العنفُ بلا عَلَمٍ وطني: عَصرُ الأمنِ الخاص في الخليج
لم يَعُد احتكارُ الدولة لاستخدامِ القوة أمرًا مُسَلّمًا به في الخليج، مع الصعود المُتسارِع لشركات الأمن الخاصة كلاعبين أساسيين في إدارة الصراع والحماية. وبين الخصخصة والحروب بالوكالة، يتشكّلُ نمطٌ أمني جديد يُعيدُ رسم حدود السيادة والعنف في المنطقة.

الدكتور محمد سلامي*
في خضمِّ المشهد القاتم الذي ترسمه الحرب الأهلية في السودان، تكشفُ تقاريرٌ حديثة عن مُعطى يُثيرُ قدرًا متزايدًا من القلق: دائرة القتال لا تقتصرُ على أطرافٍ سودانية، بل تتّسع لتشمل مقاتلين أجانب. فقد أظهرَ تحقيقٌ أجرته وكالة الصحافة الفرنسية أنّ مئاتٍ من الجنود الكولومبيين السابقين يشاركون في المعارك إلى جانب قوات “الدعم السريع” شبه العسكرية، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مواجهة الجيش السوداني. ووفقًا للتحقيق، جرى استقطابُ هؤلاء المقاتلين مقابل أجورٍ مرتفعة من قبل شركة أمنية خاصة مقرّها الإمارات العربية المتحدة، تُدعى “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية”، التي استخدمت تطبيق “واتساب” ومنصّات التواصل الاجتماعي كقنواتٍ للتجنيد.
ويأتي هذا النمط من الاستعانة بالمرتزقة في سياقِ تحوُّلٍ أوسع نحو صيغةٍ جديدة من الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ يَعكِسُ توجُّهًا جديدًا لدى بعض الدول الخليجية، وفي مقدّمها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، لإعادة تعريف أدوات إدارة الصراع المسلّح. فبدلًا من الاعتماد الحصري على الجيوش النظامية أو القوى الوكيلة التقليدية، باتت هذه الدول تميلُ بصورةٍ متزايدة إلى الاستعانة بشبكاتٍ من الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، غالبًا ما ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بدوائر النفوذ الحاكمة، بما يُغيّرُ ملامح الصراعات الإقليمية ويُعقِّدُ دينامياتها.
يُسهم التوسّع غير المنضبط في الاستعانة بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة في إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي على نحوٍ يمسُّ جوهر سيادة الدولة على المجالين العسكري والأمني، ويُقوِّضُ احتكارها المشروع لاستخدام القوة. وفي هذا السياق، تتحوَّلُ القدرة على التعاقد مع هذه الشركات إلى مصدرِ نفوذٍ بحدِّ ذاته، بما يتيح لمَن يمتلك “جيوشًا مُستَأجَرة” تجاوز القيود السياسية والقانونية الداخلية، والانخراط في ساحات قتال متعدّدة في وقت واحد، فضلًا عن التهرّب من المساءلة القانونية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، عبر اللجوء إلى آليات “الإنكار المعقول” ونقل المسؤولية إلى أطرافٍ وسيطة.
وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، ظلّ استخدام القوة لدى دول الخليج محصورًا، في الغالب، ضمن أُطُرِ الجيوش الوطنية التقليدية، الخاضعة لهياكل عسكرية وأمنية رسمية واضحة. غير أنَّ التحوُّلات الدولية المتسارعة أفرزت اتجاهًا متناميًا نحو الاستعانة بشركات أمنية خاصة لتأمين مشاريع محدّدة أو تنفيذ مهام أمنية متخصّصة. ومع مرور الوقت، تعزّزت قناعة لدى عدد من الدول بأنَّ هذا الخيار يُوفّر كلفة أقل ويحدُّ من الخسائر البشرية المباشرة. وبالتوازي، اتّجهت شركات تجارية، ولا سيما العاملة في القطاعات الاستخراجية، إلى جانب منظّمات غير حكومية وهيئات دولية، إلى التعاقد مع هذه الشركات لحماية موظفيها وبُناها التحتية، خصوصًا في بيئات النزاع وعدم الاستقرار.
وشكّل اعتماد الولايات المتحدة على شركات أمنية خاصة، مثل “بلاك ووتر”، خلال غزو العراق عام 2003، (واعتماد روسيا بعدها على مجموعة فاغنر) مؤشِّرًا مُبكّرًا لفت انتباه دول الخليج إلى الإمكانات التي يتيحها هذا النموذج. غير أنّ اللجوءَ الواسع إلى هذه الشركات لم يتبلور إلّا في أعقاب “الربيع العربي” عام 2011، ثم مع صعود تنظيم “داعش” عام 2014، وبلغ ذروته مع اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2015. ومنذ ذلك الحين، برزت الإمارات بوصفها الطرف الأكثر نشاطًا في توظيف الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في مسارح نزاع متعدّدة، من اليمن وليبيا إلى السودان ومنطقة القرن الأفريقي، في حين لجأت المملكة العربية السعودية إلى هذا الخيار بدرجةٍ أقل، سواء في اليمن أو ضمن مشاريع اقتصادية ونفطية كبرى داخل أراضيها.
تتجلّى أسبابُ انجذابِ دول الخليج إلى شركات الأمن الخاصة في تضافر ثلاثة مسارات متوازية: أوّلها تبنّي سياسات اقتصادية ليبرالية فتحت المجال أمام خصخصة قطاعات كانت تُعَدُّ سيادية؛ وثانيها تحوّل الأمن والخبرات المُرتبطة به إلى سلعةٍ قابلة للتعاقد والتسويق؛ وثالثها إدماج هذه الشركات ضمن منظومات أمنية “هجينة” تمزج بين الرسمي وغير الرسمي، وبين المحلّي والعابر للحدود، بما يمنحها أدوارًا تتجاوز الوظائف الأمنية التقليدية.
ويبرزُ الفارق الجوهري بين شركات الأمن الخاصة في السياق الغربي ونظيراتها في دول الخليج من حيث طبيعتها وحجمها ودوافعها ومستويات الشفافية التي تخضع لها. ففي الدول الغربية، تؤدّي هذه الشركات دورًا مُكمِّلًا للقوات النظامية، وتعمل ضمن أُطُرٍ قانونية ورقابية صارمة تحدُّ من هامش حركتها. أمّا في دول الخليج، وبفعل ضعف آليات الرقابة والمساءلة، فقد تحوّلت هذه الشركات في كثيرٍ من الحالات إلى بدائل استراتيجية للقوات الرسمية، تُستدعى لأداء مهام واسعة النطاق، تبدأ بالعمليات العسكرية العابرة للحدود ولا تنتهي عند المراقبة الأمنية الداخلية.
ويزدادُ هذا المشهد تعقيدًا بفعل غموض الحدود الفاصلة بين الدولة والقطاع الأمني الخاص في عدد من دول الخليج، حيث تنسج هذه الشركات علاقات وثيقة مع شبكاتٍ أمنية نافذة وشخصيات مقرّبة من العائلات الحاكمة. ويُعَدُّ إريك برينس، مؤسّس شركة “بلاك ووتر”، مثالًا دالًا على هذا التداخُل. فبعد خروجه من شركته، جرى تعيينه مستشارًا أمنيًا لدى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حين كان وليًا لعهد أبوظبي، قبل أن ينتقلَ إلى الإمارة عام 2010 ويؤسّس وحدة “ريفلكس ريسبونسز” (Reflex Responses)، وهي قوة تضمّ نحو 800 مقاتل أجنبي، وُضعت في خدمة دولة الإمارات، بما يعكس نمطًا جديدًا من الخصخصة العميقة للأمن والدفاع.
في الوقت الذي ينصبُّ قدرٌ كبير من التحليل على التنافسات الجيوسياسية ومعادلات الأمن الإقليمي، لم تَعُد شركات الأمن الخاصة تُختَزَلُ اليوم في دور “الحرّاس المسلّحين”. فقد اتّسع نطاقُ مهامها ليشمل طيفًا واسعًا من المسؤوليات الأمنية المُتقدّمة، من الحماية المادية التقليدية إلى الأمن السيبراني، والمراقبة، وتحليل المخاطر، والاستشارات الأمنية، وحماية المعلومات، وتأمين البنى التحتية الرقمية. وهي مجالاتٌ باتت تُمثّلُ احتياجات متنامية تعجز القوات النظامية التقليدية، في كثير من الأحيان، عن تلبيتها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ويلعب الاقتصاد الرقمي دورًا محوريًا في دفع هذا التحوّل، إذ تُقدَّر قيمة سوق خدمات الأمن في المنطقة بنحو 14 مليار دولار، فيما تعمل أكثر من 67 في المئة من شركات الأمن الخاصة على توسيع قدراتها الرقمية، بالتوازي مع ارتفاع الاستثمارات في الأمن السيبراني بأكثر من 20 في المئة خلال السنوات الأخيرة.
ويُعدّ هذا المسار وثيق الارتباط بوتيرة النمو الاقتصادي المتسارعة في المملكة العربية السعودية، ولا سيما في ظل إطلاق مشاريع عملاقة ذات طابع مستقبلي، في مقدّمها مشروع مدينة “نيوم”. فمثل هذه المبادرات تتطلّب منظومات أمنية متكاملة تجمع بين الحماية الميدانية والأمن السيبراني وإدارة المخاطر. ونتيجة لذلك، يُتَوَقَّعُ أن تشهدَ سوق الأمن المادي في المملكة، التي تُقدَّر قيمتها حاليًا بنحو 1.24 مليار دولار، نموًا يقارب الضعف ليصل إلى نحو 2.36 ملياري دولار بحلول العام 2031.
وفي ظلِّ هذا الطلب المتزايد، لم تعد الهياكل الأمنية التقليدية، كالشرطة والجيش، قادرة وحدها على تلبية المتطلّبات المتشعّبة لهذه المشاريع. ويعكس ذلك انتشار نحو 300 شركة مرخّصة لإدارة المشاريع الأمنية داخل المملكة، من بينها شركات دولية كبرى مثل “سيكوريتاس” (Securitas) و”ألّايد يونيفِرسال” (Allied Universal)، التي تتولّى مسؤوليات حماية عدد من المشاريع الاستراتيجية. وقد تعزّز هذا النموذج أكثر مع استضافة المنطقة لفعاليات رياضية عالمية كبرى، من بينها كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر، والتي اعتمدت بدورها على شراكاتٍ أمنية مع شركات وخبرات من تركيا والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، ما رسّخ دور القطاع الأمني الخاص كعنصرٍ أساسي في معادلة الأمن الإقليمي المعاصر.
يرافق التوسّع المتزايد في توظيف الشركات الأمنية الخاصة داخل دول الخليج تداعيات عميقة على المستويين الوطني والإقليمي، تتجاوز آثارها المباشرة لتطال، في المدى البعيد، إعادة صياغة مفاهيم الأمن ذاتها، وإضعاف ركائز الدولة الحديثة ومؤسّساتها الرسمية.
على المستوى الوطني، يتمثّل الأثر الأبرز في تشتّت السلطة وتآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة. فعندما تُسنِد الدول مهام أمنية واستخبارية، أو حتى أدوارًا ذات طابع شبه عسكري، إلى شركات خاصة، يصبح الحدّ الفاصل بين الأجهزة الرسمية والفاعلين الأمنيين غير الحكوميين أقل وضوحًا. وتبرز في هذا السياق قضية “مشروع رايفن” في دولة الإمارات، حيث عمل موظفون سابقون في وكالة الأمن القومي الأميركية كمقاولين خاصين على اختراق هواتف وأجهزة حاسوب معارضين إماراتيين، من دون إشرافٍ مباشر من الشرطة أو أجهزة الاستخبارات الرسمية. وتكشف هذه الحالة كيف انتقلت ممارسة القوة القسرية إلى حيّز شبه خاص، بما يقلّص قدرة مؤسسات الدولة على التحكُّم الحصري بأدوات العنف والمراقبة.
أما الأثر الثاني، فيتجلّى في نشوء هياكل أمنية مزدوجة ومتوازية. إذ تؤدّي خصخصة الأمن، سواء في بُعدِهِ الاقتصادي أو الوطني، إلى ظهور كيانات تعمل جنبًا إلى جنب مع الجيوش ووزارات الداخلية والدفاع والحرس الوطني أو حرس القصر، من دون أن تكونَ مُندَمجة رسميًا في بُنيتها المؤسّسية. ويترتّب على ذلك تعميق التنافس بين الأجهزة، وازدياد الغموض في توزيع الصلاحيات، وتراجع مستويات الشفافية والمساءلة الأمنية. ويُعدّ مثال “قوات الحزام الأمني” التابعة لـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن دالًا على هذا المسار؛ فهذه القوات، التي تلقت منذ العام 2015 تمويلًا وتدريبًا من الإمارات، تحوّلت إلى قوة شبه مستقلة تفرض سيطرتها على بنى تحتية حيوية، مثل المطار والموانئ ومراكز الاحتجاز في عدن، ما يجعلها، بحكم الأمر الواقع، مؤسّسة أمنية موازية تعمل خارج إطار الدولة اليمنية الرسمية.
ثالثًا، تبرزُ تبعات متنامية ناجمة عن الاعتماد المتزايد على القوى العاملة الأجنبية في قطاع الأمن الخاص. إذ يستعين العديد من الشركات العاملة في دول الخليج بعناصر آتية من دولٍ مثل نيبال والسودان وأوغندا وكينيا وكولومبيا. وتشير دراسة أعدّها الباحث الأكاديمي محمد ساليسو حول قطاع الأمن الخاص في قطر إلى أنَّ عمليات الاستقطاب في بعض مناطق غرب أفريقيا غالبًا ما تتجاوز التدقيق الكافي في السجلّات الجنائية للمرشحين، ما يرفع احتمالات توظيف أفراد ذوي سوابق عنف أو نشاطات إجرامية. ومع مرور الوقت، قد يُسهِمُ هذا الخلل البنيوي في زيادة مخاطر العنف المنظّم وعدم الاستقرار الأمني.
إقليميًا، يُسهم اتساع دور شركات الأمن الخاصة في ترسيخ مفهوم الأمن بوصفه سلعة قابلة للتبادل، ويُغذّي سباقات التسلّح غير المعلنة، كما يُضفي طابعًا مؤسّسيًا على التدخُّلات بالوكالة. ويتميّزُ هذا النموذج بانخفاض كلفته السياسية والمادية، ما يجعله قابلًا للاستنساخ بسهولة من قبل فاعلين إقليميين آخرين. وفي هذا السياق، تبدو كلٌّ من إيران وتركيا من بين الدول الأكثر قدرة على تبنّي هذا النهج، ولا سيما عبر شركات أمنية خاصة مثل “سادات”، التي تُنسّق أنقرة من خلالها استخدام مقاتلين سوريين في أدوار بالوكالة ضمن ساحات إقليمية مختلفة.
وفي المحصّلة، يُنذِرُ هذا المسار بتشكُّلِ بُنيةٍ أمنية جديدة في الشرق الأوسط، تقومُ على الشبكات الخاصة والقوى الوكيلة بدلًا من مؤسّسات الدولة الوطنية. وهو تَحَوُّلٌ يحمل في طيّاته مخاطر جسيمة على منطقةٍ تُعاني أصلًا من هشاشةٍ بُنيوية، بفعلِ الحروب الأهلية وتشابك الصراعات الإقليمية، ويُهدّدُ بمزيدٍ من تآكل مفاهيم السيادة والاستقرار في المدى الطويل.
- الدكتور محمد سلامي هو محلّل سياسي وخبير في الشؤون الدولية، وهو باحثٌ في المعهد الدولي للتحليل الاستراتيجي العالمي.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.