لبنان: سؤال البقاء في لحظة الانكسار الدولي
لم يعد العالم الذي صيغت فيه تفاهمات ما بعد الحرب العالمية الثانية قائمًا، ولا النظام الدولي الذي كان يُفترض أن يحمي الدول الضعيفة من منطق القوة العارية. وبين تفكك المظلّة الأممية وعودة منطق الإمبراطوريات، يقف لبنان اليوم أمام أخطر امتحان وجودي في تاريخه الحديث.

ملاك جعفر عبّاس*
باتَ واضحًا أنَّ العالمَ الذي وُقِّعَ فيه اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 برعاية الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة لم يَعُد هو نفسه العالم الذي نعيش فيه اليوم. فترةُ عامٍ ونيّف كانت كفيلةً بتقويض الأسس التي قام عليها النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وبإسقاط القناع عن وهم التعدُّدية التي قيل إنها تعمل عبر المؤسسات الدولية. من عملية “مطرقة منتصف الليل” التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني في ذروة التفاوض، إلى ليلة القبض على نيكولاس مادورو، وصولًا إلى طرح شراء غرينلاند كصفقةٍ عقارية ذات أبعادٍ إمبراطورية، راكم دونالد ترامب خطوات ممنهجة لتفكيك ما تبقّى من النظام العالمي، مُستبقًا ذلك بخروجٍٍ مُنظَّم من المؤسسات والمعاهدات الدولية، وبمجزرة تعريفات جمركية، وإجراءات عقابية بحق الدول التي لا تتماهى مع رؤيته، فيما المسار لا يزال مفتوحًا على مزيدٍ من التصعيد.
إنها بالفعل “لحظة انكسار” بكلِّ ما للكلمة من معنى، كما وصفها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مرافعته التاريخية في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في دافوس، لحظة انكشف فيها زيف نظام ادّعى العمل من خلال القانون والمؤسسات، فيما كان يُطبََّق في الواقع بانتقائية فاضحة تبعًا لهوية الضحية والجلاد. “لسنا في مرحلة انتقال، بل أمام قطيعة” يقول كارني، والقطيعة تعني أنَّ القواعد التي كانت تُستدعى عند الحاجة لم تَعُد صالحة للاستدعاء بعد اليوم.
يبدو الاشتباك الكندي–الأميركي، وكذلك الأوروبي–الأميركي، الذي فجّرته أزمة غرينلاند، التعبير الأوضح حتى الآن عن تصدُّعٍ عميق في مفهوم النظام العالمي نفسه. فالدول الغربية، التي طالما تصرّفت بوصفها شريكًا كاملًا في صياغة وهندسة هذا النظام، لم تقرّ بحقيقة انهياره إلّا عندما شعرت بأنَّ السكين باتت على رقبتها، وأنَّ النظام الذي اعتقدت أنه يحمي سيادتها وحدودها لم يكن، في الجوهر، موجودًا فعليًا.
في هذا العالم الجديد، لا مكان لمَن لا يملكُ المال، ولا التكنولوجيا، ولا السلاح، ولا الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي. ووفق منطق إدارة دونالد ترامب للعالم، تتوقف السيادة والحدود عن كونها مسلمات لتتحوّل إلى مصادفات تاريخية قابلة لإعادة النظر. أما إحدى الترجمات المباشرة لهذا الانهيار فتتمثل في عودة منطق الإمبراطوريات العابرة للقارات، التي لا ترى في الدول الضعيفة ولا في الجماعات المسلحة سوى عوائق مؤقتة في طريق إعادة رسم مناطق نفوذها.
هذا المنطق لا يُميّزُ كثيرًا بين دولةٍ وجماعة حين يحين وقت السحق، بل يقيس الجميع بميزان القوة والجدوى. يستطيع المستشار الألماني، فريدريش ميرز، أن يقول إنَّ بلاده غير مضطرة لقبول هذا الواقع باعتباره قدرًا محتومًا، لأنَّ ألمانيا تملك خيارات. لكن هل يملك لبنان ترف ترداد العبارة نفسها؟
أن تقرأ كارني في بيروت
غير أنَّ وقع كلام كارني لم يكن صادمًا في هذه البقعة من العالم. فشعوبُ هذه المنطقة، ولبنان في قلبها، خبرت منذ عقود أقسى أشكال الكَيل بمكيالين. هنا، لم تكن المؤسسات الدولية يومًا حَكَمًا مُحايدًا، بل أدّت في محطّات مفصلية دور المظلّة السياسية والقانونية لحماية إسرائيل ومصالحها. هذا الخلل البنيوي أسهم في نشوء قوى ومحاور لم تجد، من منظورها، سوى السلاح وسيلةً لتحقيق مصالحها، مع فارقٍ جوهري هو أنها لم تمتلك يومًا القدرة الاقتصادية ولا القوة العسكرية الكافية لفرض نظام بديل. ومع ذلك، فإنها في لحظة انكشافها تعود للاحتماء بالمظلة الأممية نفسها التي ساهمت، عمليًا أو ضمنيًا، في تقويض صدقيتها، فلا تجدها.
أما القوى الأخرى التي راهنت دائمًا على الشرعية الدولية وسعت إلى أن تكون جُزءًا منها، فتجد نفسها هي الأخرى بلا شبكة أمان في لحظة السقوط.
وفيما كان لبنان يترنّح لسنواتٍ على فالق المحاور الإقليمية، تَعقّدَ مشهده الداخلي أكثر مع إضافة خطوط الصدع العالمية الجديدة، ليبدو أنَّ الأزمات التي تعصف به لم تَعُد نتاج واقعه المحلي أو الإقليمي فقط، بل انعكاسًا مباشرًا للتحوُّل الهائل الذي يضرب النظام الدولي برمته.
من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع أزمة تبدو هامشية بالمقياس الدولي لكنها كبرى بالمقياس المحلي –كتعطّل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار أو “الميكانيزم” – بوصفها مجرد مشكلة بنيوية تقنية فقط. فقد تحوّلت هذه الأزمة إلى نموذجٍ مصغّر عن عالم انتهت فيه عمليًا صلاحية الأمم المتحدة وأطرها، وتراجعت فيه أوروبا، ومعها فرنسا، من موقع الشريك في القيادة الغربية إلى موقع الطرف الذي يكتشف متأخرًا أنه كان يعيش داخل وهم الحماية الأميركية. ففي هذا العالم الجديد، لا مكان للأمم المتحدة ولا لفرنسا على أيِّ طاولة تديرها الولايات المتحدة، بصرف النظر عن الموضوع المطروح للنقاش.
يتمسّك لبنان بهذه اللجنة إيمانًا منه بأنَّ استمرارها يُبعد شبح الحرب الشاملة، وقد نجح من خلالها، إلى حدٍّ كبير، في تقديم أدلّة على جدية عمل الجيش في السيطرة على منطقة جنوب الليطاني. كما أبدى مرونة تفاوضية من خلال تعيين مدني لرئاستها في محاولةٍ لفتح كوة في جدار تصلُّب المواقف الإسرائيلية. وهي تكتيكات يعوّل عليها لبنان لإطالة أمدها بانتظار تبلور تفاهمٍ ما مع “حزب الله” يتيح له تسليم سلاحه للدولة.
لكن في ظل “الانهيار المتسارع للنظام العالمي”، كما يقول المستشار الألماني، تبدو المراهنة اللبنانية على إعادة الحياة إلى هذه اللجنة، كالمراهنة على عودة الروح إلى جسد فارقته. فحتى لو تمكنت الخماسية من اقناع الأميركيين بجدوى استمرار لجنة “الميكانيزم” سيكون عليها ان تتقلص هي الأخرى إلى رباعية، وأن تقنع الطرف اللبناني بتقديم ما يحجم لبنان حتى الآن عن القبول به: كالذهاب، في الحد الأدنى، الى نسخة محدثة من اتفاق 17 أيار تجعل منطقة جنوب الأوّلي منطقة خالية من السلاح، وتفرض ما يشبه منطقة أمر واقع تُقدََّم بعناوين اقتصادية أو أمنية، لكنها في جوهرها إعادة رسم للحدود جنوبًا.
في المقابل، يعتقد “حزب الله” أنه لا يزال قادرًا على حسم الجدل الداخلي حول سلاحه شمال النهر وتأطيره ضمن سلّة تفاهمات مع الدولة تحت عنوان “استراتيجية الأمن الوطني”. ويظنُّ أنه من خلال التهويل بالحرب الأهلية يستطيع كفّ يد السلطة عن سلاحه، محمّلًا إياها مُسبقًا كلفة الدم الذي ينوي هدره. غير أنَّ تصاعد الغارات الإسرائيلية شمال النهر يكشف عجزًا متناميًا في قدرة الحزب على تحويل الأقوال الى أفعال. فإسرائيل تفرض يوميًّا وقائع ميدانية تضع ملف السلاح كاملًا في سلة واحدة، وتقول للحزب والدولة معًا: لا اتفاق ولا وسطاء ولا ضمانات، وهي الجهة الوحيدة المخوَّلة، بتفويض من الولايات المتحدة، تحديد ما يقع ضمن الاتفاق وما لا يقع ضمنه.
هنا يتحوّل المنطق الوطني الداعي إلى حصرية السلاح إلى مأزق القبول بالأمر الواقع الإسرائيلي، فتُشَلُّ الدولة بين منطق الحزب ومنطق بنيامين نتنياهو. ومع ذلك، لم تُغلَق المخارج بعد.
حبل النجاة المشروط
صحيح أنَّ فقدان المظلّة الأممية يبعث الرعب في لبنان، غير أنَّ المظلّة السعودية–التركية الآخذة في التشكُّل قد تكون أكثر فاعلية في لحظة التحوُّلات الكبرى، إذا عرفَ لبنان كيف يحسن الإفادة منها. فقد أدرك التحالف السعودي–التركي باكرًا أنَّ النظام الدولي يتفكّك، وأنَّ النجاة لا تكون بالرهان على شعارات قديمة مُستَهلَكة ولا على صدامات مفتوحة، بل على بناء موقع تفاوضي يتيح تحقيق مكاسب تراكمية وتادي خسائر وجودية.
وقد استطاع هذا المحور أن يراكم مكاسب سياسية وأمنية على حساب إسرائيل في سوريا، من خلال دفع الإدارة الأميركية إلى التخلّي عن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وضمان حقوق الأكراد بوصفهم مكوّنًا سوريًا، مُمهدًا لقطع الطريق على الطموحات الانفصالية لبعض الدروز، ما يغلق الباب على سيناريو التقسيم و”ممر داوود” المزعوم، ويحصرُ النقاش مع إسرائيل، في المرحلة الراهنة، في الجانب الأمني، وربما السياسي في وقت لاحق.
أما في فلسطين فقد ساهم المحور –بمشاركة مصر وقطر—في إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار، وعمل بلا كلل مع إدارة ترامب على تجنيب غزة سيناريو التهجير، والضفة سيناريو الضمّ، وفَتَحَ نافذة لحركة “حماس” تستطيع من خلالها العبور إلى الحيّز السياسي من دون سلاحها إذا اختارت طريق النجاة، فيما ألقى للسلطة الفلسطينية حبل نجاة يمكنها، ان التزمت بخطة العمل الدولية وانجزت الإصلاحات المطلوبة، من العبور إلى “اليوم التالي”.
أما في الملف الإيراني فقد أقنع المحور ترامب بتأجيل الضربة العسكرية على إيران. لم يكن ذلك حبًّا بطهران، بل إدراكًا لكلفة الانفجار الشامل على الإقليم وعلى المصالح الاستراتيجية لدوله.
من هنا، يبدو أنَّ لبنان يقف أمام فرصة واقعية للالتحاق بقارب النجاة الإقليمي هذا، بدل البقاء ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. غير أنَّ هذه الفرصة ليست مجانية بلا ثمن، إذ لا يمكن للبنان أن يستفيد منها من دون حسم خياراته الداخلية. و”حزب الله”، تحديدًا، مدعوٌّ إلى قراءة هذه اللحظة بعيون باردة. قالها كارني بوضوح: “إن لم تكن على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام”. حتى الآن، لا يزال الحزب يتصرّف على قاعدة أنَّ امتلاك السلاح يضمن له ولإيران مقعدًا دائمًا على طاولة الإقليم. لكن الوقائع تتبدّل بسرعة. ففي عالم الإمبراطوريات العائدة، يتحوّل السلاح من مصدر قوة إلى عبء، ومن ورقة تفاوض إلى ذريعة للإستهداف.
على “حزب الله” أن يُدركَ أنَّ حبلَ نجاة سعودي- تركي يمكن أن يمتدَّ إليه إذا ما خفف من عبء السلاح والتبعية لإيران. وسيقتضي هذا الامر مراجعة سريعة وملحّة وخيارات حاسمة، تجد دولٌ بحجم كندا وألمانيا وفرنسا نفسها في خضم التفكير فيها.
وفي قلب العاصفة الجيوسياسية، لا يمكن أن يُترَكَ لبنان مكشوفًا في موجهة سؤال البقاء. كيف يمكن لدولة مفلسة، منقسمة، ومجرّدة من أدوات الردع، أن تحمي نفسها حين يسقط النظام الذي كان يُفترض أن يحميها؟ الم تعَُد لاجابة في السلاح المدفون، ولا في قرارات الأمم المتحدة، ولا في بيانات الدعم، بل في القدرة على اختيار الموقع الصحيح في اللحظة الصحيحة. إما أن يلتحق لبنان بمحورٍ إقليمي يسعى إلى تثبيت الاستقرار وإدارة التحوُّلات، أو أن يبقى رهينة أوهام قوة ومحاور تتآكل من الداخل.
في لحظة الانكسار هذه، لم يعد الحياد ترفًا، ولم يَعُد الانتظارُ خيارًا. لقد تغيّر العالم، ومَن لا يُغيّر موقعه فيه، سيتغيّر موقعه رُغمًا عنه.
- ملاك جعفر عباس هي كاتبة سياسية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة. يمكن التواصل معها عبر منصة “ Linkedin“ على: com/in/malakjaafar




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.