كابي طبراني*
في الظاهر، تبدو اللقاءات التي جمعت في الأسبوع الفائت الوفد اللبناني برئاسة السفير السابق سيمون كرم مع الوفد الإسرائيلي في واشنطن، برعاية مباشرة من الإدارة الأميركية، وكأنها خطوةٌ إضافية على طريق التهدئة وربما السلام. ثلاثُ جولاتٍ تفاوضية خلال أسابيع قليلة، ووساطة أميركية مكثّفة، وضغوطٌ دولية لاحتواء التصعيد على الحدود الجنوبية، كلها عناصر توحي بأنَّ المنطقة تقف أمام لحظةٍ سياسية جديدة.
لكن الحقيقة الأعمق أنَّ لبنان لا يفاوض اليوم على السلام فقط، بل يُفاوض على شيءٍ أكثر خطورة وتعقيدًا: مَن يملك حق تمثيل الدولة اللبنانية نفسها.
هذه هي العقدة الجوهرية التي تكاد تغيب عن معظم التحليلات المتداولة. فالقضية لم تَعُد مرتبطة فقط بسلاح “حزب الله”، أو بالحدود، أو بوقف إطلاق النار، بل أصبحت مرتبطة بسؤالٍ أكبر: هل ما زالت الدولة اللبنانية تمتلك قرارها السيادي فعلًا، أم أنَّ القرار بات موزَّعًا بين قوى الداخل ورعاة الخارج؟
من هنا تحديدًا يمكن فهم التوتر الحقيقي المحيط بالمفاوضات الجارية.
فالولايات المتحدة لا تدفع باتجاه التفاوض فقط من أجل حماية الحدود الشمالية لإسرائيل، بل لأنها ترى أنَّ اللحظة الحالية قد تسمح بإعادة تشكيل لبنان سياسيًا وأمنيًا ضمن منظومةٍ إقليمية جديدة. أما إسرائيل، فهي لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مسارًا نحو تسوية تاريخية، بل كوسيلةٍ لتكريس وقائع ميدانية وسياسية تجعل أي تهديد مستقبلي من الجنوب اللبناني أكثر صعوبة.
وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية نفسها وكأنها تدخل المفاوضات وهي تعاني أزمة تعريف داخلي: مَن يتّخذ القرار؟ ومَن يمتلك حق الحرب والسلم؟ ومَن يفاوض باسم لبنان الحقيقي؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها لبّ الأزمة اللبنانية منذ عقود.
في السابق، كانت الدول العربية تدخل الحروب أو التسويات انطلاقًا من مركزية الدولة. مصر فاوضت لاستعادة سيناء. الأردن فاوض لحماية استقراره وحدوده. حتى الفلسطينيون يفاوضون من أجل الاعتراف بدولتهم. أما لبنان، فيدخل التفاوض فيما الدولة نفسها ما تزال موضع نزاع داخلي وإقليمي.
ولهذا السبب تبدو الصورة اللبنانية شديدة الهشاشة. فكلُّ خطوةٍ تقوم بها السلطة اللبنانية لإثبات أنها “شريكٌ موثوق” للغرب، تكشف في الوقت نفسه حجم محدودية قدرتها الفعلية على فرض قراراتها داخليًا. وكلُّ محاولةٍ لتقديم نفسها كمرجعية سيادية تصطدم بحقيقة أنَّ عناصر القوة الأساسية في البلد مُوَزَّعة بين أطرافٍ متعددة: “حزب الله” يمتلك فائض القوة العسكرية، واشنطن تمتلك النفوذ الديبلوماسي والمالي، إيران تمسك بخيوط التوازن الإقليمي، فيما تتحكّم إسرائيل بإيقاعِ التصعيد العسكري.
والنتيجة أنَّ لبنان يتحوّل تدريجًا إلى ما يشبه “الدولة المُستأجَرة سياسيًا”، حيث تتوزّع السيادة عمليًا بين أكثر من مركز قرار.
هذه الظاهرة ربما تكون الأخطر في المشهد اللبناني الراهن.
فالدول لا تنهار فقط عندما تُحتَلُّ عسكريًا، بل قد تنهار أيضًا عندما تصبح قراراتها الكبرى بحاجة دائمة إلى موافقات وضمانات خارجية. وعندما تفقد الطبقة السياسية قدرتها على إنتاج توازن داخلي مستقل، تتحوّل الدولة إلى مجرد مساحة لإدارة الصراعات الإقليمية لا أكثر.
ما يجري اليوم يحمل ملامح هذا التحوُّل بوضوح.
فالولايات المتحدة تضغط من أجل إدخال لبنان في مسارٍ تفاوضي طويل، يربط التهدئة بإعادة ترتيب الوضع الأمني الداخلي، وعلى رأسه مسألة سلاح “حزب الله”. وإسرائيل تواصل سياسة الضغط العسكري المتدرِّج لفرض وقائع جديدة في الجنوب. أما السلطة اللبنانية، فتجد نفسها بين نارين: إذا رفضت التفاوض تتعرّض لضغوطٍ دولية واتهاماتٍ بتعطيل الاستقرار، وإذا قبلت التفاوض من دون إجماعٍ داخلي فإنها تُخاطر بتفجير الانقسام اللبناني مجدّدًا.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.
فالمفاوضات الحالية قد لا تُنتِجُ سلامًا بقدر ما قد تنتج إعادة تعريف للبنان نفسه. إذ إنَّ الصراع الحقيقي لم يعد فقط بين لبنان وإسرائيل، بل بين مشروعَين داخل لبنان: مشروعٌ يريد إعادة بناء الدولة كمركزٍ وحيد للقرار، ومشروعٌ يرى أنَّ ميزان القوى الإقليمي هو الضمانة الوحيدة لحماية لبنان.
واللافت أنَّ الطرفين يبدوان عاجزَين عن الحسم. فـ”حزب الله” يدرك أنَّ القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإدارة دولة منهارة اقتصاديًا ومفكَّكة مؤسساتيًا. وخصوم الحزب يدركون بدورهم أنَّ أيَّ محاولة لعزل الحزب أو نزعه بالقوة قد تدفع البلد نحو انفجارٍ داخلي خطير. لهذا تبدو المرحلة الحالية وكأنها مرحلة “إدارة عجزٍ جماعي” أكثر منها مرحلة صناعة حلول نهائية.
وربما هنا تكمن الفرصة الوحيدة المتاحة للبنان.
فبعد عقود من محاولات الغلبة المتبادلة، قد يكون الإنهاك العام الذي أصاب الجميع مدخلًا لإنتاجِ صيغة جديدة، لا تقوم على انتصار فريق على آخر، بل على اعترافٍ مُتبادَل باستحالة إلغاء أيِّ مكوّنٍ لبناني.
غير أنَّ الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج أولًا إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، لا بوصفها مجرّد واجهة ديبلوماسية، بل كمرجعية سيادية فعلية قادرة على اتخاذ القرار باسم اللبنانيين جميعًا.
أما إذا استمرّت البلاد في إدارة أزماتها عبر الرعايات الخارجية وحدها، فإنَّ أيَّ اتفاقٍ مُقبِل، مهما بدا كبيرًا أو تاريخيًا، سيظلُّ هشًا ومؤقتًا.
ذلك أنَّ أخطر ما يُمكنُ أن يُصيبَ أيُّ دولة ليس الحرب فقط، بل أن تعتادَ العيش من دون سيادة كاملة… إلى درجة تنسى معها كيف تُمارَس السيادة أصلًا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
