الخليج بعد النفط: حربُ الماء

كابي طبراني*

إذا توقفت محطات تحلية المياه في الخليج لبضعة أيام فقط، فقد تصبح بعض أغنى مدن العالم غير قابلة للحياة. هذه ليست فرضية خيالية أو سيناريو بيئيًا بعيدًا، بل معادلة استراتيجية بدأت تفرض نفسها تدريجًا على منطقة طالما اعتقدت أن ثروتها النفطية قادرة على تعويض هشاشتها الطبيعية.

فعلى مدى عقود، ارتبط أمن الخليج بالنفط: بخطوط الأنابيب، والمضائق البحرية، وأسواق الطاقة، والتحالفات العسكرية التي تحمي تدفق الخام إلى العالم. لكن التحوّل الأهم الذي تواجهه المنطقة اليوم قد لا يتعلق بالنفط بقدر ما يتعلق بالماء.

ففي الخليج، لم تعد أزمة المياه قضية بيئية أو تنموية هامشية، بل أصبحت مسألة أمن قومي واستقرار اقتصادي. ومع تسارع التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، واستنزاف المياه الجوفية، وتزايد هشاشة البنية التحتية الحيوية، تبدو المنطقة وكأنها تدخل عصرًا جديدًا يصبح فيه الأمن المائي أكثر حساسية من الأمن النفطي نفسه.

المفارقة أنَّ دول الخليج استخدمت لعقود ثروتها النفطية للتغلب على فقرها الطبيعي في المياه. فمع غياب الأنهار والموارد المتجددة الكافية، بنت واحدة من أكبر شبكات تحلية المياه في العالم، وربطت استقرارها الحضري والاقتصادي بقدرتها على تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للحياة. واليوم، تعتمد دول مثل الكويت وقطر والإمارات بصورة شبه كاملة على التحلية لتأمين مياه الشرب والصناعة والخدمات.

لكن ما بدا طويلًا إنجازًا تكنولوجيًا تحول تدريجًا إلى نقطة ضعف استراتيجية.

فمحطات التحلية لم تعد مجرّد منشآت خدمية، بل أصبحت جُزءًا من البنية التحتية السيادية الحساسة، لا يقل استهدافها خطورة عن استهداف المنشآت النفطية أو الموانئ أو المطارات. وقد كشفت التوترات الإقليمية الأخيرة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر، مدى هشاشة البنية التحتية المدنية أمام الحروب الحديثة. كما إنَّ تعطيل محطة تحلية رئيسة واحدة قد يحرم مدنًا كاملة من المياه خلال فترة قصيرة، خصوصًا في الدول التي تعتمد على عدد محدود من المحطات الكبرى.

ولا تقتصر التهديدات على الصواريخ والطائرات المسيّرة. فالهجمات السيبرانية باتت تمثل خطرًا متزايدًا على شبكات المياه والطاقة في المنطقة، في ظل اعتماد متزايد على الأنظمة الرقمية لتشغيل البنية التحتية الحيوية. وهذا يعني أنَّ “حرب الماء” المقبلة قد تبدأ بهجوم إلكتروني بقدر ما قد تبدأ بضربة عسكرية تقليدية.

وفي كلِّ الأحوال، فإنَّ كلفة إنتاج المياه نفسها مرشحة للارتفاع. فالتحلية عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، ومع اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف التشغيل، ستواجه دول الخليج أعباء متزايدة للحفاظ على أمنها المائي، في وقتٍ لا تملك بدائل واقعية واسعة النطاق.

لكن هشاشة البنية التحتية ليست سوى جزء من الأزمة. فحتى في أوقات الاستقرار، تواجه المنطقة واحدة من أسوَإِ أزمات الشحّ المائي في العالم. فالتغيُّر المناخي يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار وزيادة تقلبات الطقس، فيما تواصل الحكومات استنزاف المياه الجوفية بوتيرة تفوق بكثير قدرة الطبيعة على تعويضها.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أنَّ شحَّ المياه، المدفوع بالتغيُّر المناخي، قد يكلّف اقتصادات الشرق الأوسط ما بين 6 و14 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050. والمشكلة أنَّ جُزءًا كبيرًا من الضرر أصبح بنيويًا؛ فالمياه الجوفية التي استُنزفت على مدى عقود تحتاج إلى فترات طويلة جدًا للتجدُّد، إن كانت قابلة للتجدُّد أصلًا.

وتبدو إيران اليوم نموذجًا مبكرًا لما قد تواجهه المنطقة إذا استمرّت الاتجاهات الحالية. فالجفاف الحاد، وتراجع مستويات الخزانات، وسوء إدارة الموارد المائية، دفعت مدنًا إيرانية كبرى إلى حافة أزمة حقيقية في إمدادات المياه. وقد وصل الأمر بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى طرح فكرة نقل العاصمة بعيدًا من طهران بسبب تفاقم أزمة المياه. وإلى جانب التغيُّر المناخي، ساهمت سياسات زراعية غير مستدامة، واستنزاف المياه الجوفية، وبناء السدود بصورة مفرطة، في تعميق الأزمة، بما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

ولا تتوقف تداعيات الانهيار البيئي عند الحدود الوطنية. فالعواصف الغبارية، والتصحّر، وتراجع الإنتاج الزراعي، والهجرة الناتجة من شح المياه، باتت كلها عوامل عابرة للحدود تؤثر في الاستقرار الإقليمي بأكمله. وهذا ما يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط عمومًا والخليج خصوصًا.

فالردع العسكري وحده لم يعد كافيًا لمواجهة التهديدات الجديدة. إذ لا يمكن للطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الصاروخي معالجة أزمة المياه الجوفية أو وقف التصحّر أو خفض درجات الحرارة. كما إنَّ الثروة المالية، رغم أهميتها، قد تؤخر آثار الأزمة لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا أو المناخ.

ومن هنا، يبرز التعاون الإقليمي في إدارة المياه بوصفه ضرورة استراتيجية أكثر منه خيارًا سياسيًا. فدول المنطقة تواجه تحديات متشابهة: الاعتماد المفرط على التحلية، واستنزاف المياه الجوفية، والتعرُّض المتزايد للحر الشديد والجفاف. وهذا يفتح الباب أمام تعاون محتمل في مجالات تطوير تقنيات تحلية أقل كلفة، وتحسين إدارة المياه المشتركة، وتنسيق السياسات البيئية والمناخية.

قد تبدو هذه الفكرة طموحة في منطقة مثقلة بالصراعات والانقسامات، لكن البديل قد يكون أكثر خطورة. فالمياه مرشحة لأن تصبح أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، وربما أكثر تأثيرًا من النفط نفسه.

لقد كان النفط لعقود عنوان القوة الخليجية. أما في العقود المقبلة، فقد يصبح الماء عنوان بقائها.

Exit mobile version