“إسنادُ إيران”… مُغامَرَةُ الحزب بالشيعة ولبنان؟

إبراهيم حيدر*

يُذكّرُ خطابُ الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن فيه إسناد إيران ومرشدها علي خامنئي، بأغنية “سلام فرمانده” التي أُطلِقَت إيرانيًا، أو “سلام يا مهدي” التي ينشدها تلامذة مدارس الحزب كجُزءٍ من مشروعه الديني، فيُروّجُ لها سياسيًا لتأكيد التزامه بولاية الفقيه. عاد قاسم لينشد للمرجعية التي تنوب عن إمام العدل ويقرّر وليّ الفقيه باسمها، فيُعلنُ الطاعةَ للجمهورية الإسلامية ويُلحِقُ الشيعة بدولتها، إذ يأتي خطابه ترجمةً للإدارة الإيرانية للحزب التي عملت على إعادة بنائه وأمَدّته بالتمويل بعد الضربات التي تعرَّضَ لها خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرّت 66 يومًا، وأدّت إلى اغتيال السيد حسن نصرالله وقادة الحزب، إلى آلاف الكوادر والمُقاتلين.

هذه المرّة يأتي خطابُ قاسم في أكثر لحظات الضعف لـ”إسناد إيران”، مُقارنةً بما كان عليه “حزب الله” قبل إسناد غزة، حين كانَ يُجاهِرُ بفائض القوة، وبـ”توازُن الردع”، والقدرة على إزالة إسرائيل، فإذا به اليوم يرفعُ شعار مساندة إيران، فيما هو عاجزٌ عن مُواجهة ما يتعرّض له من استهدافات إسرائيلية، بعدما أخرج سلاحه من مقاومة إسرائيل، وموافقته على اتفاق وقف إطلاق النار الذي جاء بمثابة استسلامٍ من دون أن يعترفَ بخسارته.

كلام قاسم يُثبتُ تبعية “حزب الله” لنظام الولي الفقيه، فيُنفّذ القرارات الآتية من طهران، ويلغي هامشه اللبناني حين يُجاهرُ بإسناد إيران التي تقف اليوم على مفترقٍ مصيري وأمام احتمال حرب أميركية أكبر بكثير من حرب الـ12 يومًا في حزيران (يونيو) 2025، بما يعني أنَّ النظامَ أمام اختبار ما بقي من قوته، أو قد يذهب إلى تسويةٍ بمثابة استسلام.

لا يخرج “حزب الله” من العباءة الإيرانية، ما دامت إيران راعية ومُمَوِّلة ومُشرِفة، فتكرارُ إعلان إسناد إيران، بقدر ما هو أمرٌ من مرجعيته، يُمعِنُ في تبعية قد يكون فيها قدرٌ من الوفاء لها، رُغمَ أنها وظّفته كذراعٍ أو ورقة في أهدافها، لكنه يُورّط الطائفة الشيعية ويجرُّ لبنان إلى كوارث بفعل الانزلاق إلى مغامراتٍ لا تُغيِّرُ من موازين القوى في المعركة إذا حدثت بعدما خسر الحزب معظم بنيته العسكرية، ولم يَعُد يملك ما يُواجه به إسرائيل المدعومة من أميركا والمتفوِّقة عسكريًا وتكنولوجيًا.

يتَّضِحُ من خطاب قاسم كم أنَّ الحزبَ يتنفّسُ من الرئة الإيرانية، بعدما بنى جيلًا داخل الشيعة مُنتَميًا لدولة الولي الفقيه ويتبع أجهزتها بالطاعة التي رسَّخها المقدس وحوّلها إلى معنى سياسي وإيديولوجي، فيتبع الحزب نظامها السياسي وسلطتها المرجعية. ومن خلال هذه الرئة يدخل في السجال الذي تخوضه إيران مع الأميركيين، وكأنه يخاطبُ أيضًا الجمهور الإيراني، لإقناعه باستمرار جدوى الاستثمار في الحزب بلبنان وفي الطائفة الشيعية، والأهم توظيفه كذراعٍ للاستمرار في تمويله، إذ إنَّ الوقتَ لم يحن بعد بالنسبة إلى النظام في طهران للتخلي عن الحزب قبل التسوية مع الأميركيين.

يُقدمُ قاسم بإعلانه أنَّ الحزب ليس على الحياد في معركة إيران، الذرائع للاحتلال لتنفيذ مزيد من العمليات ضد عناصره وأيضًا لتوسيع مساحة التدمير في القرى الحدودية، ورفع الشروط القاسية على لبنان، لا بل زيادة التهديد للبيئة الشيعية التي تئنُّ تحت أوجاع التهجير التي فرضها الاحتلال، فإذا بقاسم يوجّه سهامه إلى الدولة، ويُجدّدُ رهانه على دعم إيران لاستعادة قوته ليكون مستعدًا لإسنادها كواجب مقدس، فيأخذ الشيعة اللبنانيين إلى مغامرات جديدة بقرار إيران التي لا مشكلة لديها في ذهابهم نحو الانتحار؟

  • الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى