رُغم أكثر من قرنٍ من التشكيك في شرعية حدود الشرق الأوسط، تُظهِرُ الوقائع أنَّ الخرائط صمدت أكثر مما توقّع كثيرون. فالمنطقة التي وُصِفَت بأنها قابلة للتفكُّك، اختارت مرارًا البقاء ضمن دولها، ولو بصِيَغٍ هشّة.
مايكل يونغ*
من مُفارقات الشرق الأوسط أنَّ الخطابَ القومي العربي لطالما قدَّمَ حدودَ دوله بوصفها نتاجًا تعسُّفيًا لرسمٍ استعماري على خرائط بعيدة، وحدودًا قابلة للكسر عند أوَّلِ اختبارٍ جدّي. لكنَّ التجربةَ التاريخية أظهرت شيئًا مختلفًا: فهذه الحدودُ التي وُصِفَت يومًا بالمُصطَنعة أثبتت، في كثيرٍ من الحالات، قدرًا لافتًا من الصلابة. دولٌ وُلِدَت وسط شكوكٍ حول قابليتها للحياة بقيت مُتماسِكة جغرافيًا، حتى وهي تعبرُ حروبًا أهلية، وانقلابات، واهتزازاتٍ إقليمية عميقة.
المنطقةُ مليئةٌ بحالاتٍ كان التفكُّكُ فيها يبدو سيناريو منطقيًا، بل وشيكًا، في ذروة الصراع، ثم لم يحدث. ولعلَّ التجربةَ اللبنانية مثالٌ صارخٌ على ذلك. خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة، لم تكن توقُّعات التقسيم مجرَّدَ تحليلاتٍ هامشية، بل سردية شبه يومية في دوائر السياسة والإعلام. كان لبنان يُقدَّمُ كنموذجٍ للدولة التي استنفدت مقوّمات بقائها. ومع ذلك، وبعد توقُّف القتال، ورُغمَ أنَّ الميليشيات الطائفية كانت قد رسّخت مناطقَ نفوذٍ واضحة على الأرض، عاد الكيان اللبناني ليتوحَّد رسميًا تحت سلطةِ دولةٍ واحدة.
المُفارقة أنَّ لبنان لم يخرج من الحرب دولةً فيدرالية أو مُقَسَّمة، بل دولة مركزية، وربما—كما يرى بعض المراقبين—أكثر مركزية مما يسمح به تنوّعه الداخلي وتشابكاته الإقليمية. هذه المفارقة تطرح سؤالًا أعمق من مجرد بقاء الحدود: لماذا يصمُدُ بعضُ الدول في المنطقة كوحداتٍ جغرافية حتى عندما يتصدّع اجتماعيًا وسياسيًا؟ وهل صلابةُ الخرائط تعكس فعلًا صلابة الدول، أم أنها تخفي هشاشةً مؤجَّلة الظهور؟
الحالة السورية
وبالمنطق نفسه، تبدو الحالة السورية امتدادًا لهذه المفارقة الإقليمية. فحين انفجرت الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد وتحوّلت إلى صراعٍ مفتوح، بدت سوريا لسنوات وكأنها خارطةٌ تتفكّكُ أمامَ أعيُنِ العالم. خسرت دمشق السيطرة على مساحاتٍ واسعة من الأطراف والمناطق الحدودية، وظهرت خطوطُ تماسٍ طويلة بين قوى محلية وإقليمية ودولية. ومع ذلك، ورُغمَ هذا التمزّق العميق، لم يترسّخ فعليًا تصوُّرُ قيام دول مستقلة دائمة على أنقاض الدولة السورية، بقدر ما كان الحديث يدورُ عن مناطق نفوذ مؤقتة بانتظار تسويةٍ ما.
في المرحلة الأحدث، حاولت الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع إعادةَ تجميعِ مؤسّسات الدولة وإعادة مدِّ نفوذها الإداري والأمني. وقد تحقّقَ بعضُ التقدُّم، خصوصًا في استعادة أو إعادة دمج مناطق كانت تتمتع بأشكالٍ من الحكم الذاتي تحت قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). ورُغمَ أنَّ الواقعَ على الأرض لا يزالُ مُعَقّدًا، فإنَّ الاتجاهَ العام يَعكِسُ مَيلًا نحو إعادةِ تركيبِ الدولة بدل إعلان بدائل منها.
الصورة في اليمن لا تقلُّ دلالة. فالأجندة الانفصالية التي يتبنّاها المجلس الانتقالي الجنوبي، والداعية إلى استعادة دولة جنوب اليمن، تصطدمُ برفضِ الحكومة المُعتَرَف بها دوليًا وبحساباتِ دول الجوار. والمُفارقة أنَّ اليمن نفسه كان دولتين حتى العام 1990 قبل أن يتوحّد، فضلًا عن أنَّ الحوثيين يسيطرون اليوم على أجزاءٍ واسعة من الشمال. ورُغم كل ذلك، لا يزال الإطار الدولي والإقليمي يتعامل مع اليمن كوحدة دولة واحدة، حتى لو كانت مُنقَسِمة السلطة.
اللافت أنَّ خطابَ التقسيم والانفصال يحضر بقوة في بعض الأدبيات والتحليلات الغربية والإسرائيلية حول المنطقة. ففي دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك في إسرائيل، يسودُ أحيانًا افتراضٌ ضمني بأنَّ التفكُّكَ في الدول العربية مسارٌ “طبيعي”، وأنَّ الوحدةَ حالةٌ استثنائية أو هشّة بطبيعتها. لكنَّ الوقائع الميدانية خلال العقود الماضية تُشيرُ إلى صورةٍ أكثر تعقيدًا: أنَّ الدول قد تضعف، وقد تفقد السيطرة، وقد تنقسم سلطويًا، لكنها نادرًا ما تتخلّى بسهولة عن شكلها الجغرافي أو اعترافها القانوني كوحدات موحَّدة.
وهنا تتبلور مفارقة أخرى: ربما تكون الدولة في الشرق الأوسط أضعف مؤسّسيًا مما تبدو عليه، لكنها في الوقت نفسه أصلب جغرافيًا مما يتوقعه كثيرون. هذه الازدواجية بين هشاشة الداخل وصلابة الإطار الخارجي هي ما يجعل الحديث عن “شرق أوسط مُعاد رسمه” أقل واقعية بكثير مما توحي به الخرائط النظرية.
تستند كثير من هذه القراءات إلى نوع من “الجوهرانية” في تفسير المجتمعات العربية، حيث يُفتَرَضُ أنَّ الطائفة أو القبيلة أو الإثنية هي المحرّك الأول للسلوك السياسي، وأنها تتقدّم تلقائيًا على أيِّ هويةٍ وطنية أو مدنية أوسع. في بعض التحليلات الغربية والإسرائيلية، يُبالَغ في وزن هذه الانتماءات الأوّلية، كأنها قدرٌ ثابت لا يتغيَّر، بينما تُهمَّش الهويات الجامعة التي تتكوّن عبر الدولة، والاقتصاد، والتعليم، والخبرة المشتركة في العيش ضمن إطارٍ وطني واحد.
غير أنَّ الواقع الاجتماعي أكثر تركيبًا. الأفرادُ في المنطقة لا يحملون هويةً واحدة صلبة، بل طبقات من الانتماء تتعايش في الشخص نفسه. قد يكون المرء ابن طائفة أو عشيرة، ومواطنًا في دولة، ومنتميًا إلى فضاءٍ قومي أو ثقافي أوسع في آنٍ معًا. الذي يَتغيَّرُ ليس الهوية بحدِّ ذاتها، بل أيّها يتقدّم في لحظةٍ معينة. فالسياسة، والاقتصاد، والخوف، والحرب، كلها عوامل تُنشّط هوية على حساب أخرى.
الحالة السورية قبل 2011 تقدّمُ مثالًا دالًا. في سوريا، كان كثيرون من المواطنين واعين لانتماءاتهم الطائفية، لكنهم غالبًا ما تجنّبوا إبرازها في المجال العام، لأنها لم تَكُن مُنسَجِمة مع الخطاب القومي العربي الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولا مع القومية السورية التي روّج لها نظام بشار الأسد. في الوقت نفسه، لم يكن ذلك مانعًا من وجود شعور قومي عربي أو وطني سوري حقيقي لدى شرائح واسعة من المجتمع. غير أنَّ اندلاعَ الحرب عام 2011، وطبيعة الصراع، وتموضع النظام كسلطةٍ تُنسَبُ إلى أقلية، وردود الفعل ذات الطابع الطائفي، كلها عوامل دفعت بالهويات الكامنة إلى الواجهة، ووَسَّعت الشروخ الاجتماعية.
هذا التعدّد في الهويات يفسّر، على نحوٍ متناقض، لماذا تنتصر الوحدة في أحيان كثيرة رُغمَ كلِّ مؤشّرات الانقسام. فالدولة، على علّاتها، تبقى إطارًا قادرًا على استيعاب التنوُّع وإدارته. هي التي تنظّم الاقتصاد، وتوفّر الخدمات، وتخلق مساحة مشتركة للمصالح. وعندما يشعر المواطنون بأنَّ حياتهم المادية—العمل، الدخل، التعليم، الأمان—مرتبطة ببقاء هذا الإطار، تتراجع الهويات الضيّقة نسبيًا أمام اعتبارات الاستقرار والعيش.
لهذا السبب، كثيرًا ما تتردّد المجتمعات المتعدّدة في الذهاب بعيدًا في مشاريع الانقسام. فالتجربة العالمية تُظهرُ أنَّ الدول الجديدة لا تأتي تلقائيًا بازدهار أو استقرار، وأنَّ الكيانات الصغيرة قد ترث الأزمات بدل أن تتخلّص منها. المُقارنة بين المجهول والصعوبات القائمة تدفع قطاعات واسعة إلى تفضيل إصلاح الدولة على المغامرة بتفكيكها.
الحالة اللبنانية
ينطبق هذا الجدل بوضوح على لبنان، الذي يُقدَّمُ كثيرًا في الخطاب السياسي والإعلامي كنموذجٍ جاهزٍ للتقسيم الطائفي. بعض الداعين إلى صيغ مثل الفيدرالية أو الكونفيدرالية يطرحها بوصفها حلولًا تقنية لإدارة التنوّع. لكن في جُزءٍ من هذا الخطاب، لا يكون الهدف تحسين الإدارة بقدر ما يكون إعادة رسم الحدود بين الجماعات. أي أنَّ اللغة تكون مرنة، بينما الطموح الحقيقي أقرب إلى فصل الكيانات الطائفية عن بعضها.
ومع ذلك، يُظهِرُ التاريخ اللبناني نفسه أنَّ المجتمع، رُغمَ انقساماته الحادة، أعاد إنتاج صيغة العيش المشترك مرارًا، ليس بدافع المثالية، بل بدافع إدراكٍ عميق لتشابك المصالح. فالاقتصاد، والهجرة، والمدينة، والأسواق، والعلاقات الاجتماعية العابرة للطوائف، كلها خلقت شبكة يصعب تفكيكها من دون كلفة باهظة على الجميع. وهنا تحديدًا تكمن مفارقة لبنان والمنطقة عمومًا: الهويات الفرعية قوية وحاضرة، لكنها لا تلغي بالضرورة الحاجة إلى إطارٍ جامع، بل تتعايش معه في توازُنٍ هشّ، يتقدّمُ ويتراجع مع الظروف.
ومع ذلك، فإنَّ كثيرين من اللبنانيين، حتى أولئك الذين يتمسّكون بانتماءاتهم الطائفية اجتماعيًا أو ثقافيًا، لا يرون في مشاريع الفصل الطائفي جاذبية حقيقية. السبب في ذلك ليس مثاليًا بقدر ما هو عملي. فالحياةُ في كياناتٍ طائفية ضيّقة لا تَعِدُ بالكثير اقتصاديًا أو اجتماعيًا. الأسواقُ الصغيرة محدودة، وفُرَصُ العمل أقل، والقدرةُ على جذبِ استثمارات أو بناء بُنى تحتية مُستدامة تبقى ضعيفة. مثل هذه الكيانات لن تُوقِفَ نزيف الهجرة، ولن تُقدِّمَ للشباب أفقًا أوسع من ذاك الذي يحاولون أصلًا مغادرته. في عالمٍ مُنفتح ومُترابط، يصعبُ إقناعُ جيلٍ جديد بأنَّ مستقبله يكمن في جغرافيا مُغلقة على لونٍ واحد.
من زاويةٍ أخرى، لا يقتصر رفض التفكُّك على الداخل فقط. فالقوى المؤثّرة في العالم العربي نفسها لا تنظرُ بعين الارتياح إلى سيناريوهات تقسيم الدول، لأنها تُدرِكُ أنَّ منطقَ الانفصال قابلٌ للعدوى. أيُّ سابقةٍ ناجحة قد تفتحُ البابَ أمام مطالب مُشابهة داخل حدودها. لذلك لعبت العوامل الخارجية تاريخيًا دورًا مهمًا في الحفاظ على الأُطُرِ القائمة للدول، حتى عندما كانت هذه الدول ضعيفة أو مُنقسِمة داخليًا.
في الحالة السورية، مثلًا، تداخلت حساباتُ قوى إقليمية كبرى مع مسار الصراع. فقد وجدت تركيا والسعودية، كلٌ لأسبابه، مصلحة في بقاء سوريا دولة مُوَحَّدة اسميًا على الأقل، بدل فتح الباب أمامَ كياناتٍ جديدة غير مُستَقرّة. كما إنَّ أيَّ ترتيباتٍ ميدانية أو سياسية كبرى ظلّت بحاجة إلى تفاهُماتٍ مع الولايات المتحدة، التي تميلُ تقليديًا إلى إدارة الأزمات ضمن حدود الدول القائمة بدل إعادة رسم الخرائط، لما يحمله ذلك من تداعياتٍ غير محسوبة.
التجربة اللبنانية نفسها تحمل دلالة مشابهة. خلال الحرب الأهلية، ورُغمَ أنَّ نظام حافظ الأسد تدخّل بعُمقٍ في الشأنِ اللبناني وأسهَمَ في إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، فإنه لم يدفع نحو تقسيمٍ رسمي للبلاد. لم يكن ذلك بدافع الحرص على لبنان بقدر ما كان نابعًا من إدراكه بأنَّ إضفاء الشرعية على التقسيم قد يرتدّ على دولٍ أخرى في المنطقة، بما فيها سوريا ذاتها، حيث التنوُّع الاجتماعي والإثني حاضرٌ أيضًا.
الأمر ذاته ظهر خلال سنوات الصراع السوري بعد 2011. صحيح أنَّ مناطق حدودية استُخدِمَت من قِبل قوى خارجية ونشأت فيها إدارات محلية أو ترتيبات أمنية خاصة، لكن لم تتبلور إرادةٌ دولية حقيقية لتغيير الحدود السورية بشكلٍ دائم. فإعادةُ رَسمِ الخرائط تخلق سوابق خطرة، وقد تدفع منافسين إقليميين إلى المُطالبة بإعادة النظر في خرائط أخرى، ما يُهدّدُ مصالحَ الجميع.
وحدة الدول العربية والعنصر الأعمق
في المحصّلة، تقومُ وحدة كثير من الدول العربية على عنصرٍ أعمق من مجرّدِ القوة أو الخطاب الوطني: إنها تقوم على نوعٍ من الاطمئنان إلى الوَضِع القائم. فالبديل ليس بالضرورة أفضل، بل غالبًا أكثر غموضًا. التغييرُ الجذري في المنطقة نادرًا ما يكون تدريجيًا أو محسوبًا؛ غالبًا ما يأتي على شكلِ صدماتٍ كبرى تُوَلِّدُ عدمَ يقينٍ اقتصادي وأمني طويل الأمد.
هذا المنطق لا يَحكُمُ النُخَب فقط، بل المجتمعات أيضًا. فالفئاتُ الاجتماعية الواسعة، حتى حين تتذمّرُ من الدولة أو تُعارِضُ سياساتها، تميلُ إلى الحذر من القفز في المجهول. لذلك تُظهِرُ تجاربُ المنطقة أنَّ الرغبةَ في الإصلاح كثيرًا ما تتقدّم على الرغبة في التفكيك، وأنَّ الحفاظَ على الإطار القائم—مع تعديله—يبدو لكثيرين أقل كلفة من هدمه بالكامل.
وهنا تتكرّرُ مفارقة الشرق الأوسط مرة أخرى: دولٌ قد تكونُ هشّة من الداخل، لكنها مُتماسِكة ككيانات. ليست الوحدة دائمًا دليل قوة، لكنها أيضًا ليست وهمًا سهل الكسر. إنها، في كثير من الأحيان، خيارٌ براغماتي تتقاطع عنده مصالح الداخل والخارج معًا.
وبينما تمرُّ المنطقة اليوم بمحطّةٍ رمزية مع مرورِ قرنٍ تقريبًا على اتفاقية سايكس–بيكو، التي ارتبط اسمها طويلًا بسردية “تفتيت الأمة” ورسم خرائط على مقاس المصالح الاستعمارية، تبدو المفارقة أوضح من أيِّ وقتٍ مضى. فالحدود التي وُصِفَت لعقود بأنها مُصطَنعة ومؤقتة أثبتت، عمليًا، قدرةً لافتة على البقاء. لا لأنّها مثالية أو عادلة بالضرورة، بل لأنَّ البدائل المطروحة منها كانت في معظم الأحيان أكثر كلفةً وخطورة.
لقد تعرّضت دولُ المنطقة لهزّاتٍ عنيفة: حروبٌ أهلية، تدخّلات خارجية، انهيارات اقتصادية، وصعودُ هويات ما دون الدولة. ومع ذلك، نادرًا ما تُرجِمَت هذه العواصف إلى تغييرات رسمية دائمة في الخرائط. “خطوطُ الرمل” التي رسمها ديبلوماسيون أوروبيون قبل قرن لم تُمحَ بسهولة، ليس فقط بفعل التوازنات الدولية، بل أيضًا لأنَّ المجتمعات نفسها، في لحظات الحسم، كثيرًا ما فضّلت دولة ناقصة على فراغٍ مفتوح.
ربما لم تَعُد المسألة اليوم دفاعًا عن إرثٍ تاريخي بقدر ما هي تعبير عن براغماتية سياسية واجتماعية. فالكيانات القائمة، بكل عيوبها، توفّر إطارًا معروفًا للمصالح والاقتصاد والعلاقات الدولية. أما كسرها فيعني دخول مساحات غير محسوبة من عدم اليقين. في منطقةٍ اعتادت أن يكونَ التغييرُ فيها صادمًا لا تدريجيًا، يصبح الحفاظ على الإطار القائم خيارًا مفهومًا، حتى لدى مَن ينتقدونه.
وهكذا، بعد أكثر من مئة عام من الجدل حول شرعية الحدود وأصولها، يبدو أنَّ السؤال لم يَعُد كيف رُسِمَت هذه الخطوط، بل لماذا صمدت. والإجابة، على الأرجح، تكمن في تلاقي مصالح الدول والمجتمعات على حدٍّ سواء في تجنّب المجهول. فالخرائط قد يرسمها الساسة، لكن بقاءها ترسمه في النهاية حسابات البشر اليومية: الأمان، والرزق، والاستقرار. وفي هذا المعنى، فإنَّ صلابة هذه الحدود ليست انتصارًا للتاريخ بقدر ما هي انتصارٌ لمنطق الواقع.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
