لا دياسپورا ولا انتشار بل… مَهَاجر

هنري زغيب*

في اللغة، “هَجَرَ: تَرَكَ المكانَ كُرهًا أَو يأْسًا، فأَعرضَ عنه وقاطعَهَ نهائيًّا بلا رُجعى ولا تَوَاصُل.. مَصدرُها الهَجْر أَو الهِجران”.. بينما “هَاجَرَ: انتقلَ من موطنه إِلى آخَر، اطِّلابًا فُسحةَ أَمنٍ أَو رزْقٍ، أَو حياةً أَفضل، لظروف خاصةٍ أَو عامةٍ، وقد يعود إِذا هذه انتفَت.. مصدرُها: الـمُهاجَرة أَو الهِجرة”.. الفرقُ إِذًا في المعنى والاستعمال وفي البُنْية الصرفية والدلالية اللغوية..

في هذا السياق الدلاليّ خطأُ استعمال كلمَتَي “الاغتراب” و”الانتشار” لشعبنا في أَيِّ هُناك.. فلبنانيُّونا في العالم ليسوا “مغتربين” (كاغتراب الغُرباء النازحين)، ولا “مُنتشرين” (كانتشار قطعان الإِبل شَتَاتًا كيفما اتَّفَق).. الأَصح لهم: تعبير “الهِجرة” (لا الهَجْر) لأَن اللبنانيين “مُهاجرون” مهما طالت هِجرتهم.. من هنا عبارات: “دائرة الهِجرة” و”وزارة الهِجرة” و”معاملات الهِجرة”، و”الأَدب “الـمَهجري”، ومنه “الرابطة القلمية” و”أُدباء الـمَهجر الأَميركي” وجريدة “الـمُهاجر” (لأَمين الغريب في نيويورك 1903)..

إِنَّما الأَكثر خطأً حيال هوية اللبنانيين: تعبير “الدياسپورا”.. أَبدًا.. مش صحيح.. اللبنانيون في العالَم ليسوا “دياسپوريين” بلا وطن.. وليس من “دياسپورا” لبنانية.. اللبنانيون وسْعَ العالم مُشعُّون ساطعون ناجحون، ووطنُهم الأَصلُ موجود: لبنان، وفيه أَرضُهم الأُمّ.. لذا ليسوا أَبدًا مشرَّدين في شَتات “الدياسپورا”، ولن يكونوا..

أَفْضَلُ ما وجدْتُهُ في هذا الموضوع: تحديدُ كريستين شُـڤِـيُّـون (رئيسة دائرة الجغرافيا والأَنتروپولوجيا لدى “المجلس الوطني الفرنسي للأَبحاث العلمية”) في كتابها الصادر عن المركز: “الدياسپورا السَوداء في الأَميركَتَين” (2004)، خلُصَت فيه إِلى أَنّ “الدياسپورا هي شعبٌ مشرَّدٌ من أَرضه الأَصلية، وحرمانُهُ من العودة إِليها.. وهي عملية اجتماعُو-سياسية تتمثَّل بدفْع قبائلَ أَو شعوبٍ إِلى الانتقال من مَوَاطنهم إِلى أَماكنَ بعيدةٍ، وإِسكانِهِم في مناطقَ ضمن دُوَلٍ يخضعون لسيادتها”..

“الدياسپورا” باليونانية القديمة: الشَتَات والتشتُّت، وتعني شعوبًا ضائعةً مشرَّدةً في كل اتجاه، لا وطنَ لها، وتَبحث عن موطنٍ أَو تغتَصب أَرضًا وتحتلُّها.. وفي لغات أُخرى تعني “المنفى”.. فهل هذا وضْعُ اللبنانيين في العالم؟ هل هم مُشَتَّتون ضَياعًا، ومنفيُّون تشرُّدًا خارج وطنهم، وما عاد لهم وطَن؟ في تحديداتٍ شائعة أُخرى أَنَّ “الدياسپورا” تعني “شعوبًا متفرقةً في الشَتَات ضاعت مَواطنُها الأَصلية فلا عودةَ لهم إِليها”.. هل هذا وضْعُ اللبنانيين في العالم؟ هل ضاع وطنُهم لبنان؟ هل ضاعت أَرضُهم الأَصلية؟ هل شُرِّدوا من أَرضهم الأُمّ وباتوا محرومين من العودة إِليها؟ هل يَنطبق هذا التوصيف على اللبنانيين الـمُهاجرين في بقاع الأَرض وما عادت لهم أَرضٌ في مَوطنهم الأَصلي؟

في استعمالٍ حديثٍ اتَّخذَ المصطلَح معنى “هِجرة شعبٍ تَشَرَّدَ لاجئًا لدى شعوب غريبة أُخرى، مسلُوخًا عن ثقافته ولغَته وجُذُوره”. فهل هذا وضْع اللبنانيين في العالم؟ هل هم مُشرَّدون غرباء في أَوطان الآخرين، مُهجَّرون من ثقافتهم اللبنانية ولُغَتهم الأُم وجُذُورهم الأَصلية فلا عودةَ لهم إِليها؟

ليس الجوابُ لديَّ بل لدى أُولئك اللبنانيين الرائعين في كل أَرضٍ وبلادٍ، مُشْرِقين لدى كلِّ شعبٍ هاجَروا إِليه حاملين ثقافتَهم ولغتَهم وجُذُورَهم.. نجحوا وأَبدعوا، وظلُّوا ملْتفِتين إِلى أَرضهم الأُم تضُجُّ بالحياة والخصوبة والبيادر، فلا هي ضائعة وليسوا هُم مشرَّدين بلا وطن.. أَرضُ لبنان الأُمّ ليست مفقودةً بل موجودةٌ بكامل تراثها، ولو مُصابةٌ بفَسَاد سُلطةٍ تتحكَّم بشَعبها فتُهَجِّرُه من دولته.. لكنَّ الحاكمين المتحكِّمين زائلون، والأَرضُ الأُمُّ باقيةٌ، والـمُهاجرون منها حنينٌ دائمٌ إِليها مهما طالت هِجْرتهم.. وفي قلوبهم ووجدانهم أَيقونةُ الرجوع إِلى أَرض الوطن (لا إِلى الدولة) عودةَ الأَولاد إِلى حضْن أُمٍّ تنتظر عند فتحة الباب..

إِذًا: “الدياسپورا” إِهانةٌ للُّبنانيين في العالم.. ليسُوا في الشَتات مُشَرَّدين بل مناراتٌ، حيثما حلُّوا يَشعُّ نورُهم حتى يَبْلُغَ أَرضَهم الأُمَّ، وفي قلبهم دومًا لبنانُ الوطن النبع والمصدر والمآل..

لذا: لا “الدياسپورا”، ولا بلدان “الانتشار”، ولا “دُول الاغتراب”، بل: “الـمَهَاجر اللبنانية”.. وفي “مَهَاجِرِنا” مُهاجرون أَوفياء يحملون أَبهى هوية حضارية للحضور اللبناني الساطع في العالم.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى