سقوط أوهام تعدد القطبية في العالم
محمَّد قوَّاص*
بعد أشهر من بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في شباط (فبراير) 2022، باشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التبشير بانتهاء نظام القطب الواحد والدخول في عصر العالم المُتَعدِّد الأقطاب. وجد الرجل صدًى لخطابه لدى الزعيم الصيني شي جين بينغ الذي، وإن لم يُجاهِر بالقول بما يتمنّاه بوتين، يسعى بالعمل على تثبيت احتكار بلاده للقطبية في بحر الصين وفضاء البلاد الآسيوي، ويحفر بهدوء وصمت تمدُّد الصين في العالم يفرضها قطبًا قويًّا مُنافِسًا للقطب الأوحد.
في السنوات الأخيرة راجت في العالم أفكارٌ تروي حتميات أفول الزمن الأميركي وتقهقر “الأمبراطورية” التي تقودها واشنطن كما اندثرت إمبراطوريات وزالت سلالات. وفيما كان المفكر الأميركي الشهير فرانسيس فوكوياما قد استكان إلى “نهاية التاريخ” بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مزهوًّا بتفوُّقِ عالمٍ تقوده الولايات المتحدة “إلى الأبد”، فإنه لم يحصل أنَّ هذا التاريخ قد انتهى، لكن أيضًا، وعلى الرُغم من تعافي روسيا والصين في عهدي بوتين وشي، لم يحصل أنَّ الولايات المتحدة فقدت زعامتها على النظام الدولي الأحادي القطبية حتى إشعارٍ آخر.
من السهل هذه الأيام تخيُّل خيبة روسيا والصين المتنافسين تاريخيًا، الطامحَين دومًا، إلى استعادة “مُلكٍ” اندثر كانت فيه الحرب الباردة شاهدة على دور ومساحات نفوذ. بدت روسيا الدولة النووية الأولى في العالم، المفترض أنها تمتلك قوة جبارة ارتجفت لها قامات القرار في واشنطن يومًا ما، عاجزة عن حسم “عملية خاصة” في أوكرانيا، الدولة المتوسطة القوة، معوّلة على تفهُّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستخدام نفوذ أميركا لإقناع كييف بابتلاع علقمٍ يُنهي الحرب.
حين شنَّ ترامب حرب الرسوم الجمركية بدا أنَّ العالم يستفيق وينام وفق ما يقرره القطب الوحيد في العالم. وبناءً على مزاج الرئيس الأميركي تهتزُّ اقتصاداتٌ وتُصابُ بورصاتٌ بالذعر، فيما يُراقب أقطابُ العالم ما يقرره البيت الأبيض ونادي المال في أميركا. ولئن خرجت من الصين أصواتٌ مُستَهجِنة مُتبرِّمة من حقِّ ترامب في تشييد أسوار تحمي أسواق أميركا، فإنَّ في ذلك التظلم إقرارٌ بأنَّ قرار العالم ما زال في يد واشنطن وسيد البيت الأبيض.
فقدت الصين وروسيا قبل أيام تمدُّدًا صاخبًا داخل أميركا اللاتينية. باتت فنزويلا في معسكر قد يكون نقيضًا لمعسكر الصين وروسيا. نقلت “دلتا” ترامب رئيس البلاد نيكولاس مادورو إلى زنزانة في نيويورك وسط استنكار بطعم الهزيمة أصاب روسيا والصين. قبل ذلك سقط نظام بشار الأسد في سوريا تحت عين موسكو وبإشراف القاعدة الروسية في حميميم. تراقب روسيا والصين هذه الأيام شوارع إيران مُترقّبة تفاقُم ضعف الحليف “الاستراتيجي” الإيراني وربما سقوطه.
لا يؤكد دونالد ترامب على زعامة بلاده للعالم فقط، بل يؤكد أنَّ القطبية الأميركية تتعزّز وتُقرّرُ وحدها بامتياز اتجاهات العالم وبوصلته. وحدها واشنطن مَن تُقرّر طبيعة المسار المقبل في إيران سواء في قرار التدخُّل العسكري أو في قرار منح إيران “جميل” التفاوض وفق الشروط الأميركية. ووحدها واشنطن، قَبِلنا ذلك أم كرهنا، مَن يُقرّر طبيعة الخرائط والمساحات الممنوعة أو الممنوحة لاستمرار نفوذ روسي-صيني يسعى بالكاد أن يجد ملاذات على ملعبٍ أميركي يتمدَّد.
يتغيَّرُ العالم باتجاه لا يشبه مشهد انهيار جدار برلين عام 1989 واندثار المعسكر خلفه. حينها انتصر الغرب على الشرق بنسخاته الشيوعية وامتداداتها اليسارية. هذه الأيام تبدو الولايات المتحدة تُضيفُ إنقلابًا على هذا الغرب الليبرالي، تتخلّى عن مدّ مظلّتها للدفاع عن أوروبا وتكفر بأطلسية باتت متقادمة، حتى أنَّ ترامب يقترب من بوتين في روسيا وكيم جونغ أون في كوريا الشمالية أكثر من زعماء كندا وفرنسا وألمانيا.
لم يعد ترامب يفرّق بين حليف وخصم، بحيث باتا متساويين أمام أميركا التي تقرر وحدها ووفق مزاج زعيمها وجهة العالم وخرائط صراعاته.
- محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



