بينَ الصُمودِ والتَحَوُّل: الاقتصاداتُ النامية من اختبار 2025 إلى رهانات 2026
هاني مكارم*
شكّل العام 2025 محطّةً صعبة في مسار الاقتصادات الناشئة والنامية، إذ تبلورت خلاله ملامحُ عالمٍ مُضطَرِبٍ باتَ يُوصَفُ على نطاقٍ واسع بـ”الوضع الطبيعي الجديد”. نموٌّ عالمي بطيء، توتُّراتٌ تجارية مُتصاعدة، أعباءُ ديونٍ تاريخية، تراجُعٌ في تدفُّقات المساعدات، وتزايُد كلفة التغيُّر المناخي والنزاعات المسلَّحة؛ جميعُها عوامل ضغطت بقوة على هوامش الحركة الاقتصادية والسياسات العامة في دول الجنوب. ومع ذلك، فإنَّ اختزالَ العام في سردية الإخفاق وحدها يُغفِلُ صورةً أكثر تعقيدًا، تكشف عن مكاسب جُزئية وتحوُّلات بُنيوية قد تَرسمُ ملامحَ المرحلة المقبلة.
فعلى الرُغم من التباطؤ، شهد العام 2025 توسُّعًا ملحوظًا في حجم الطبقة الوسطى داخل الاقتصادات النامية، حيث انضمَّ عشرات الملايين إلى هذه الشريحة، خصوصًا في آسيا، مع تحسُّنٍ نسبي في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ويُعَدُّ هذا التطوُّر مهمًّا ليس فقط من زاويةٍ اجتماعية، بل بوصفه ركيزةً مُحتملة للاستقرار السياسي، وتوسيع الطلب المحلي، وتخفيف الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية.
كما أظهر الأداء التجاري العالمي قدرًا من المرونة غير المُتَوَقَّعة. فعلى الرُغم من الحروب الجمركية وسياسات إعادة توطين الإنتاج، واصل حجم التجارة الدولية نموه، مدفوعًا بازدهار قطاع الخدمات وتنامي التجارة بين دول الجنوب. وقد عكست هذه الدينامية قدرة عدد من الاقتصادات النامية على إعادة توجيه صادراتها وتنويع شركائها التجاريين، في مواجهة بيئة دولية أقل انفتاحًا.
في مجال الطاقة، مثّل 2025 نقطة تحوُّلٍ مهمّة. فالانتقالُ إلى مصادر الطاقة المتجددة في الاقتصادات النامية لم يَعُد حكرًا على السياسات الحكومية أو التمويل الدولي، بل بات مدفوعًا بشكلٍ متزايد بقوى السوق، مع الانخفاض الحاد في كلفة تقنيات الطاقة الشمسية. وأسهم ذلك في تسارُع وتيرة الاستثمار الخاص، سواء على مستوى الشركات الكبرى أو الأُسَر، ما منح التحوُّل الطاقي زخمًا يصعب التراجع عنه. وقد تُوِّجَ هذا المسار بتقدّم مصادر الطاقة المتجددة على الفحم في مزيج إنتاج الكهرباء العالمي، مدفوعةً أساسًا باستثمارات الدول النامية.
أما على الصعيد البيئي، فقد حمل عام 2025 مؤشّرات أولية، وإن كانت غير حاسمة، على اقتراب انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية من بلوغ ذروتها. ورُغمَ أنَّ العالم لا يزال بعيدًا من أهداف اتفاق باريس، فإنَّ تباطؤ نمو الانبعاثات يُعَدُّ تطوُّرًا ذا أهمية خاصة للدول النامية، التي تتحمَّلُ العبء الأكبر من آثار التغيُّر المناخي بسبب هشاشة بُنيتها التحتية واعتماد قطاعات واسعة من سكانها على الزراعة.
كذلك، أظهر عام 2025 أنَّ النظام متعدد الأطراف لم يفقد فعاليته بالكامل. فرُغمَ الإخفاقات في بعض الملفات، جرى تحقيق تقدم في مجالات محددة، مثل حماية التنوع البيولوجي البحري وتعزيز قدرة المؤسسات المالية الدولية على الاستجابة للأزمات. كما ساعد تراجع معدلات التضخم في عدد من الاقتصادات النامية، إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، على تخفيف الضغوط الاجتماعية، مدعومًا بانخفاض أسعار السلع الغذائية عالميًا.
غير أنَّ السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحصيلة 2025، بل بما إذا كانت هذه المؤشرات الإيجابية ستشكّل أساسًا لمسارٍ أكثر استقرارًا في العام 2026. وتُشيرُ التوقّعات الأولية إلى أن العام المقبل سيحمل مزيجًا من الفرص والمخاطر، مع بقاء حالة عدم اليقين سمة أساسية للاقتصاد العالمي.
من جهة، يُتوقّع أن تشهد الاقتصادات النامية تحسُّنًا طفيفًا في معدلات النمو، مدفوعًا باستمرار الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية، واتساع نطاق الاقتصاد الرقمي، بما في ذلك أنظمة الدفع الإلكتروني والهوية الرقمية. ومن شأن هذا التوسُّع أن يعزز الشمول المالي، ويحسّن كفاءة الدولة، ويدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي عوامل أساسية لخلق فرص العمل.
كما يُرجّح أن يستمرَّ التحوُّل في أنماط التجارة العالمية، مع تعمّق روابط التجارة جنوب–جنوب، وتزايد أهمية الخدمات والسياحة والاقتصاد الأخضر. وقد تستفيد الدول التي نجحت في تنويع اقتصاداتها خلال السنوات الماضية من هذا التحوُّل، مقارنة بتلك التي لا تزال تعتمد على صادراتٍ أوّلية محدودة القيمة المضافة.
في المقابل، تظل المخاطر كبيرة. فأزمة الديون مُرَشَّحة للاستمرار في العام 2026، مع محدودية الحيِّز المالي لدى العديد من الحكومات، وارتفاع كلفة خدمة الدين. كما إنَّ تراجُع المساعدات الدولية، في ظل انشغال الدول المتقدّمة بتحدياتها الداخلية، قد يُقيّدُ قدرة الدول الأشد فقرًا على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية.
إلى جانب ذلك، لا تزال النزاعات الجيوسياسية والتوتّرات الإقليمية عامل عدم استقرار رئيسًا، فضلًا عن المخاطر المناخية المتزايدة، من موجات جفاف وفيضانات وكوارث طبيعية، يُتوقع أن تزداد حدتها وتكرارها خلال العام 2026، ما لم تُعزّز جهود التكيّف والإنذار المبكر.
في المحصّلة، تقف الاقتصادات النامية مع مطلع 2026 عند مفترق طرق. فقد أظهر العام 2025 أنَّ التقدُّمَ ممكن حتى في ظروف بالغة الصعوبة، لكنه أكد أيضًا أنَّ هذا التقدم هشٌّ وغير مُتكافئ. وسيعتمدُ مسار العام الجديد إلى حد كبير على قدرة هذه الدول على تحويل المكاسب الجُزئية إلى إصلاحاتٍ بنيوية أعمق، وعلى استعداد المجتمع الدولي لدعم مسار تنموي أكثر شمولًا واستدامة، في عالمٍ باتت فيه الأزمات هي القاعدة لا الاستثناء.
- هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.



