سوريا والطاقة: ثروةٌ تحت الأرض أم قوّةٌ على خريطةِ الممرّات؟

بين إرث الحرب وسباق الاستثمارات والممرات الإقليمية، تقف سوريا أمام فرصةٍ لإعادة رسم دورها في اقتصاد الطاقة. لكن تحويل الموقع الجغرافي إلى ثروة حقيقية يتطلّب أكثر من اكتشافات نفطية واتفاقات دولية.

أحمد الشرع أمام تحدّي إعادة بناء قطاع الطاقة السوري.

محمد الحلبي*

قد لا تصبح سوريا قوة نفطية كبرى في الشرق الأوسط، لكنها قد تتحوّل إلى واحدة من أهم نقاط الالتقاء في خريطة الطاقة الإقليمية. فالدولة التي خرجت من حربٍ طويلة بإنتاجٍ نفطي مُتراجِع وشبكات كهرباء مدمَّرة، تقع عند تقاطع طرق تربط حقول العراق بالبحر المتوسط، وأسواق الخليج بتركيا وأوروبا، وشبكات الغاز في المشرق بموانئه ومراكز استهلاكه. وهذه المفارقة تختصر فرصة اقتصادية استثنائية، لكنها تطرح سؤالًا أكثر أهمية من حجم الموارد المتاحة: هل تستطيع سوريا تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر مستدام للدخل والاستثمار والنمو، أم أنَّ المنافسة على ممرّاتها ستُعيد إنتاج أنماط التبعية والنفوذ التي أثقلت اقتصادها طوال عقود؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، أخذ قطاع الطاقة موقعًا متقدّمًا في جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري وإعادة وصل البلاد بمحيطها الإقليمي والدولي. فقد فتحت التحوّلات السياسية وتخفيف العقوبات أبوابًا أمام شركات ومستثمرين غابوا عن السوق السورية سنوات طويلة، فيما بدأت دول الجوار إعادة النظر في مشروعات للنفط والغاز والكهرباء والنقل كانت الحرب قد عطّلتها. غير أنَّ عودة الاهتمام الدولي لا تعني بالضرورة عودة القدرة الإنتاجية. فسوريا تدخل هذه المرحلة وهي تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومؤسسات فعّالة، بينما تتنافس حولها مصالح اقتصادية وجيوسياسية قد تتقاطع أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى.

من انهيار قطاع الطاقة إلى تحديات إعادة البناء

قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج نحو 400 ألف برميل من النفط يوميًا، إلى جانب نحو 30 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وكان إنتاجها السنوي من الكهرباء يقترب من 49 مليار كيلوواط ساعة. ولم تجعلها هذه القدرات من كبار المنتجين في المنطقة، لكنها وفّرت قاعدة مهمة للنشاط الصناعي والخدمات والإيرادات العامة. ومع امتداد الحرب، تراجعت عمليات الاستخراج، وتوزّعت السيطرة على الحقول، وتعرّضت المنشآت وشبكات النقل لأضرار واسعة. وبحلول عام 2016، انخفض إنتاج الكهرباء إلى نحو 8.5 مليارات كيلوواط ساعة، ولم يتجاوز 12.9 مليارًا عام 2023، رغم بعض التحسُّن اللاحق. وهكذا انتقلت سوريا من امتلاك قطاع طاقة قادر على دعم اقتصادها إلى الاعتماد المتزايد على الواردات والمولّدات الخاصة والحلول المؤقتة.

والخسارة هنا أكبر من قيمة النفط والغاز والكهرباء المفقودة. فانقطاع التيار يرفع تكاليف الإنتاج، ويحدُّ من قدرة المصانع على المنافسة، ويعطّل شبكات المياه والمرافق الصحية، ويُثقل موازنات الأُسَر. لذلك فإنَّ إصلاحَ الكهرباء ليس مجرّد استجابة لحاجة اجتماعية ملحّة، بل شرط لإعادة تشغيل الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل. ولا يمكن الحديث بجدية عن إعادة إعمار واسعة ما دامت المنشآت الإنتاجية عاجزة عن الحصول على طاقة مستقرّة وبكلفة معقولة. وتؤكد ضخامة الاحتياجات التمويلية صعوبة المهمة، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنَّ إعادة بناء البنية التحتية السورية تتطلّب عشرات المليارات من الدولارات، يستحوذ قطاع الطاقة على حصة كبيرة منها.

لكن الحرب لم تترك وراءها منشآت مدمَّرة فحسب، بل نظامًا اقتصاديًا معقّدًا لإدارة الموارد. فقد اعتمد النظام السابق على الإمدادات النفطية الإيرانية، بما فيها ترتيبات ائتمانية وتجارية افتقرت إلى الشفافية، فيما حصلت شركات روسية على امتيازات في الاستكشاف والإنتاج. ووصل تداخل المصالح العسكرية والتجارية إلى منح شركات مرتبطة بمجموعة “فاغنر” حصصًا من عائدات بعض الحقول مقابل استعادتها أو حمايتها. ونتجت عن تلك المرحلة التزامات ومطالبات مالية لا يزال حجم بعضها وطبيعته القانونية موضع خلاف، خصوصًا في العلاقة مع طهران وموسكو. وهذا الإرث يضع السلطات الجديدة أمام تحدٍّ يتجاوز إعادة تشغيل الحقول: كيف تستعيد الدولة السيطرة الاقتصادية على مواردها، وتمنع تحوُّل الإيرادات المستقبلية إلى وسيلةٍ لتسوية صفقات الماضي أو تمويل شبكات مصالح جديدة؟

من هذه الزاوية، تبدو إعادة تنظيم قطاع الطاقة مسألة سيادة اقتصادية بقدر ما هي مسألة استثمار. فقد أنشأت السلطات الشركة السورية للبترول ضمن إعادة هيكلة المؤسسات النفطية، وأعلنت توجُّهًا نحو استقطاب الخبرات الدولية وتطوير الإنتاج. لكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على وضوح العلاقة بين الدولة بصفتها واضعة للسياسات، والشركات الحكومية بصفتها مشغّلة ومُستثمرة، والجهات المسؤولة عن التنظيم والرقابة. فالمشكلة ليست في وجود شركة وطنية قوية، بل في أن تجمع المؤسسة نفسها بين التفاوض على العقود وتنفيذها ومراقبة الالتزام بها. وعندما تغيب الحدود الواضحة بين هذه الوظائف، ترتفع مخاطر تضارب المصالح، وتتراجع قدرة الدولة على حماية حقوقها في مواجهة الشركات الكبرى.

وفي الأجل القريب، تبدو استعادة الكهرباء أكثر إلحاحًا من الطموحات النفطية بعيدة المدى. فقد بدأت سوريا تنويع مصادر الغاز اللازم لمحطات التوليد، بعدما وصلتها إمدادات أذربيجانية عبر تركيا في آب (أغسطس) 2025. وفي كانون الثاني (يناير) 2026، وقّعت دمشق وعمّان اتفاقًا لتزويد سوريا بنحو أربعة ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا عبر الأراضي الأردنية، مستفيدتين من منشآت استقبال الغاز الطبيعي المسال في العقبة وخط الغاز العربي. وتكشف هذه الترتيبات عن تغيُّرٍ مهم: فسوريا التي عانت عزلة طويلة بدأت تستعيد موقعها داخل شبكات الطاقة الإقليمية، فيما أصبحت تركيا والأردن شريكين أساسيين في تحسين إمداداتها الكهربائية.

غير أنَّ الاعتماد على الغاز المستورَد، وإن ساعد على تخفيف الأزمة، لا يوفّر حلًّا دائمًا لأمن الطاقة. فالإمدادات العابرة للحدود تبقى مُعرَّضة لتقلبات الأسعار والتوترات السياسية وتعطُّل البنية التحتية. لهذا تحتاج سوريا إلى استراتيجية تجمع بين تأهيل الحقول المحلية، وتحسين كفاءة محطات التوليد، وإصلاح الشبكات، وتنويع مصادر الطاقة. وتكتسب الطاقة الشمسية والرياح أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط لتقليل الاعتماد على الوقود، بل أيضًا لإمكان توفير الكهرباء للمناطق الصناعية والزراعية والمرافق العامة عبر مشروعات موزَّعة يمكن تنفيذ بعضها بوتيرةٍ أسرع من المحطات التقليدية الكبرى. وقد شهدت البلاد بالفعل الإعلان عن استثمارات واتفاقات في هذا المجال، لكن تحويلها إلى قدرات إنتاجية فعلية يتطلّب تمويلًا مستقرًّا وشبكات حديثة وأنظمة تخزين وقواعد واضحة لشراء الكهرباء وتسعيرها.

أما في قطاع النفط والغاز، فقد أعادت التطوّرات السياسية فتح الباب أمام شركات دولية كبرى. وبرزت اتفاقات مع “شيفرون” الأميركية وشركاء قطريين لاستكشاف المياه السورية، إلى جانب تفاهمات أخرى تضم “توتال إنرجيز” الفرنسية و”قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس” الأميركية. وتكتسب هذه الخطوات أهمية تتجاوز قيمتها الاستثمارية المباشرة، لأنها تشير إلى تغيُّر نظرة الشركات الدولية إلى السوق السورية وإلى إمكان عودة التكنولوجيا ورؤوس الأموال الغربية. لكن من الضروري التمييز بين مذكرات التفاهم، وعقود الاستكشاف، والاكتشافات التجارية، وقرارات الاستثمار النهائي. فوجود اهتمام دولي بالمياه السورية لا يعني ثبوت احتياطيات قابلة للإنتاج، كما أنَّ تطوير أي اكتشاف بحري قد يستغرق سنوات ويتطلب إنفاقًا كبيرًا قبل تحقيق أول إيراد.

ثروة الممرّات: سوريا في قلب المنافسة الإقليمية

تبرز هنا مفارقة اقتصادية ينبغي أن تُوجِّه السياسة السورية: فحتى إذا نجحت البلاد في زيادة إنتاجها النفطي والغازي، فإنَّ مواردها المعروفة لا تجعلها منافسًا لكبار المنتجين في الخليج أو العراق. لذلك قد تكون فرصتها الأكبر في القيمة التي تستطيع إضافتها إلى تجارة الطاقة الإقليمية، لا في حجم ما تستخرجه من أرضها وحدها. فالدولة المنتجة تستفيد أساسًا من بيع مواردها، بينما تستطيع دولة العبور أن تُحقّق عائدات من الأنابيب والموانئ والتخزين والتكرير والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بها. وإذا أحسنت سوريا استثمار هذه الأنشطة، فقد تتحوّل الطاقة إلى محرّك لقطاعات اقتصادية أوسع، بدل أن تبقى مصدرًا محدودًا للإيرادات الحكومية.

ويمثل مشروع إحياء خط أنابيب كركوك–بانياس أبرز اختبار لهذه الإمكانات. فقد عاد المشروع إلى الواجهة مع سعي العراق إلى تنويع منافذ تصدير نفطه وتقليل اعتماده على مضيق هرمز، خصوصًا بعدما أظهرت الاضطرابات الإقليمية حجم المخاطر المرتبطة بتركُّز الصادرات في ممرٍّ بحري واحد. وفي تموز (يوليو) 2026، وُقِّعَت تفاهمات بين العراق وسوريا وشركات دولية لإعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة لإعادة تشغيل الخط. وتحدثت التصوُّرات المطروحة عن قدرة نقل قد تبلغ مليوني برميل يوميًا، لكن المشروع لا يزال يواجه تحديات تمويلية وهندسية وأمنية كبيرة، وتقديرات متفاوتة للكلفة والمدة اللازمة للتنفيذ.

توضّحُ هذه التحديات الفارق بين القيمة الاستراتيجية للمشروع وجدواه التجارية. فالعراق يحتاج إلى طريق تصدير بديل، وسوريا ترغب في عائدات العبور وتنشيط موانئها، والشركات تبحث عن عوائد تبرّر استثمارات بمليارات الدولارات. لكن نجاح الخط يتوقف على حجم النفط الذي سيلتزم العراق بنقله، والتعرفة المُتَّفق عليها، وكلفة إعادة التأهيل، والضمانات الأمنية، وقدرته على منافسة مسارات التصدير الأخرى. كما أنَّ أيَّ اتفاقٍ طويل الأجل يجب أن يُحدِّدَ بوضوح كيفية توزيع الإيرادات والمخاطر بين الأطراف. ومن دون هذه الشروط، قد يتحوّل مشروعٌ ذو جاذبية جيوسياسية كبيرة إلى عبء مالي يصعب تبريره اقتصاديًا.

والأهم أنَّ إحياء كركوك–بانياس لا ينبغي النظر إليه بوصفه مشروع أنبوب معزول. فالقيمة الأكبر قد تأتي من تطوير منظومة متكاملة تشمل المرافئ والخزانات والمصافي والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية. وقد بدأت بالفعل خطوات لإعادة تنشيط حركة النفط العراقي عبر الساحل السوري، فيما تتقدّم خطط لتطوير قدرات التكرير والنقل الداخلي. وإذا ارتبطت هذه الاستثمارات بتطوير الخدمات المحلية وتدريب العمالة السورية، فإنها تستطيع خلق قيمة اقتصادية تتجاوز رسوم العبور. أما إذا اقتصر دور البلاد على مرور النفط عبر أراضيها، فقد تكون مكاسبها أقل بكثير من الأهمية الاستراتيجية التي تمنحها الخرائط للمشروع.

لا تنفصل هذه الرؤية عن المنافسة الأوسع على الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط. فتركيا تعمل على تعزيز ارتباطها البري بسوريا والأردن، مع إمكان امتداد الشبكات نحو الخليج، بينما يسعى العراق إلى تطوير مسارات تصدير وتجارة متعددة. وفي المقابل، يقوم مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا على تصوُّرٍ آخر للربط بين الأسواق الآسيوية والخليجية والأوروبية. ولا تحتاج سوريا إلى التعامل مع هذه المبادرات باعتبارها خيارات متعارضة بالضرورة؛ فمصلحتها تكمن في أن تصبح قادرة على خدمة أكثر من مسار، وأن تستفيد من المنافسة بينها لتحسين بنيتها التحتية وشروطها التجارية.

لكن الموقع الجغرافي ليس ضمانة اقتصادية. فالممرات التجارية لا تُختار على أساس المسافة وحدها، بل وفق الكلفة والوقت والأمان والقدرة على الالتزام بالعقود. وإذا لم تتمكّن سوريا من توفير شبكة نقل موثوقة وإجراءات جمركية فعالة وبيئة قانونية مستقرة، فقد تفضّل الشركات طرقًا أطول لكنها أكثر قابلية للتنبؤ. لهذا فإنَّ إصلاح الإدارة العامة وتسهيل التجارة وحماية الاستثمارات لا يقل أهمية عن بناء الأنابيب والموانئ. فالثقة المؤسسية، في اقتصاد الممرات، جُزءٌ من البنية التحتية نفسها.

وتضيف العلاقات الإقليمية بُعدًا آخر إلى هذه الحسابات. فالسعودية تنظر إلى استقرار سوريا وإعادة دمجها اقتصاديًا في محيطها العربي باعتبارهما جُزءًا من تصوُّرٍ أوسع للترابط الإقليمي، بينما تُركّز الاستثمارات الإماراتية بصورة ملحوظة على الموانئ والخدمات اللوجستية، وتستفيد قطر من خبرتها في الغاز والكهرباء والاستثمارات الطاقوية. أما تركيا فتملك أفضلية جغرافية وبنية تحتية تجعلها شريكًا مباشرًا في الربط شمالًا، فيما يمثل الأردن المعبر الطبيعي نحو الخليج. وهذه المصالح ليست متطابقة، وقد تنشأ بينها منافسة على المشروعات والعوائد والنفوذ. والتحدّي أمام دمشق هو توظيف هذا التعدُّد لمصلحتها الاقتصادية، بدل السماح لأيِّ طرف بتحويل قطاع الطاقة إلى امتدادٍ لنفوذه السياسي.

وتكتسب العلاقة مع الولايات المتحدة أهمية خاصة في هذا المشهد. فقد ساهم تخفيف العقوبات والانفتاح السياسي منذ عام 2025 في تشجيع عودة الشركات الأميركية، لكن الاهتمام الأميركي بسوريا لا يمكن تفسيره بالحسابات التجارية وحدها. فوجود ممرات بديلة لنقل النفط، وتوسيع دور الشركات الغربية، وإعادة ترتيب شبكات الطاقة في المشرق، كلها مسائل تتصل بالمصالح الاستراتيجية لواشنطن وشركائها. غير أنَّ هذا التداخل بين السياسة والاستثمار يفرض ضرورة إضافية للشفافية، خصوصًا في المشروعات الضخمة التي تجمع بين النفوذ الديبلوماسي والعقود التجارية. وقد أعادت تقارير حديثة بشأن مشروع كركوك–بانياس إثارة أسئلة عن تضارب المصالح المحتمل، بما يؤكد أهمية وجود إجراءات تعاقدية ورقابية مستقلة لا تتأثر بمكانة الشركاء السياسيين.

في شرق البحر المتوسط، تواجه سوريا فرصة مختلفة، لكنها لا تقل تعقيدًا. فإمكان وجود موارد بحرية قابلة للاستغلال يفتح مجالًا للاستكشاف، بينما يمنح الساحل السوري موقعًا محتملًا لتصدير الطاقة الآتية من الداخل أو من دول الجوار. إلّا أنَّ تطوير هذا الدور يتطلب معالجة مسائل الحدود البحرية، خصوصًا مع لبنان، فضلًا عن التعقيدات المرتبطة بتركيا وقبرص. ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الملفات؛ فالغموض القانوني بشأن المناطق البحرية قد يرفع كلفة الاستثمار أو يؤخّره، حتى قبل التأكد من وجود اكتشافات تجارية. ومن شأن تفاهم سوري–لبناني على ترسيم الحدود البحرية أن يوفر وضوحًا أكبر للشركات، وأن يشكل خطوة عملية نحو علاقة أكثر استقرارًا بين البلدين.

وللبنان مصلحة مباشرة أيضًا في استعادة التعاون الطاقوي مع سوريا. فمشروعات نقل الكهرباء الأردنية والغاز المصري عبر الأراضي السورية إلى لبنان، التي تعثرت لسنوات، عادت إلى النقاش مع تغير الظروف السياسية وتخفيف القيود الاقتصادية. ويمكن لهذه المشروعات أن تقدم نموذجًا لتعاون إقليمي يحقق منافع واضحة لجميع الأطراف: إمدادات إضافية للبنان، وعائدات عبور لسوريا، وأسواقًا للدول المصدرة. وقد شهد عام 2026 تقدمًا في المحادثات الفنية بين الأردن وسوريا ولبنان، وإن ظلت هناك ترتيبات تعاقدية وتمويلية وبنيوية تحتاج إلى استكمال.

من الاتفاقات إلى التنمية: اختبار المؤسسات والمصلحة الوطنية

مع اتساع هذه الفرص، تبرز ضرورة ألّا تتحوَّل إعادة إعمار الطاقة إلى سباقٍ محموم لتوقيع أكبر عدد من الاتفاقات. فالتجارب في دولٍ خرجت من النزاعات أظهرت أنَّ ضعف المؤسسات قد يحوِّل الاستثمارات الواعدة إلى مصادر جديدة للفساد والتوتر. وتحتاج سوريا، قبل تدفق إيرادات نفطية كبيرة أو الالتزام بمشروعات طويلة الأجل، إلى قواعد واضحة لنشر العقود وإدارة الإيرادات والرقابة على الإنفاق، وإلى خبرات قانونية وفنية تستطيع التفاوض مع الشركات الدولية من موقعٍ يحمي المصلحة العامة. كما ينبغي أن تخضع الالتزامات المالية الموروثة من مرحلة الحرب لمراجعة مستقلة، حتى لا تصبح عبئًا غامضًا على موارد الدولة المستقبلية.

ولا يقلُّ البُعدُ الاجتماعي أهمية عن الحسابات الاستثمارية. فإصلاح قطاع الكهرباء قد يستدعي تعديل التعرفات وتقليص الهدر والدعم غير الفعّال، لكن أي إصلاح يُحمّل الأسر والمؤسسات أعباء إضافية من دون تحسين ملموس في الخدمة سيواجه صعوبات مشروعة. لهذا يجب أن يرتبط إصلاح الأسعار بزيادة ساعات التغذية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتحسين الجباية، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه. كما ينبغي أن تستفيد الشركات السورية والعمالة المحلية من مشروعات الطاقة، عبر التدريب والمشتريات المحلية والخدمات الهندسية والصناعية، حتى لا تظل إعادة الإعمار مجرّد سوقٍ واسعة للمقاولين والمورّدين الأجانب.

إنَّ التحوّلات الجارية تمنح سوريا فرصة نادرة لإعادة تحديد موقعها الاقتصادي، لكنها لا تلغي هشاشة المرحلة الانتقالية ولا التحديات التي تراكمت خلال الحرب. فالنفط والغاز المحليان قد يساهمان في تحسين الميزان التجاري وتوفير إيرادات عامة، والطاقة المتجددة قد تخفّف الاعتماد على الواردات، والممرّات الإقليمية قد تفتح مصادر جديدة للدخل. غير أنَّ القيمة الحقيقية لهذه العناصر ستتحدد بقدرة الدولة على جمعها ضمن استراتيجية اقتصادية واحدة، بدل التعامل معها بوصفها مشروعات منفصلة تتقدم بحسب أولويات المستثمرين والشركاء الخارجيين.

لقد كانت الطاقة خلال الحرب السورية أداة للصراع والنفوذ، لكنها تستطيع في مرحلة إعادة البناء أن تصبح رافعة للتعافي والتكامل الإقليمي. وقد لا تمتلك سوريا ثروة نفطية تضاهي ثروات كبار المنتجين، إلّا أنها تمتلك موقعًا يربط أسواقًا وموارد وممرات متعددة. لكن تحويل هذه الجغرافيا إلى ازدهار ليس قدرًا محتومًا؛ إنه مشروعٌ اقتصادي ومؤسسي طويل الأمد، يبدأ بإعادة الكهرباء إلى البيوت والمصانع، ويمرُّ ببناء الثقة مع المستثمرين والجيران، وينتهي بقدرة الدولة على ضمان أن تخدم ثروة الموقع الجغرافي السوريين أولًا.

  • محمد الحلبي هو مراسل “أسواق العرب” في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى