الباجي قائد السبسي مات مُعزَّزاً في وقتٍ حرج

بقلم عرفان نظام الدين*

يُجمع التونسيون على اعتبار ان وفاة الرئيس التونسي المخضرم الباجي قائد السبسي قد خلطت الأوراق وأعادت البلاد الى حالة القلق والترقب وسط صراعٍ بين الأحزاب العديدة واتحاد الشغل، وصراع خفي بين الإتجاهات الدينية وعلى رأسها حزب “النهضة” الإسلامي بقيادة راشد الغنوشي والإتجاهات العلمانية وحركات المجتمع المدني.
في المقابل هناك مطامع دولية وصراعٌ بين القوى المُترَبّصة بالمنطقة في مرحلة إعادة رسم خرائط جديدة، وتقاسم مناطق النفوذ، من دون ان ننسى التهديد الاكبر المُتمثّل بالإرهاب، الذي ارتكب عمليات تفجير وإطلاق رصاص واغتيالات عدة، وما زال ينشط بدعم لوجستي خارجي من الخطر الآتي من ليبيا، وخطر الخوف من الفوضى على الكتف الآخر من الجزائر.
ولا شكّ ان الرئيس قائد السبسي، الذي مات عن ٩٢ عاماً من عمره، قد خدم تونس في شتى المراحل التي عاشتها بكل ما فيها من صراعات واضطرابات ومخاطر كرئيس الديبلوماسية عندما تولى قيادة وزارة الخارجية، وكسياسي محنك في رئاسة الوزراء ثم كمنقذ للبلاد بتوليه رئاسة الجمهورية في المرحلة الإنتقالية ثم كرئيس أصيل.
كان قائد السبسي بحق رجل الإنقاذ والفرصة الذهبية لتونس ولنفسه واسمه وتاريخه. ومارس مهامه بذكاء وحنكة وحكمة، وتعامل مع الجميع بحياد وعمل كبيضة القبان بين القوى المتصارعة. ومن هنا ياتي الإجماع على اعتبار ان وفاته جاءت في وقت حرج وستخلط الأوراق بين المتنافسين وتثير المخاوف من فراغ دستوري، خصوصاً وأن البلاد تقف على قاب قوسين وأدنى من موعد استحقاقات انتخابات تشريعية ورئاسية في تشرين الاول (اكتوبر) وتشرين الثاني ( نوفمبر) .
وإذا كان قائد السبسي أنقذ تونس، فإنه أنقذ نفسه واسمه وسمعته ومات مُعزَّزاً مُكرّماً. ولم تلحق به لعنة السلطة التي التهمت كل من سبقه من القيادات التي عرفتُها عن كثب، وأجريت حوارات صحافية وتلفزيونية مع معظمها من الرئيس الحبيب بورقيبة الذي مات بعد أن عزله انقلاب غادر بقيادة زين العابدين بن علي الذي لقي المصير الأسود عندما أطاحته ثورة الياسمين، أولى حركات “الربيع العربي”.
ولقيت زوجة بورقيبة السيدة وسيلة نهاية حزينة بعدما كانت حاكمة تونس الفعلية لسنوات عدة. وقد طلّقها زوجها قبل عزله بتحريض من داخل القصر، وماتت نسياً منسياً. ولقي معظم رؤساء الحكومات السابقين مصيراً مماثلاً مثل محمد المزالي الذي فرّ الى خارج تونس ومات بعد عودته من المنفى بوقت قصير.
وفي الختام لا بدّ من الإعراب عن تقدير واحترام الشعب التونسي الذي ناضل ضد الإستعمار الفرنسي والتطرف والإرهاب والديكتاتورية، ونجح في تطوير وإنماء بلاده في شتى المجالات في اجواء من الثراء العلمي والسياسي والأدبي والفني والانساني رغم قساوة الظروف المُحيطة بتونس.
رحم الله الرئيس قائد السبسي، وأعان تونس على اجتياز هذه المرحلة الحرجة كما فعل حكيم تونس الذي عرفته لعقود عدة وفي مناسبات من بينها واحدة طريفة، فقد كان الرئيس الراحل بورقيبة في زيارة لفرنسا يستقبل الضيوف في مبنى السفارة في باريس، ودُعيت لمقابلته، وعندما دخلت عليه بعد وفد فرنسي إستقبلي بحرارة وهو يحدثني بالفرنسية ويقول لي انا احبكم وانا صديق مخلص لفرنسا، فتنبه قائد السبسي، وكان برفقته كوزير للخارجية، وسارع ليقول للرئيس هذا عرفان الصحافي الذي اجرى معك مقابلات عدة، ولمعت عينا بورقيبة وعادت اليه الذاكرة التي كان يفتقدها في مراحل حياته الاخيرة وقال بثقة : طبعاً أعرفه هوعرفان صديق تونس، وهو اخبرني مرة انه يتحدث الفرنسية . نجح ذكاء بورقيبة في تجنب الإحراج، وعُجبت كيف تذكّر اني قلت له مرة اني تعلمت الفرنسية عندما درست في مدرسة “الليسيه”.

• عرفان نظام الدين هو كاتب، إعلامي وصحافي عربي، كان رئيساً لتحرير صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية والمستشار العام والمشرف على البرامج والأخبار في محطة “أم بي سي” التلفزيونية. يمكن التواصل معه على البريد الإلكتروني التالي: arfane@hotmail.co.uk أو متابعته على: www.facebook.com/arfan.nezameddin

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى