هل يَمنَعُ الفلسطينيون إعادةَ “تعريبِ” قَضِيَّتِهِم؟

محمّد قوّاص*

يَعتَرِفُ جيلٌ عربي وفلسطيني عايش القضية الفلسطينية قبل عقود، بأنها لم تعد “قضيّة العرب الأولى”. بعضُهم يَستفيقُ على حقيقةٍ أخرى فيها كثيرٌ من المرارة وهي أنها لم تكن يومًا كذلك. في ذاكرة ذلك الجيل وتقييمه أن نُخَبًا ترعرعت على هذا “القدر”، وراحت تنفخ في فضاءاتها النضالية رياحَ الذَودِ عن القضية إيمانًا بعدالتها، وبعضُها ذهبَ على نَحوٍ مُغرضٍ وانتهازيٍّ إلى درجة المُزايدة على أصحابها.

تذهب استنتاجاتٌ مُثيرة للجدل إلى أن العرب كانوا تخلّوا عن “قضيتهم الأولى” حين أنشَؤوا منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964 وجعلوها شأنًا فلسطينيًا يتصارع الفلسطينيون عليه وداخله. على هذا باتت فلسطين قضية الفلسطينيين، فيحظون بالدعم والتأييد والنقد ومواقف أخرى تتقلب وفق مصالح محسوبة لبلدانٍ في المنطقة وإدمان بلدان أخرى على الشعبوية للاستهلاك المحلّي وداخل تيارات إقليمية عابرة للحدود.

لكن استنتاجات أخرى، أغلبها فلسطيني، وجدت في قيامِ كَينونةٍ سياسية فلسطينية مُنفَصِلة عن الكينونات العربية نصرًا للقضية وسياقًا يُخلِّص الشأن الفلسطيني من محدودية الهامش الدولاتي العربي داخل المجموعة الدولية. وهو تطورٌ يتناسل مما كان الزعيم الراحل ياسر عرفات يُنادي به لصون “القرار الفلسطيني المستقل”.

وتجنّبًا لأيِّ جدلٍ عقيم حول وظيفة قيام منظمة التحرير في الأجندة العربية وداخل القراءة التاريخية الفلسطينية، فإن التحوّلات الفلسطينية جنحت عن سابقِ تصوّرٍ وتصميم نحو مزيد من فلسطينية الرأي والرؤى على النحو الذي أنتج اتفاقات أوسلو في العام 1993 وأنشأ السلطة الفلسطينية إثر ذلك. لكن ما أُريدَ له أن يكون قرارًا مُستقلًّا برّر وفسّر انكفاءً عربيًا، تحوّل إلى عملية “استفراد” أملت إسرائيل وحدها قوانينها وقواعدها ومآلاتها.

والواضح أن عَزلَ فلسطين عن وعائها العربي جرى برعايةٍ فلسطينية بمشاركةِ كل الفصائل والأرجح بتشجيع العرب أنفسهم. إرتضى الفلسطينيون، وفق ذلك، ما راقَ للعرب من دعمٍ للقرار الذي يتّخذه الفلسطينيون أنفسهم من دون أيِّ تدخّلٍ أو وصاية. ولم يكن ذلك “الزهد” العربي يُمثّل بالضرورة إحترامًا لاستقلالية القرار الفلسطيني بقدر ما كان يكشف عدم اهتمامٍ بشأنٍ لم يعد “القضية الأولى”، ناهيك بظهور أولويات داهمة أخرى أكثر إلحاحًا.

فقدان فلسطين لحاضنتها العربية أدّى إلى تطورَين مَنطقيَين.

الأول، حين أدّت دينامية “انشقاق” فلسطين عن العرب إلى استيلاد دينامية كيميائية لاحقة ولّدت انشقاقًا فلسطينيًا داخليًا.

والثاني، أن غيابَ الحاضنة العربية، وربما نفور الفلسطينيين منها ومن تجارب التدخّلِ والوصايات السابقة، قاد حكمًا، ووفق قوانين الطبائع السياسية، إلى استدراج حواضن بديلة.

إنقسمت الحالة الفلسطينية بين حركتَي “فتح” و”حماس” فصائليًا، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة جغرافيًا. باتت دولٌ مثل تركيا وإيران توفّر فضاءات ومرجعيات جديدة ودخيلة على المسارات الفلسطينية منذ العام 1948.

وعليه فإن “القرار المستقل” بات فعلَ عزلة عن الدوائر العربية، وهو فاقدٌ لأيِّ استقلالٍ في ارتهان بعض الفصائل لأجندات أنقرة وطهران ومصالحهما الإقليمية والدولية. زادت أيضًا حدّة التباعد في خطاب فلسطينيي 48 عن فلسطينيي غزة، من جهة، وفلسطينيي الضفة، من جهة أخرى، حتى باتت المشاركة العربية في الحكومات الإسرائيلية (خصوصاً ظاهرة منصور عباس أخيرًا) عادية تخضع لوجهاتِ نظرٍ لها مَن يؤيّدها وينظّر لضروراتها.

والواضح أن الاتفاقات الإبراهيمية لم تأتِ إلّا على قاعدة تحوّلات دولية عربية تختلف عمّا كان عليه الأمر في عقودِ الصراع الماضية. ولم تقم أيضًا إلّا على حقيقةِ أمرٍ واقعٍ فلسطيني استغرق كثيرًا في صراعاتٍ داخلية حول السلطة في رام الله، وحول التنافس مع غزة، من دون وجود أيّ سياسات خلّاقة وجريئة بإمكانها إخراج المأزق الفلسطيني من حالة الانسداد العبثي الذي لا أفقَ منظورًا له.

ومع ذلك فإن الخطابَ الفلسطيني ما زال مُكابرًا، ينهل من ظواهر المقاومة والصمود التي تُحرِجُ القيادة الفلسطينية في الضفة والقطاع، لتوجيه اللوم إلى ما تبدّلَ في مزاجِ العرب من دون بذل أيِّ جهدٍ ناضجٍ لفهم التحوّلات وإجادة قراءتها وحسن التعامل الحذق معها. حتى أن الديبلوماسية الفلسطينية البطيئة تكاد تكون عاجزةً فاقدةً لرشاقتها في الوصل مع العواصم العربية أو على الأقل مع العواصم المعنية والمُنخَرِطة بالشأن الفلسطيني.

والحال أن تلك البلادة لا تنتج فقط من ضغوط الاحتلال الموجعة المُتَحَجِّرة حول يمينٍ عنصريٍّ مريض، بل هي ثمرة قناعة مستمرة بالتمسّك بـ”القرار المستقل”، ليس بصفته أداةَ صونٍ للكينونة الفلسطينية، بل بصفته من قواعد الانفصال/الانعزال عن البيئة العربية. بمعنى آخر، وبغضّ النظر عمَّن بات قرارهم رهن أجندات عواصم غير عربية، فإن الدينامية السياسية الفلسطينية ما زالت غير معنية بأن تكون للقضية حاضنة عربية هي شرط وليست ترفًا لأيِّ تحرّك فلسطيني في هذا العالم.

وفي مواسم التوتّر الميداني الفلسطيني – الإسرائيلي يطغى الخطاب الشعبوي العاطفي بنسخه البريئة وتلك المحسوبة للتصويب على أصوات العقل واغتيالها عبر كتائب الذباب الإلكتروني العاملة وفق الأوامر والتعليمات. والظاهر أن لا خطط في رام الله وغزة لإخراج المأزق الفلسطيني من فلسطينيته المحدودة (وحتى من حسابات “المقاطعة” السلطوية وحسابات “حماس” الغزّيّة)، والزجّ به من جديد داخل يوميات العرب واهتماماتهم وجعل قضيتهم مُعرّبة أو ذات بُعدٍ عربيٍّ وازن وإن لم تعد “القضية الأولى”. ولئن تتحرّك العواصم العربية بزعمائها ووزراء خارجيتها للاهتداء إلى ديناميات جديدة لتحريك ملف فلسطين، إلّا أن علّة فلسطينية مُقلقة تقف وراء ترهّل الجسد السياسي وتجعله مشلولًا أمام عالمٍ يتغيّر ليست حرب أوكرانيا إلّا واحدة من تجلّياته.

  • محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر تويتر على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى