عصرُ الاضطراب الكبير: كيف تغيَّرَت فكرةُ الأمن في العالم؟

كابي طبراني*

العالم اليوم أكثر تطوُّرًا من أيِّ وقتٍ مضى، لكنه ربما أكثر هشاشةً من أيِّ وقتٍ مضى أيضًا. فالحروبُ الحديثة لم تَعُد تبدأ بالطائرات أو الدبابات فقط، بل قد تبدأ بانقطاع الكهرباء، أو تعطُّل الإنترنت، أو ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، أو بهجومٍ سيبراني يشلُّ مدينة كاملة خلال ساعات. وبينما تتصاعد الحروب من أوكرانيا إلى غزة ولبنان، وتتزايد التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، يعود سؤالٌ قديم إلى الواجهة بصيغةٍ جديدة: هل ما تزال المجتمعات الحديثة قادرة فعلًا على الصمود في عالمٍ يتجه نحو اضطرابٍ طويل الأمد؟

بعد انتهاء الحرب الباردة، ساد اعتقادٌ بأنَّ العالم دخل عصرًا من الاستقرار تقوده العولمة والتكنولوجيا والأسواق المفتوحة. وتراجعت مفاهيم مثل “الدفاع المدني” و”الجاهزية المجتمعية”، باعتبارها بقايا من زمن الحروب العالمية. لكن الحرب الروسية–الأوكرانية، والحرب في غزة ولبنان، وأزمات الطاقة، والهجمات السيبرانية، والاضطرابات في سلاسل الإمداد، كشفت أنَّ المجتمعات الحديثة أكثر هشاشة مما كان يُعتقَد.

المفارقة أنَّ العالم يمتلك اليوم قدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة، لكنه في المقابل بات أكثر عرضةً للاهتزاز. فالحروبُ لم تَعُد محصورة بالجبهات العسكرية، بل أصبحت تمتدُّ إلى الاقتصاد والطاقة والغذاء والإعلام والبنية التحتية وحتى الحياة اليومية للأفراد.

وفي هذا السياق، لم يعد الأمن القومي يُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، بل بقدرة المجتمع نفسه على الاستمرار تحت الضغط.

التاريخ الحديث يقدم أمثلة واضحة على ذلك. ففي الحربين العالميتين، لم تكن الجيوش وحدها مَن يخوض المعركة، بل المجتمعات بأكملها. تحوّلت المصانع في أميركا وأوروبا إلى مراكز إنتاج عسكري، واعتمدت الحكومات أنظمة تقنين الغذاء والطوارئ، فيما شهدت الخدمات الطبية تطورًا كبيرًا تحت ضغط الحرب.

لكن الفارق اليوم يتمثل في أن المجتمعات الحديثة أصبحت أكثر اعتمادًا على شبكات عالمية معقدة وعابرة للحدود. فالعولمة التي منحت الاقتصاد العالمي نموًّا غير مسبوق، خلقت في المقابل مستويات مرتفعة من الاعتماد المتبادل. وأصبح أيُّ اضطرابٍ في مضيقٍ بحري أو شبكة طاقة أو سلسلة توريد قادرًا على التحوُّل سريعًا إلى أزمة دولية.

وقد كشفت الحرب الروسية–الأوكرانية هذه الحقيقة بوضوح، بعدما وجدت أوروبا نفسها أمام أزمة طاقة خانقة نتيجة اعتمادها الكبير على الغاز الروسي. كما أظهرت الهجمات على الملاحة التجارية في مضيق هرمز والبحر الأحمر كيف يمكن لتوتر إقليمي محدود أن يؤثر في التجارة العالمية وأسعار الشحن والتضخم وحتى الأمن الغذائي.

لكن التهديدات الجديدة لا تتوقف عند الاقتصاد والطاقة. فالعالم يعيش أيضًا مرحلةً غير مسبوقة من الحروب السيبرانية والمعارك المعلوماتية. فاليوم، لم تعد الدول تحتاج دائمًا إلى اجتياحٍ عسكري لإضعاف خصومها، بل يمكنها استخدام الهجمات الإلكترونية أو التضليل الإعلامي لإحداث اضطراب داخلي واسع.

ومع الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المجتمعات أكثر عرضة للاستقطاب وفقدان الثقة بالمؤسسات، ما يجعل الانقسام الداخلي نفسه نقطة ضعف استراتيجية.

هذه التحوُّلات لا تخصُّ الغرب وحده، بل تبدو أكثر وضوحًا في العالم العربي، حيث تعيش دولٌ عدة أصلًا تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والصراعات الإقليمية والانقسامات الداخلية.

فالحروب التي شهدتها غزة ولبنان والسودان واليمن خلال السنوات الأخيرة أظهرت كيف يمكن لأيِّ صراعٍ طويل أن يستنزف المجتمعات، ليس فقط عبر الخسائر البشرية، بل من خلال انهيار البنى الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية وارتفاع معدلات النزوح والهجرة والفقر.

كما كشفت اضطرابات مضيق هرمز وأزمات الطاقة العالمية مدى ارتباط الاقتصادات العربية بالتوازنات الدولية، خصوصًا في الدول المستوردة للغذاء والطاقة أو المعتمدة على حركة التجارة والممرات البحرية.

وربما تمثل إيران واحدة من أبرز النماذج المعاصرة على تعقيد العلاقة بين العقوبات والمرونة المجتمعية. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، واجهت البلاد ضغوطًا اقتصادية وعقوبات وعزلة دولية أثّرت بعمق على العملة ومستويات المعيشة والطبقة الوسطى. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى انهيار الدولة، بل دفعت مؤسساتها ومجتمعها إلى تطوير أشكال متعددة من التكيّف الاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا “الصمود” لم يكن بلا كلفة، إذ ترافق مع تضخُّم مرتفع، وهجرة كفاءات، واتساع الفجوة الاجتماعية، واحتجاجات متكررة تعكس حجم الضغوط الداخلية المتراكمة.

وفي ظلِّ هذه التحديات، يبرز سؤال أساسي: هل تمتلك المجتمعات العربية، كما المجتمعات الغربية، بنية كافية للصمود أمام أزمات طويلة ومتعددة الأبعاد؟

من هنا، عاد مفهوم “المرونة المجتمعية” ليحتل موقعًا أساسيًا في النقاشات الأمنية والاستراتيجية حول العالم. فدول مثل فنلندا والسويد، التي احتفظت بذاكرة تاريخية مرتبطة بالحروب والتهديد الروسي، لم تتخلَّ بالكامل عن ثقافة الاستعداد للأزمات.

في فنلندا مثلًا، لا يزال مفهوم “الدفاع الشامل” جُزءًا من الثقافة الوطنية، حيث تُحدََّثُ خطط الطوارئ باستمرار، وتُدرََّب المؤسسات والمجتمعات على التعامل مع الأزمات، ويُنظَرُ إلى الجاهزية باعتبارها عنصر ردع بحد ذاته.

أما أوكرانيا، فقد قدمت نموذجًا مختلفًا وأكثر قسوة. فمنذ بداية الحرب، لم يقتصر الصمود على الجيش، بل شمل المجتمع بأكمله. المدنيون شاركوا في شبكات الدعم والإغاثة والإنتاج التقني وحتى تطوير الطائرات المسيّرة، فيما تحولت التكنولوجيا والتماسك الاجتماعي إلى عناصر أساسية في مواجهة حرب طويلة.

هذه التجارب أعادت التأكيد على حقيقة غالبًا ما تغيب عن النقاش السياسي الحديث: المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الهجمات الخارجية، بل عندما تفقد قدرتها الداخلية على التكيف والثقة والتماسك.

المشكلة أنَّ أنظمة سياسية كثيرة أصبحت أسيرة الحسابات القصيرة المدى، حيث تُؤجَّل الاستثمارات في البنية التحتية والجاهزية المدنية والتعليم والتخطيط الاستراتيجي لأنها لا تحقق مكاسب سياسية سريعة.

لكن الأزمات الكبرى تُظهِرُ عادة أنَّ المجتمعات التي تبدو مستقرة في أوقات الرخاء قد تصبح شديدة الهشاشة عندما تتعرّض لضغطٍ مستمر.

والأخطر أنَّ التهديدات الحالية لم تعد منفصلة عن بعضها البعض. فالتغيُّر المناخي يزيد من الضغوط الاقتصادية والهجرة والصراعات على الموارد، فيما تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى صعود الشعبوية والتطرُّف، بينما تؤثر الحروب الإقليمية على الطاقة والتجارة والاستقرار المالي العالمي.

في هذا العالم المُتغيِّر، لم تعد المرونة المجتمعية ترفًا فكريًا، بل أصبحت جُزءًا من الأمن القومي للدول. فالمجتمع القادر على الصمود اقتصاديًا ونفسيًا ومؤسساتيًا أقل عرضة للابتزاز والانهيار والفوضى.

وربما تكمن المشكلة الأكبر اليوم في أنَّ العالم ما يزال يتصرّف وكأنَّ الاستقرار أمرٌ دائم، رُغمَ أنَّ المؤشّرات الجيوسياسية والاقتصادية تقول العكس.

فالتاريخ يعلّمنا أنَّ المجتمعات لا تسقط غالبًا بضربة واحدة، بل تتآكل تدريجًا عندما تفقد قدرتها على التكيُّف مع التحوّلات الكبرى.

ولهذا، فإنَّ السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: أيُّ المجتمعات أكثر قدرة على الصمود عندما يصبح الاضطراب هو القاعدة لا الاستثناء؟

وفي عالمٍ تتراجع فيه اليقينات السياسية والاقتصادية، قد لا يكون البقاء للأقوى عسكريًا فقط، بل للمجتمعات الأكثر تماسكًا وقدرة على حماية نفسها حين يبدأ كل شيء بالاهتزاز.

Exit mobile version