هل نَعيشُ عَصرَ “قانون الحَجّاج الدولي”؟

الدكتور داوود البلوشي*

هل نَعيشُ اليوم عصرًا يمكن تسميته بـ”قانون الحَجّاج الدولي”؟ سؤالٌ قد يبدو صادمًا، لكنه يفرضُ نفسه كلما تابعنا كيف تُدارُ السياسة العالمية، وكيف يُطبََّقُ القانون، وكيف تُحدََّدُ قيمة الإنسان والدولة في ميزان القوة.

حين قال الحَجّاج بن يوسف عبارته الشهيرة: “إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها”، لم يَكُن يُطلِقُ تهديدًا عابرًا، بل كانَ يُعبّرُ عن منطقِ سلطةٍ ترى البشر موارد قابلة للإزالة، والقتل إجراءً إداريًا، والحكم حقًّا مُطلقًا لا تحدّه مُساءلة. في تلك العبارة، تحوّلَ الإنسان إلى ثمرة، وتحوّلت السلطة من فكرةِ حُكم إلى مُمارَسة امتلاك. قد يبدو هذا المنطق اليوم جُزءًا من تاريخٍ دموي بعيد، لكنه في الحقيقة لم يختفِ، بل تطوّرَ، وتبدّلَ شكله، وارتدى لغةً أكثر تهذيبًا: لغة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والأمن العالمي.

الفرقُ أنَّ الحَجّاج كان فردًا يُلوِّحُ بالسيف، أما اليوم فالحَجّاج منظومةٌ عالمية بلا اسم، لا تحتاجُ إلى سيف ولا إلى خطبة، بل تكتفي بقراراتٍ، وعقوبات، وبيانات، وحقّ النقض.

بعد الحرب العالمية الثانية، بُني نظامٌ دولي على وعدٍ أخلاقي كبير: أَلّا تتكرَّر المآسي، وأن يخضعَ الجميعُ لقانونٍ واحد. أُُنشِئت الأمم المتحدة، وصيغ القانون الدولي، وتأسّست المحاكم الجنائية، وكأن العالم قرّرَ أن يستبدلَ منطقَ القوة بمنطق العدالة. لكن ما تكشفه اللحظة الراهنة هو أنَّ هذا النظام فَقَدَ قدرته على الإلزام، وتحوَّلَ من مرجعيةٍ إلى واجهة، ومن قانونٍ إلى أداةٍ انتقائية.

غزّة تُقصَفُ وتُدَمَّرُ أمام أعيُنِ العالم، فيما تُشَلُّ العدالة بالفيتو. اليمن يُستَنزَفُ لسنوات، ويُختَزَلُ في حسابات الملاحة والتجارة. العقوبات تُفرَضُ خارجَ أيِّ مسارٍ قضائي، وتُعاقََبُ شعوبٌ بأكملها باسم القانون. لم يَعُد القانون الدولي حَكمًا، بل لغة تُستَخدَمُ حين تخدُمُ موازين القوة، وتُهمَلُ حين تُصبحُ عبئًا عليها.

في هذا السياق، تبرز حالة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بوصفها مثالًا كاشفًا. فالرجلُ مُتَّهَم بالاستبداد والانتهاكات، لكن جوهر القضية لا يكمن في تبرئته أو إدانته، بل في طريقة التعامل معه. هل يحقُّ لدولٍ بعينها أن تُسقِطَ نظامًا سياسيًا عبر العقوبات والخنق الاقتصادي، من دون تفويضٍ أممي، ومن دون محكمة، ومن دون مسارٍ قانوني شفاف؟ ما يجري مع فنزويلا لا يشبه محاسبة قانونية بقدر ما يشبه إدارة إسقاط: عقوباتٌ أحادية، تجفيف مالي، تشويه إعلامي، ومحاولات تغيير سياسي مغلّفة بخطابٍ ديموقراطي. هنا لا يعمل القانون، بل منطق القطاف: رأس خرج عن الدور، وحان وقت إزالته.

ولم يعد هذا “القطاف” بحاجة إلى جندي أو سيف. العقوبات تقتل ببطء، والخوارزميات تُصنِّفُ الدول إلى صديقة وعدوّة وفائضة عن الحاجة، والذكاء الاصطناعي بات أداةً لإدارة التهديد لا أداة للمعرفة. القتل اليوم اقتصادي، رقمي، وقانوني الشكل، وهو أخطر من العنف المباشر، لأنه يُمارَس بلا دم ظاهر، وبلا محاسبة واضحة.

في المقابل، تتجلّى المفارقة الصارخة في حالة بنيامين نتنياهو. رئيس حكومة مُتَّهَم بجرائم حرب موثَّقة في غزة، ومع ذلك يظلُّ محميًّا من مُساءلةٍ فعلية، رُغمَ وجودِ محكمةٍ جنائية دولية. هنا لا يُعاقََبُ الحاكم بلا محاكمة، بل تُشَلُّ المحاكمة لحماية الحاكم. ليس بسبب غياب الأدلّة، بل بسبب وجود مظلّة سياسية. في منطق “قانون الحَجّاج الدولي”، لا تُقطَفُ كلُّ الرؤوس؛ وحدها الرؤوس الخارجة عن الدور تُستَهدَف، أما الرؤوس الوظيفية فتُترك… إلى حين.

وهنا يبرز السؤال الأخطر: مَن يُقرِّرُ أنَّ الرأس قد أينع؟ لم يَعُد القرار بيد القانون، ولا الأخلاق، ولا المؤسسات الدولية. القرارُ اليوم تصنعه موازين القوة، والأسواق، والطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات غير المُعلَنة. غزة، فنزويلا، باب المندب، إيران؛ ليست ملفّات مُنفصلة، بل مواسم مختلفة في حقلٍ واحد، تحكمه قاعدة واحدة: مَن يخرج عن المعادلة، يُصبحُ هدفًا.

وفي هذا الإطار، لا يكون نتنياهو استثناءً، بل جُزءًا من المنظومة نفسها. فالحمايةُ التي يحظى بها اليوم ليست أخلاقية ولا قانونية، بل وظيفية ومؤقتة. التاريخُ القريب يُعلّمنا أنَّ هذا النظام لا يمنحُ حصانة أبدية. صدام حسين لم يَكُن فوق هذا القانون، ولا غيره ممن اعتُبِروا أدوات ضرورية، ثم تحوّلوا إلى عبء.

في عالمٍ تحكمه القوة لا العدالة، لا يُطرَح السؤال: من ارتكب الجريمة؟ بل: هل ما زال يؤدّي الدور؟ وعندما يكون الجواب لا، تُصبحُ الرؤوس فجأة “قد أينعت”. هكذا نعود إلى الحَجّاج، لا بوصفه شخصية تاريخية، بل كقانون مُعَولَم: لا أحد فوقه، ولا أحد خارجه، والجميع مُؤقَّتون في موسم القطاف.

  • الدكتور داوود البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى