حينَ يَحكُمُ الرَصاص: لماذا لم يَعُد نظامُ إيران قابلًا للحياة؟
تكشفُ الأسابيع الأخيرة في إيران حقيقةً لم تَعُد قابلة للإنكار: نظامٌ فَقَدَ كلَّ مصادر الشرعية ولم يبقَ له سوى القمع للبقاء. وبين عنفِ الدولة ويأسِ المُجتمع وتردُّد الخارج، تدخُلُ البلاد أخطرَ مرحلةٍ في تاريخها الحديث.

سيامَك نمازي*
أعادت لنا الأسابيع القليلة الماضية في إيران تذكيرًا قاسيًا بدروسٍ نعرفها جيدًا، دروسٌ صيغت عبر عقودٍ من الدم والشجاعة والإنكار والقسوة. فقد برهنت التطوّرات الأخيرة، مرة أخرى، أنَّ عجز النظام الديني عن الحُكم الرشيد لا يُضاهيه إلّا تفوُّقه في القمع والقتل الجماعي، وأنَّ بقاءه لم يَقُم يومًا على الشرعية بقدر ما قام على العنفِ المنهجي.
وأظهرت الأحداث من جديد أنه، رُغمَ أنَّ الغالبية الساحقة من الإيرانيين قد بلغت حدَّ الإرهاق من الحُكم الديني، ورُغم قدرتهم على إظهار شجاعة استثنائية في مواجهة القمع، فإنهم ما زالوا مُكبَّلين أمام دولةٍ تعتمد استراتيجية بقاء بسيطة ووحشية في آن: قتلُ عددٍ كافٍ من الناس، بسرعةٍ كافية، لبَثِّ الرعب في نفوس الباقين وإخضاعهم. هذه المعادلة الدموية لا تزال، للأسف، فعّالة.
في الوقت نفسه، تكشّف مرة أخرى ضعف المعارضة في المنفى، التي ما تزال تُعاني من تشتّت حاد، ويبدو أنَّ كثيرين من قياداتها يفتقرون إلى الخبرة في تنظيم مقاومة مدنية فعّالة. والأكثر إثارةً للقلق هو قصور تقديرهم لمدى استعداد النظام للذهاب إلى أقصى الحدود في ذبح مواطنيه للحفاظ على السلطة.
كما شهدنا بروزَ حالةٍ من اليأس العميق لدى بعض الإيرانيين المعروفين تاريخيًا بوطنيتهم، إلى حدٍّ دفع بعضهم إلى الإعلان صراحة عن ترحيبه بتدخُّلٍ عسكري أجنبي، في مؤشِّرٍ خطير إلى انسداد الأفق الداخلي، وإن كنّا لا نملكُ وسيلةً موثوقة لقياس مدى انتشار هذا المزاج في المجتمع.
وأخيرًا، أعادت الوقائع التأكيد على حقيقةٍ مُرّة: الإيرانيون لا يستطيعون التعويل على رئيس الولايات المتحدة، أو على أيِّ قوة أجنبية أخرى، لحمايتهم من المذابح، مهما بدت التطمينات واضحة أو تكرّرت. ففي لحظات الاختبار الحاسمة، يبقى مصيرهم مُعَلقًا بميزان القوى الداخلي، لا بوعود الخارج.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، كانت الجمهورية الإسلامية قد فرضت صمتًا قسريًا على الشوارع عبر مزيجٍ من القتل الجماعي وما يشبه الأحكام العرفية غير المُعلنة. ولحجب حجم العنف وشلّ قدرة السكان على التنظيم أو التواصل مع العالم الخارجي، أقدم النظام على قطع الإنترنت، ويعمل في الوقت نفسه على تعطيل خدمة “ستارلينك”. وتتوالى التقارير عن مُداهمات تُنفِّذها قوات الأمن للمنازل والمباني السكنية لإزالة أطباق الأقمار الاصطناعية، فيما أُقيمت نقاط تفتيش لتفتيش هواتف المواطنين بحثًا عن صور أو مقاطع تُوَثّق المجازر الجارية.
ومع ذلك، لم ينجح هذا الطوق الحديدي في منع تسرُّب الأدلّة. فما تزال الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهِرُ قوات النظام وهي ترتكب عمليات قتل وحشية —بما في ذلك استخدام الرشاشات الثقيلة— تظهر تباعًا، إلى جانب صور الجثث المُكدّسة في المشارح. كما تتزايد شهادات شهود العيان وروايات العاملين في المجال الطبي، بعضهم خارج البلاد، وآخرون لا يزالون في الداخل وقادرين، على نحوٍ نادر، على إجراء مكالمات دولية.
في هذا السياق، أكدت منظمات حقوق إنسان موثوقة هوية نحو أربعة آلاف مدني قُتلوا حتى الآن، فيما تشير تقارير ذات صدقية عالية إلى أنَّ الحصيلة الحقيقية قد تكون أعلى بثلاث إلى خمس مرات، لتقارب عشرين ألف رجل وامرأة وطفل قُتلوا في غضون أيام معدودة. ولا يشمل هذا الرقم العدد الهائل من المدنيين العُزّل الذين أُصيبوا بإصابات دائمة، غالبًا بعد إطلاق النار عليهم عمدًا في العينين أو الفخذين — وهي أساليب لطالما فضّلتها أجهزة أمن النظام، التي اعتادت أيضًا مداهمة المستشفيات لتعقّب الجرحى واحتجازهم.
بهذا المعنى، لا تبدو حملة القمع الراهنة مجرّدَ ردٍّ أمني على احتجاجات، بل سياسة ترهيب شاملة تهدف إلى كسر الإرادة الجماعية وإعادة المجتمع إلى حالةٍ من الشلل والخوف، حتى لو كان الثمن سقوط آلاف الضحايا في زمنٍ قياسي.
وكأنَّ كلَّ ذلك لم يكن كافيًا، مضى النظام خطوة أبعد في منطق الابتزاز، مُطالبًا بتعويضات عن “تكلفة المجزرة”. تُجبَرُ العائلات التي تَعثُرُ على جثث أحبائها بعد البحث بين مئات الجثث المُكدّسة في المشارح على دفع ما يُسمّى “رسوم الرصاصة” لاستعادة الرفات ودفنها، ما لم توافق على الإدلاء بشهادةٍ كاذبة تُفيدُ بأنَّ المتوفى كان عضوًا في قوات الباسيج —المنظمة شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري— وقُتِلَ على أيدي “مُثيري شغب”. إنها ذروةُ الانحطاط الأخلاقي: قتل الضحية، ثم بَيعُ جثّته لأهله، ثم تزوير رواية موته لخدمة الدعاية الرسمية.
لقد أجبر النظام الناس على العودة إلى منازلهم بالقوة الغاشمة. لكن ما لا يمكن أن يستمر، لن يستمر. فالقمع قد يفرض سكونًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا.
لماذا لا يمكن للوضع الراهن أن يصمد؟
قد يكونُ القمعُ قد هدَّأَ الشوارع، لكنه لم يُعِد التوازن. فالانتفاضة الأخيرة لم تندلع من فراغ، بل فجّرها انهيارٌ حاد جديد في قيمة العملة الوطنية، وهي صدمة مألوفة في إيران، لكنها هذه المرة دفعت حتى الباعة والتجار إلى الشوارع. وقبل ذلك بقليل، ظهرت تقاريرٌ تُفيد بأنَّ أحد أكبر البنوك الخاصة في البلاد قد أفلس فعليًا، وتم “إنقاذه” بدمجه في مؤسسة حكومية أكبر. غير أنَّ هذا كان، في جوهره، مجرّد تمثيلية. ففي الواقع، يعاني النظام المصرفي الإيراني برمته من إعسار عميق، وتُدعَمُ ميزانياته العمومية بأصولٍ وهمية لا بأصولٍ حقيقية.
ثماني سنوات من الاحتجاز في سجن إيفين سيئ السمعة، إلى جانب مُقرَّبين من النظام —من بينهم مسؤولون كبار ورجال أعمال نافذون ومصرفيون— منحتني معرفة مباشرة بكيفية عمل هذه الآلية. تفتقرُ إيران إلى نظامٍ حقيقي للإبلاغ الائتماني، لذلك تُضمَنُ القروض الكبيرة بشكلٍ شبه حصري بسندات الملكية العقارية. ومع مرور الوقت، أتقن المقترضون ذوو النفوذ السياسي حيلةً مُمَنهجة: كانوا يرشون مُقَيِّمي العقارات لتضخيم قيمتها، أحيانًا بعشرة أضعاف، ثم يحصلون على قروضٍ ضخمة. وعند حلول موعد السداد، يسلّمون العقار ببساطة إلى البنك. بعدها يبيعُ البنك هذه الأصول المتعثّرة إلى بنكٍ آخر بربحٍ ورقي يسجّله في دفاتره. وكان البنك الثاني يعلم أنه يشتري أصولًا رديئة، لكنه يلعب اللعبة نفسها بشكلٍ معكوس، مُتخلّصًا من أخطائه ومُسجّلًا مكاسب وهمية جديدة.
والنتيجة هي مخطّط بونزي مغلق، قائم على الخداع المتبادل والتواطؤ مع الجهات الرقابية. وقد تفاقمت هذه الممارسة على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية، وهي أوسع بكثير مما يوحي به هذا الوصف المبسّط. وهذا لا يشمل سوى النظام المصرفي وحده، إذ إنَّ جُزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإيراني برمّته يعاني من فساد وسوء إدارة مُتجذّرَين، يجعلان أيَّ هزّةٍ مالية صغيرة شرارة محتملة لانفجار اجتماعي جديد.
يعكس هذا التدهور المالي، في جوهره، أزمة حكم لا تقل عمقًا وخطورة. فعلى مدى العقدين الماضيين، عمد المرشد الأعلى علي خامنئي بشكلٍ منهجي إلى إقصاء التكنوقراط، حتى أولئك ذوي الكفاءة المحدودة، وكذلك الشخصيات العسكرية المخضرمة، مستبدلًا إياهم بموالين شخصيين يقدّمون الطاعة على الخبرة. والنتيجة ليست مجرد سوء إدارة عابر، بل منظومة حكم فاسدة بكل معنى الكلمة: ففي اللحظة التي تواجه فيها البلاد تحدّيات وجودية، يتولّى إدارتها في الغالب أشخاص هم الأقل أهلية للتعامل معها.
تتجلّى ملامح هذا الانهيار البنيوي في كلِّ زاويةٍ من الحياة اليومية. إيران تُعاني من شحٍّ مُتفاقِم في المياه، وشبكة كهرباء على حافة الانهيار، ودولة تكافح لتأمين أبسط السلع الأساسية لمواطنيها، فضلًا عن عجزها عن كسر عزلتها الدولية أو كبح جماح التضخّم. وعلى مدى سنوات، دافع النظام عن هذه الإخفاقات بالاحتماء برُكنٍ أخير من أركان شرعيته: الأمن. غير أنَّ هذا الركن هو الآخر انهار. فقد حطّمت النتيجة المُذلّة للحرب الإسرائيلية–الإيرانية الأخيرة، التي استمرت 12 يومًا، ما تبقّى من العقد الاجتماعي الضمني الذي كان يربط النظام بالمجتمع.
اليوم، يسود اعتقادٌ واسع بأنَّ نحو 80 في المئة من الإيرانيين ينظرون إلى النظام بوصفه غير شرعي. وفي أفضل التقديرات، لا يتجاوز المؤيِّدون الفعليون للنظام 20 في المئة من السكان، وحتى داخل هذه الفئة، يتردّد كثيرون في الذهاب إلى حد قتل مواطنيهم دفاعًا عنه. وفي بلد يبلغ عدد سكانه قرابة 93 مليون نسمة، يبدو ما يقرب من 80 مليون إنسان وكأنهم محتجزون رهائن فعليًا بيد أقلية صغيرة عنيفة.
هذا، بأيِّ معيارٍ سياسي أو اجتماعي، ليس توازنًا مستقرًّا.
لماذا يُعَدُّ عام 1979 تشبيهًا خاطئًا؟
في الأيام الأولى للاحتجاجات الجماهيرية، توقّع عددٌ كبير من المراقبين انهيارًا وشيكًا للنظام. لكن ما إن نجحت الدولة مرة أخرى في ترهيب الناس وإبعادهم عن الشوارع، حتى انعطفت موجة متنامية من التحليلات في الاتجاه المعاكس تمامًا، مؤكدةً على صلابة النظام ومشددةً على أنَّ الوضع الراهن يختلف جذريًا عن عام 1979، حين أُطيح بمحمد رضا شاه بهلوي.
في نواحٍ كثيرة، تبدو هذه الاختلافات فعلًا واقعية. فالشاه، على الرُغم من إخفاقاته السياسية الجسيمة، اختار في نهاية المطاف مغادرة إيران بدلًا من التشبُّث بالسلطة عبر مذابح واسعة النطاق. أما المؤسّسة الدينية والحرس الثوري ومناصروهم اليوم، فلا يُبدون التردد نفسه في اللجوء إلى أقصى درجات العنف. وفي العام 1979، كانت قوى المعارضة أكثر تماسُكًا وتنظيمًا مما هي عليه الآن. ويشير محللون كذلك إلى أنَّ عددًا كبيرًا من كبار مسؤولي عهد الشاه وجدوا ملاذًا في الغرب وأعادوا بناء حياتهم المهنية بعد سقوط النظام، في حين أنَّ مسؤولي الجمهورية الإسلامية اليوم —وقد تلطّخت أيدي كثيرين منهم بالدماء— لا يرون أمامهم مكانًا آمنًا يفرّون إليه. لذلك يتعاملون مع الصراع بمنطق وجودي صفري: إمّا أن تَقتُل، أو تُقتَل.
كلُّ ذلك صحيح إلى حدٍّ بعيد. لكنه يتجاهل الفارق الأهم على الإطلاق.
فنظام الشاه، مهما بلغت عيوبه السياسية، كان يتمتع بدرجةٍ عالية من الكفاءة قياسًا بمعايير المنطقة. ففي أواخر السبعينيات، كانت إيران دولة نابضة اقتصاديًا، منخرطة في النظام الدولي، وتحظى بقدر واسع من الاحترام. لم تكن دولة منبوذة أنهكتها العقوبات، ولا جهازًا بيروقراطيًا متآكلًا بالفساد المؤسسي وسوء الإدارة المنهجي.
أما الجمهورية الإسلامية الحالية، فهي تُشرِفُ على النقيضِ التام لهذا المشهد. ومن هنا، فإنَّ المقارنة بعام 1979 ليست ناقصة فحسب، بل مُضَلِّلة أيضًا. فإيران اليوم لا تشبه إيران النظام الملكي في سنواته الأخيرة. والنظام الذي فقد كفاءته وشرعيته ومصداقيته —داخليًا وخارجيًا— لا يمكنه أن يستعيضَ عن الحكم بالعنف المطلق إلى ما لا نهاية.
لقد استنفدت الجمهورية الإسلامية معظم موارد بقائها، ولن تصمد طويلًا، على الأقل ليس بالشكل الذي نعرفه اليوم.
المُتَغيّر المحوري: نهاية عهد خامنئي
تظلّ جميع السيناريوهات المقبلة مرهونة بعاملٍ واحد حاسم: هل سيغادر علي خامنئي المشهد السياسي، ومتى سيحدث ذلك؟
فلن يكون في إيران أيُّ تغييرٍ جوهري ما دام خامنئي ممسكًا بخيوط السلطة. فمنذ توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، أثبت مرارًا وبصورةٍ لا لبس فيها أنه لن يسمحَ بأيِّ تطوُّر سياسي ذي معنى داخل الجمهورية الإسلامية، فضلًا عن أيِّ مسارٍ نحو تحوُّلٍ ديموقراطي حقيقي. وأمام الضغوط الداخلية، أو الانهيار الاقتصادي، أو العزلة الدولية، ظلَّ ردُّ فعله واحدًا لا يتغير: القمع، والتهميش، والسجن، أو القتل — أي وسيلة تكفل الإبقاء على الوضع القائم الذي يحدده هو وحده، حتى عندما يصبح هذا الوضع غير قابل للاستمرار بوضوح.
وعلى مدى سنوات، عمل خامنئي بشكلٍ منهجي على إقصاء أو تحييد كل شخصية داخل النظام أبدت بوادر استقلال في القرار أو طموحًا إصلاحيًا. وقد استوعب الرؤساء والوزراء ورجال الدين والتكنوقراط والقادة العسكريون جميعًا الدرس ذاته: المرونة تُعَدُّ خيانة، والكفاءة تأتي في المرتبة الثانية بعد الطاعة. إنَّ منظومة الحكم الفاسدة التي تُهيمن اليوم على الجمهورية الإسلامية ليست نتاجَ مصادفة تاريخية، بل ثمرة مباشرة لفلسفة خامنئي في إدارة الدولة.
ومع ذلك، تعيش إيران فعليًا في ظلِّ مرحلة ما بعد خامنئي، حتى قبل رحيله الرسمي. فالمرشد الأعلى، البالغ من العمر 86 عامًا، بات يقضي معظم وقته متخفّيًا، بعدما ألحقت الضربات الإسرائيلية الأخيرة خسائر جسيمة بالقيادة العسكرية العليا. وعلى مدى سنوات، شغل التخطيط لخلافته النظام السياسي، بهدوء ولكن بكثافة لافتة. غير أنَّ التوقيت يبقى مجهولًا، وهو عنصرٌ بالغ الأهمية في تحديد مسار الأحداث.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار خامنئي في الحكم مع تراجع سلطته الفعلية إلى مزيدٍ من القمع، ودفع النخب إلى تفادي المخاطرة، وتأجيل حدوث انقسامات بنيوية داخل النظام. في المقابل، فإنَّ رحيله المفاجئ —سواء لأسباب طبيعية أو غيرها— سيشكّل نقطة تحوّل حقيقية. صحيح أنَّ ذلك لا يضمن انتقالًا ديموقراطيًا تلقائيًا، لكنه سيُزيل أقوى عقبة كانت تقف في وجه أيِّ تغييرٍ من هذا النوع.
إيران ما بعد خامنئي ستعيد صياغة السياق السياسي الذي تتحرّك داخله جميع المتغيّرات الأخرى، وستفتح مرحلةً جديدة يكون فيها كل شيء قابلًا لإعادة التشكيل — من توازنات السلطة داخل النظام إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل وحتى موقع البلاد في الإقليم والعالم.
ما الذي سيحدث لاحقًا – وما الذي يتوقّف عليه؟
السؤال إذن ليس ما إذا كان بإمكان الجمهورية الإسلامية العودة إلى الوضع السابق -فهي لن تستطيع- بل ما الذي سيحل محل المأزق الحالي، وكم ستستمر هذه المرحلة، وما الثمن الذي ستدفعه. يبدو انهيار النظام بشكله الحالي الآن أكثر ترجيحًا من بقائه كدولة فاعلة. ومع ذلك، لا يزال ظهور إيران ديموقراطية أمرًا غير مؤكد. بين هذين الاحتمالين، تقع منطقة وسطى متقلبة وخطيرة.
سيتوقف الكثير على أربعة عوامل:
- التدخُّل الأجنبي: سيؤثر اختيار الولايات المتحدة وغيرها من الجهات الخارجية التدخل، وكيفية هذا التدخل، على مسار إيران – ولكنه لن يحدده. من غير المرجح أن تؤدي الضربات العسكرية المحدودة، بمفردها، إلى إسقاط النظام، لا سيما في غياب استراتيجية سياسية أوسع. يُعَدُّ الغزو البري أمرًا غير وارد، وسجل الولايات المتحدة في فرض الديموقراطية بالقوة غير مُلهِم. علاوةً على ذلك، سيكون من الخطَإِ افتراض أنَّ أولويات واشنطن تتوافق مع تطلعات الشعب الإيراني. ستُحرّك قرارات الرئيس دونالد ترامب أولًا حسابات شخصية وسياسية، ثم المصالح الأميركية المتصوَّرة. ويبقى من الممكن تمامًا التوصل إلى اتفاقٍ مع عناصر من النظام القائم، أو مع زعيم قوي صاعد من داخل الحرس الثوري الإيراني، مقابل تنازلات بشأن النفط أو القضايا الإقليمية أو احتواء الأسلحة النووية. قد يُناسب هذا التطور هذه الإدارة، لكنه لن يُحقق الكثير للشعب الإيراني، وبالتالي من غير المرجح أن يُؤدي إلى استقرار حقيقي.
- سلوك المعارضة: لا تُعدّ الشعبية الرمزية مؤشرًا إلى القدرة التنظيمية. فبينما تحظى شخصيات مثل رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل وولي العهد، باهتمام وتأثير عاطفي واضح لدى شرائح من الشعب، تبقى المعارضة ككل مُشتَّتة، ومُنقسِمة بسبب انعدام الثقة العميق. كما إنَّ المعارضة في الخارج، على وجه الخصوص، تفتقر إلى الخبرة في قيادة مقاومة مدنية مستدامة. علاوة على ذلك، لا يزال وضع بهلوي الفعلي داخل إيران غير واضح في أعقاب التعبئة التي انتهت بقمع جماعي. استجاب كثيرون لدعوته للاحتجاج، ليواجهوا المجازر. لا يُعرف ما إذا كانت تلك التجربة قد عززت مصداقيته أم أضعفتها، لكن الاحتمال الثاني يبدو الأرجح. كما يستحيل تحديد عدد الذين هتفوا باسمه انطلاقًا من قناعة سياسية حقيقية، وعدد الذين فعلوا ذلك لمجرد تضخيم أعلى صوت معارض متاح في لحظة يأس. داخل إيران -وفي الشتات أيضًا- توجد شريحة واسعة من الناس لا يتمثل موقفهم السياسي الأساسي في الولاء لقائد معين، بل في الاعتقاد بأنَّ أيَّ شيء تقريبًا أفضل من النظام الحالي.
- السيطرة على المعلومات والاتصال: لا يمكن للشجاعة بدون تنسيق أن تتوسع. إنَّ قدرة النظام على قطع الإنترنت، وتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وقطع الروابط بين المدن والمناطق، لا تزال من أقوى أدواته. يعتمد التعبئة المستمرة، والإضرابات على مستوى البلاد، والعمل الجماعي، على التواصل. طالما احتفظت الدولة بسيطرة شبه كاملة على تدفق المعلومات، ستكافح الحركات الشعبية لتحويل الغضب إلى ضغط دائم.
- ديناميكيات النخب داخل النظام نفسه: الجمهورية الإسلامية ليست كتلة واحدة متجانسة. من الداخل، يبدو النظام أشبه بنظام قائم على المحسوبية، تتنافس فيه الفصائل بالدرجة الأولى على الموارد والبقاء. إلّا أنَّ التاريخ يُظهر أنه عند مواجهة تهديد وجودي، تكاتفت هذه الفصائل ونسَّقت قمعها. يتطلّب التغيير الحقيقي انقسامات في صلب النظام، لا سيما داخل الأجهزة الأمنية. من غير المرجح حدوث مثل هذه الانقسامات طالما يعتقد المنتمون إليه أنهم لا يملكون مخرجًا ولا مستقبلًا خارجه. ولكن إذا تغيّرت هذه الحسابات، فقد ينقلب الوضع رأسًا على عقب.
أين يكمن الأمل الحقيقي لإيران ديموقراطية؟
إذا كان لإيران أن تخرج من أزمتها الراهنة كدولة ديموقراطية حقيقية —لا كجمهورية إسلامية بوجوه جديدة، ولا كحكم عسكري مستبد، ولا كنظام استبدادي آخر بواجهة مختلفة— فإنَّ مصدر هذا التحوُّل لا يقلُّ أهمية عن توقيته. فطريقة التغيير، والجهة التي تقوده، ستُحدّدان طبيعة النظام الذي سيولد من رحم الانهيار.
يكمنُ الأمل الأكبر لديموقراطية إيرانية قابلة للحياة داخل البلاد نفسها: بين نشطائها المدنيين، ومنظمي العمال، وطلابها، ومهنييها، وحركاتها النسوية، والمُصلحين من داخل النظام ممَن يفهمون آليات عمل الدولة من الداخل. لقد حوّلت عقودٌ من الحكم القسري والفاسد إيران إلى منظومة حكم شديدة التعقيد. وأيُّ انتقالٍ ديموقراطي ناجح سيتطلّب معرفة دقيقة بالاقتصاد السياسي للبلاد، وبشبكات النخب، وبيروقراطيتها، والأهم من ذلك كله، القدرة على انتزاع قدر من التعاون —ولو ضمنيًا— من قطاعات واسعة داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.
وهذا تحديدًا ما لا يمكن تصنيعه من الخارج.
صحيح أنَّ قادة المعارضة في المنفى يستطيعون تضخيم الأصوات، وحشد الاهتمام الدولي، والمساعدة على تنسيق الضغط الخارجي، لكنهم يفتقرون إلى المعرفة المُتعمّقة والنفوذ العملي اللازمَين لإدارة بلدٍ شاسع ومعقَّد ومتنوِّع مثل إيران. والأهم من ذلك، أنَّ فُرَصَ تمكّن قادة الشتات وحدهم من كسب ولاء —أو حتى امتثال— الجهاز البيروقراطي أو العسكري الإيراني تبقى ضئيلة للغاية.
في سيناريو مثالي، تعمل القوى الديموقراطية داخل إيران وأنصارها في الخارج ضمن تنسيقٍ وثيق: حيث توفّر الجهات الفاعلة الداخلية الشرعية والتنظيم والاستمرارية، بينما تؤمّن الجهات الفاعلة الخارجية الموارد والحماية والنفوذ الديبلوماسي. ومعًا، يمكن للطرفين إطلاق العنان للإمكانات السياسية والاقتصادية والدولية الهائلة التي تمتلكها إيران.
لكن الواقع أبعد ما يكون عن هذا النموذج المثالي. فما تزال إيران بعيدة من لحظة التلاقي بين الداخل والخارج، وبعيدة أكثر من شروط الانتقال المنظّم نحو ديموقراطية مستقرّة.
مرحلة انتقالية خطيرة
لم تَعُد الجمهورية الإسلامية، بصيغتها الراهنة، قابلة للاستمرار. غيرَ أنَّ انهيارها أو تحوّلها لا يعني بالضرورة ولادة الحرية. فما تدخل إليه إيران اليوم ليس خاتمة ثورة مكتملة الأركان، بل مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر — مرحلة أثبت فيها العنف فاعليته كأداة حُكم، وتآكلت فيها الشرعية إلى حدّها الأدنى، وبات فيها المستقبل نفسه موضع نزاع مفتوح بين قوى متعارضة.
إنَّ المأساة الحقيقية لا تكمن في نقص شجاعة الإيرانيين، بل في أنَّ الشجاعة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة تحوُّلٍ تاريخي آمن ومستدام. فالتغيير يتطلّب، إلى جانب الجرأة، تنظيمًا، ورؤية، وتحالفات ذكية، وقدرة على تفكيك منظومة سلطوية معقّدة من دون الانزلاق إلى فوضى أو استبداد جديد.
بعبارةٍ أخرى، تقف إيران اليوم على عتبةٍ تاريخية لا تشبه ما سبقها: لحظة يمكن أن تفتح باب الخلاص، كما يمكن أن تُعيدَ إنتاج المأساة بأشكالٍ جديدة. وما سيحسم الاتجاه ليس فقط سقوط نظام، بل طبيعة القوى التي ستملأ الفراغ، ونوع العقد الاجتماعي الذي سينشأ من تحت أنقاض النظام القديم.
- سيامَك نمازي هو مسؤول تنفيذي استراتيجي أميركي سابق ومتحدث رئيسي، يقدّم المشورة للقادة وصنّاع القرار حول القيادة وصياغة السياسات في ظل عدم اليقين. احتُجِز رهينة في إيران بين العامين 2015 و2023، في تجربةٍ شكّلت جُزءًا محوريًا من مسيرته المهنية والفكرية.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.