في مَديحِ المُبادِر

راشد فايد*

لافتٌ أن “نتنسّمَ” التخطيط لدى حكومة تصريف الأعمال التي، يوم كانت قيد “التنفيذ”، لم تُبدِ شيئًا من ذلك، ولا يُغفَر لها، ومَن سَبَقَها، أنها كانت مُنشَغِلة بمفاوضاتِ الترسيم البحري تحت ظلال الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين، أو الأزمات المعيشية وارفة الظلال على كل البلاد. فالحُكمُ استباق، ولولا ما ندر من مبادرات إلى وضع استراتيجيات على الورق، إن توافرت، فإن تداولَ السلطة لم يكن يومًا سوى تبادُلٍ للحقائب الوزارية ضمن البيت السياسي الواحد، أيّ الأحزاب والتيارات والكتل، بحيث يبقى السرّ الوزاري تحت “جلد” كل منها، فيندر أن تُفضَحَ مَكامِن التقصير، ولا يلومَنَّ أحدٌ أحدًا، وإن فعل، فمن باب “التنمير” السياسي، أو استدعاء مُقايضة لا يدري كنهها سوى مُدبِّريها.

هلّ “نسيم” التخطيط اليوم من لدن وزير الزراعة عبّاس الحاج حسن، بإعلانه توجه لبنان نحو زراعة القمح والقنب، كونه “من بين الدول الأكثر تضرّرًا جرّاء الهجوم الروسي على أوكرانيا”، مُعلِنًا العزم على وضع خططٍ لزراعة “القمح الطري” المُستَخدَم في صناعة الخبز العربي.

يرزح لبنان منذ أكثر من عامين تحت وطأة أسوَإِ أزمةٍ اقتصادية في تاريخه، وزاد من أزماته الإرتفاع الكبير في الأسعار العالمية للسلع الغذائية والوقود، ما أدّى إلى مُضاعفة مُعاناة معظم اللبنانيين الذين فقدوا قدرتهم الشرائية على مدى عامين نتيجة تدهور الليرة مقابل الدولار.

جديدُ الحال البائسة في لبنان إعلان الوزير التوجّه إلى وَضعِ خِططٍ لزراعة “القمح الطري” وفضحه المستور، وهو أن “بعض التجار والسياسيين وأصحاب المصالح الخاصة كانوا يُعرقلون سابقًا النهوض بهذا القطاع”.

الحقيقةُ التي واربتها الطبقة السياسية منذ الإستقلال، وربما قبله، وإلى اليوم، هي أن التجارة قوّضت الصناعة والزراعة باستمرار، وفي كل العهود، لسهولة جني المال تحت مظلة الإحتكارات، وتواطؤات الكسب السريع، ما أدّى، حتى، إلى القضاء على الصناعات الوسيطة، حينًا بحجّةِ غلاءِ اليد العاملة المحلّية، وأحيانًا بحجّة القدرة التنافسية، وفي ذلك ما يفسّر أن المغتربين العائدين إلى لبنان، “أيام العز”، لم يُنشِئوا مشاريع إنتاجية، بل اتجهوا إلى مشاريع سياحية، سهلة المال، قليلة العمالة.

منذ الإستقلال وإلى اليوم، لم يستنكف المسؤولون عن رمي الوعود باللبن والعسل، والجدالات العقيمة التي تدفن الآمال، وأغلبها زائف لزوم الإستقطاب الشعبي، كالوعد بزراعة تبغ السيجار ومثله زراعة القنب الهندي الموعود بها من 2018، والتي أتاح القانون اللبناني، سنة 2020، زراعتها لأغراض طبية وصناعية، ولم تُشكَّل، حتى اليوم هيئة تنظيمية لها، ولم تُوضَع المراسيم التطبيقية المؤاتية، فيما يتردّد أن عائداتها السنوية قد توازي المليار دولار، وأن لبنان هو الرابع عالميًا بإنتاجها.

اللافت أن في هذه الحكومة مَن يُقْدِم على تقديم رؤية جدية لعلاجِ وجهٍ من وجوه الأزمة، فلا يقف مكتوف الأيدي، حاليًا على الأقل، ويُقدّم خلافًا للآخرين، كأولئك الذين يتفرّجون على العتمة، فلا يحلّون مشكلة الكهرباء، ولا يحلّون احتكارها لشركة كهرباء لبنان، ولا يرفعون أيديهم عن وزارة الطاقة، ويتمسّكون بحرمان اللبنانيين من حقّهم في استخراجها من الطاقة الشمسية، فلا يُصَلّون ولا يتركون لغيرهم أن يُصَلّي.

  • راشد فايد هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني. يُمكن متابعته عبر تويتر على: @RachedFayed
  • يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى