الضرائب بين الحق والواجب والنصب

بقلم عرفان نظام الدين*

المبدأ العمول به في العالم المُتحضّر يقوم على الموازنة بين الحقوق والواجبات في ميزان الضرائب الذي تمسكه الدولة وفق قيم العدل والمساواة. فالمواطن يحصل على الحقوق والخدمات التي تؤمّنها السلطة من أمن وضمان إجتماعي وصحّي وعمل ومواصلات وطرق، وكل ما يؤمّن الرفاهية والراحة، مقابل ان يدفع المواطن الضرائب المستحقّة بكل رضا واقتناع وطيب خاطر.
ولهذا بات معروفاً ان لا ولاء ولا واجب على المواطن ولا ضريبة يدفعها إن لم يحصل على حقوقه الكاملة وبينها حقه في الحرية والعيش الكريم والمشاركة في اتخاذ القرارات وإدارة شؤون الدولة والرقابة على الحسابات ومصادر الدخل ومجالات الصرف .
هذه مبادئ عامة منطقية، ومعمولٌ بها في معظم الأحيان في الدول الديموقراطية، لتأمين العدالة بين الحقوق والواجبات، إلّا أننا بكل أسف نفتقد هذه الميزة في معظم الدول العربية، بحيث يتحوّل المواطن الى بقرة حلوب تستنزف طاقته، وتفرض عليه ضرائب ورسوم تُثقل كاهله، من دون أن يحصل على الحد الأدنى من الحقوق والخدمات.
ومع الأيام تحوّلت عملية فرض الضرائب والرسوم الى عملية نصب تمصّ دم المواطن المسكين. ففي كل أنحاء العالم تُخترَع أسبابً ومناسبات لا حدود لها من ضرائب على المسكن، وعلى شمّ الهواء، “وحراسة وكناسة”، مع عدم وجود هذا الأمر إلّا باإاسم في غياب الأمن، وانتشار النفايات في الشوارع، ووصل الامر في الغرب الى فرض ضريبة غريبة أطلقوا عليها اسم الضريبة المُضافة (VAT)، بدات بسبعة في المئة، ووصلت الى حدود ال٢٠ في المئة، أي ان دافع الضرائب عليه أن يدفع إضافة الى ما يدفعه من ضريبة دخل وربح وغيرها هذه النسبة على كل سلعة يشتريها، وسرعان ما تلفقتها الدول العربية وفرضتها من دون رحمة.
ويبدو ان النصب أمر قديم قدم التاريخ، يعرفه القاصي والداني، لأنه مصدر الدفع وخزان الالم بلا أمل. فقد تلقيت رسالة من صديق يُعطي مثلاً فاضحاً عن هذه الممارسات، جاء فيها ان الخليفة المنصور أعلن مرة ان كل رجل في بغداد يستحق خمسة دراهم من بيت المال، فتوافد الرجال ودوّنوا أسماءهم وقبضوا دراهمهم ومضوا.
فاستطاع المنصور إحصاءهم، وبعد شهرين أعلن عن وجوب جباية أربعين درهماً، فتيسّر جمعها مُسجِّلاً أسرع وأدقّ حركة إحصاء عرفها التاريخ، مُعتمداً على ثقته بقدرته على اصطياد الطامعين. فاحذروا الوقوع في الإغراء المؤدي الى الدفع الفوري؟ فقد تتكرر حيلة المنصور الذكية كل يوم.

• عرفان نظام الدين كاتب، إعلامي وصحافي عربي مخضرم، كان رئيساً لتحرير صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية والمستشار العام والمشرف على البرامج والأخبار في محطة “أم بي سي” التلفزيونية. يمكن التواصل معه على البريد الإلكتروني التالي: arfane@hotmail.co.uk أو متابعته على: www.facebook.com/arfan.nezameddin

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى