المنطقة معًا. مستقبلُ هذا الممر سيتحدّد بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين على إدارة تنافسهم ضمن أُطُرٍ مؤسّسية، بدل تركه ينزلق نحو صدامات مفتوحة. بين خيار التعايش البراغماتي وخيار الاستقطاب الحاد، يقف البحر الأحمر عند مفترق طرق، فيما العالم يراقب لأنه يدرك أنَّ استقراره لم يعد شأنًا محليًا، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الدولي.

Exit mobile version