الإمارات تُعيدُ رَسمَ خرائط المال العالمي

كابي طبراني*

في الشرق الأوسط الجديد، لم تَعُد الحروب تُعيدُ رَسمَ خرائط النفوذ العسكري والسياسي فقط، بل خرائط المال أيضًا. فالتوتّرات الجيوسياسية المتسارعة، من الحرب المُرتبطة بإيران إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، تدفعُ الدول والشركات إلى إعادة التفكير جذريًا في الطريقة التي تنتقل بها الأموال عبر الحدود. وفي قلب هذا التحوُّل، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها أحد أكثر اللاعبين طموحًا في بناءِ بُنيةٍ تحتية مالية رقمية قد تُعيدُ تشكيل مستقبل المدفوعات والتجارة الدولية.

ولسنوات طويلة، بقيت العملات المُستقرّة (Stablecoins) تُعامَلُ كأدواتٍ مرتبطة بعالم العملات المشفّرة والمضاربات الرقمية، مُحاطة بالشكوك التنظيمية والانهيارات الدورية. لكن ما يحدث اليوم في الخليج، وخصوصًا في الإمارات، يكشف تحوُّلًا نوعيًا: الانتقال من “العملات الرقمية كأصلٍ مضاربي” إلى “العملات الرقمية كبنية تحتية سيادية”.

هذا التحوُّل لم يعد نظريًا. فوفقًا لتقارير حديثة، دفعت الحرب والتوتّرات الإقليمية شركات إماراتية ومؤسّسات مالية إلى تسريع استخدام العملات المستقرّة في عمليات التسوية التجارية العابرة للحدود، بهدف تقليص زمن التحويلات، وتخفيف مخاطر السيولة المحتجزة، وتقليل الاعتماد على شبكات التسوية المصرفية التقليدية.

لكن أهمية هذه التطوّرات لا تكمن فقط في الجانب التقني أو المالي، بل في دلالاتها الاستراتيجية الأوسع.

فالأنظمة المالية التقليدية التي حكمت التجارة العالمية لعقود بُنيت على شبكةٍ معقّدة من البنوك المُراسِلة، وأنظمة المقاصّة، والبنى التنظيمية المرتبطة إلى حدٍّ كبير بالنفوذ الغربي والدولار الأميركي. غير أنَّ عالمَ ما بعد الجائحة، والحروب، والعقوبات الاقتصادية، والانقسامات الجيوسياسية، بدأ يدفع العديد من الدول إلى البحث عن قنواتٍ مالية أكثر مرونة وأقلّ تعرُّضًا للاهتزازات السياسية.

وهنا تحديدًا تُحاولُ الإمارات اقتناصَ الفرصة.

فالدولة التي نجحت خلال العقود الماضية في ترسيخ موقعها كمركز عالمي للطيران والخدمات اللوجستية والتجارة، تسعى اليوم إلى لعب دور مماثل في الاقتصاد الرقمي العالمي، عبر التحوُّل إلى مركزٍ للبنية التحتية المالية الرقمية في الشرق الأوسط.

ولذلك، لم تكتفِ الإمارات بتشجيع الابتكار المالي، بل اختارت بناء إطارٍ تنظيمي واضح وصارم للعملات المستقرّة. فقد وضع المصرف المركزي الإماراتي نظامًا خاصًا لما يُعرَف بـ”رموز الدفع” الرقمية، مع إخضاع العملات المستقرّة المُقَوَّمة بالدرهم لرقابة مباشرة، فيما جرى تقييد استخدام العملات المستقرة الأجنبية داخل السوق المحلية.

هذا التنظيم المبكر يمنح الإمارات أفضلية مهمّة مُقارنةً بأسواقٍ كثيرة ما زالت تتعامل مع العملات الرقمية بحذر أو ارتباك تشريعي.

وفي هذا السياق، شكّل إطلاق “AE Coin”، أول عملة مستقرّة منظَّمة في الدولة، أواخر عام 2024 محطّة مفصلية في هذا المسار. كما تعمل مؤسسات مالية كبرى مثل بنك أبوظبي الأول، وبنك زاند، وبنك المارية المحلي على تطوير أو إطلاق عملات مستقرّة مرتبطة بالدرهم الإماراتي، ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة التجريب إلى مرحلة التبنّي المؤسساتي الواسع.

لكن الرهان الحقيقي لا يتعلّق بإطلاق عملات رقمية جديدة بحد ذاته، بل بإعادة هندسة آليات التجارة والتحويلات المالية العالمية.

فالتحويلات العابرة للحدود ما زالت بطيئة ومُكلفة ومعقّدة. أما العملات المستقرّة، فتتيح تنفيذ التسويات بشكلٍ شبه فوري، مع إمكان استخدام “العقود الذكية” لتفعيل المدفوعات تلقائيًا بمجرّد تحقق شروط الصفقة التجارية. وهذا ما يفسّر الحماسة المتزايدة لدى الشركات العاملة في التجارة والاستيراد والتصدير.

الإمارات تُدرِكُ أنَّ السيطرة على “مسارات المال الرقمي” قد تصبح مستقبلًا بأهمية السيطرة على الموانئ والممرّات البحرية.

ومن هنا، تتوسع المبادرات الإماراتية في بناء “ممرات رقمية للتجارة” تربط الإمارات بالهند والصين والأسواق الأفريقية، حيث بدأت شركات عدة اختبار حلول دفع قائمة على العملات المستقرّة في عمليات تجارية فعلية.

وفي العمق، تعكس هذه التوجّهات تحوّلات أكبر في بنية الاقتصاد العالمي. فالعالم يتجه تدريجًا نحو تعدُّديةٍ مالية أوسع، حيث تسعى قوى إقليمية متزايدة إلى تخفيف اعتمادها الكامل على الأنظمة المالية التقليدية المتمركزة في الغرب.

صحيح أنّ العملات المستقرّة المرتبطة بالدولار قد تبدو امتدادًا غير مباشر للهيمنة الأميركية، لكن انتشار عملات مستقرّة محلية منظَّمة –مثل العملات المرتبطة بالدرهم– قد يفتح الباب مستقبلًا أمام شبكات تسوية إقليمية أكثر استقلالية ومرونة.

وهذا ما يمنح المشروع الإماراتي بُعدًا جيوسياسيًا يتجاوز التكنولوجيا المالية.

فالإمارات تطرح نفسها عمليًا كـ”جسرٍٍ مالي محايد” بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأفريقيا وأوروبا، في وقتٍ تتصاعد الانقسامات بين القوى الكبرى. وفي عالمٍ تزداد فيه حساسية العقوبات، والقيود المالية، والتنافس على النفوذ الاقتصادي، تصبح البنية التحتية المالية أداة قوة جيوسياسية بامتياز.

لكن رُغمَ هذا الزخم، لا تزال التحديات كبيرة.

فالعملات المستقرّة ليست خالية من المخاطر. فقد شكّل انهيار عملة “TerraUSD” عام 2022 صدمة عنيفة للأسواق بعدما فقدت ارتباطها بالدولار وتسببت بخسائر هائلة. كما حذّر بنك التسويات الدولية من ضعف الشفافية لدى بعض العملات المستقرّة وعدم قدرتها الدائمة على الحفاظ على قيمة الربط مع العملات الأساسية.

لهذا السبب، يبدو التنظيم الصارم العامل الحاسم في نجاح التجربة الإماراتية أو فشلها.

فالإمارات تحاول تقديم نموذج مختلف يقوم على دمج الابتكار المالي مع الحوكمة والامتثال والرقابة، وهو ما قد يمنحها أفضلية تنافسية عالمية إذا نجحت في الحفاظ على الثقة والاستقرار.

وفي المحصّلة، لم تعد العملات المستقرّة مجرّد ظاهرة تخصُّ عالم “الكريبتو”، بل أصبحت جُزءًا من معركةٍ أوسع تتعلق بمستقبل التجارة الدولية والنفوذ المالي العالمي.

فالمعركة المقبلة قد لا تكون فقط على النفط أو خطوط الملاحة البحرية، بل على مَن يملك مفاتيح حركة الأموال الرقمية في العالم. وفي هذه المعركة تحديدًا، تبدو الإمارات العربية المتحدة عازمة على أن تكونَ لاعبًا رئيسًا لا مجرّد متفرِّج.

Exit mobile version