المافيا بلا مسدَّس… حينَ يُصبحُ المال القذر اقتصادًا “نظيفًا”

لم تَعُد أخطر شبكات الجريمة المنظّمة تلك التي تفرض حضورها بالرصاص، بل التي تستطيع تحويل أرباح المخدّرات والتهريب إلى شركات وعقارات واستثمارات تبدو قانونية. هنا تبدأ المعركة الأصعب: عندما يصبح المال القذر جُزءًا من الاقتصاد “النظيف”.

من المافيا المسلحة إلى إمبراطوريات المال… تغيّرت الأدوات، لكن الجريمة المنظمة لم تفقد قدرتها على النفوذ.

ميشال مظلوم*

لوقتٍ طويل، ارتبطت صورة المافيا في المخيّلة العامة بالمسدس والابتزاز والاغتيالات والسيطرة على الأحياء والمدن. لكن أخطر التحوّلات التي شهدتها الجريمة المنظمة خلال العقود الأخيرة ربما يتمثّل في قدرتها على الابتعاد من هذه الصورة، من دون أن تتخلّى بالضرورة عن العنف، والانتقال إلى فضاء أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا: الشركات والموانئ والعقارات والمناقصات وسلاسل التجارة والاستثمارات.

فالمافيا الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى السيطرة على الشارع كي تصبح قوة مؤثرة. وقد يكون أكثر فاعلية بالنسبة إليها أن تمتلك شركة نقل أو بناء، أو مطعمًا وفندقًا، أو تدخل سوق العقارات، أو تستفيد من شركة استيراد وتصدير تبدو أعمالها طبيعية تمامًا.

هذا التحوُّل لا يعني أنَّ النشاط الإجرامي التقليدي تراجع. على العكس، يشهد واحد من أهم مصادر تمويل الجريمة المنظمة ــتجارة الكوكايين ــ توسُّعًا غير مسبوق. لكن المشكلة لم تعد مقتصرة على المخدرات التي تعبر المحيطات والموانئ، وإنما تمتد إلى ما يحدث للأموال الناتجة منها بعد بيعها.

فالمال الإجرامي لا يكتسب قوته الكاملة عندما يُجمع، بل عندما يصبح قابلًا للاستخدام من دون أن يثير الشبهات: عندما يتحوّل إلى شركة وعقار واستثمار وعقد تجاري وأصل مالي. وهنا تبدأ الحدود بين اقتصاد الجريمة والاقتصاد المشروع في التلاشي.

من تجارة المخدرات إلى اقتصاد الجريمة

تكشف سوق الكوكايين العالمية حجم التحوُّل الذي شهدته الجريمة المنظمة. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ الإنتاج غير المشروع من الكوكايين مستوى قياسيًا قدره 3708 أطنان في 2023، فيما ارتفع عدد مستخدميه عالميًا من نحو 17 مليونًا في 2013 إلى 25 مليونًا بعد عقد. وبات الكوكايين من أسرع أسواق المخدرات غير المشروعة نموًا في العالم.

وتحوّلت أوروبا إلى إحدى الساحات الرئيسة لهذا التوسع، ليس فقط بوصفها سوقًا استهلاكية كبيرة، بل باعتبارها عقدة لوجستية ومالية تسمح للشبكات بالانتقال من تهريب المخدرات إلى إدارة الأرباح الناتجة منها.

وفي موازاة اتساع السوق، تغيّرت طبيعة الشبكات نفسها. فالصورة التقليدية للكارتيل الذي يسيطر بصورة رأسية على سلسلة كاملة من الإنتاج والنقل والتوزيع لم تعد وحدها النموذج السائد. ظهرت هياكل أكثر مرونة، تستطيع الاستعانة بوسطاء وشبكات متخصصة في النقل والتخزين والتوزيع والتشفير وغسل الأموال، واستبدال إحدى الحلقات عند سقوطها من دون انهيار المنظومة كلها.

وتؤكد أحدث معطيات منظمة “يوروبول” أنَّ القدرة على التكيّف أصبحت إحدى السمات الأساسية للجريمة المنظمة الأوروبية. ففي تقرير أصدرته في حزيران (يونيو) 2026، قالت الوكالة إنَّ 76 في المئة من الشبكات التي صُنفت في 2024 بين الأكثر تهديدًا لم تعد ضمن الفئة نفسها نتيجة عمليات أمنية أو تفكك وإعادة هيكلة وتغيّر مستوى التهديد، لكن 533 شبكة جديدة ظهرت في المقابل. أي أنَّ نجاح السلطات في تفكيك تنظيمات بعينها لا يعني بالضرورة تراجع المنظومة الإجرامية، التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

وتظهر هذه المرونة بوضوح في الموانئ الأوروبية. فالحاويات التي تحمل الفاكهة والمواد الغذائية والسلع الصناعية عبر طرق التجارة العالمية توفر أيضًا غطاءً مثاليًا لإخفاء المخدرات. ولا تحتاج الشبكات الإجرامية إلى بناء بنية لوجستية خاصة بها عندما تستطيع اختراق بنية موجودة أصلًا.

قد يكفي موظف فاسد، أو الوصول إلى بيانات حاوية، أو شركة استيراد، أو مستودع، أو حلقة داخل سلسلة النقل لتسهيل مرور شحنة تساوي عشرات الملايين من اليوروات.

وهذا يفسر لماذا أصبحت موانئ مثل “أنتويرب” و”روتردام” و”هامبورغ” ساحات مركزية في المواجهة مع شبكات المخدرات. لكن الميناء ليس سوى بوابة الدخول. فبعد وصول المخدر وبيعه، تبدأ العملية الأكثر تعقيدًا: إدخال العائدات إلى الاقتصاد القانوني.

وهنا لا تبقى المسألة أوروبية تمامًا بالنسبة إلى القارئ العربي. فالموانئ التي تستهدفها هذه الشبكات تقع داخل منظومة تجارة عالمية واحدة ترتبط بها الموانئ والأسواق العربية يوميًا، كما تتحرك عبرها السلع ورؤوس الأموال والاستثمارات بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذلك فإنَّ تطور الجريمة المنظمة من تهريب البضائع المحظورة إلى استغلال التجارة المشروعة وحركة رأس المال يحمل دلالات تتجاوز الحدود الأوروبية.

وتشير تقديرات مختلفة إلى أنَّ جزءًا محدودًا فقط من الأموال الإجرامية التي تدخل الدورة المالية يمكن تعقبه ومصادرته. وهذه الفجوة هي التي تمنح اقتصاد الجريمة قدرته على النمو، لأنَّ الأموال التي تنجو من أجهزة المكافحة تستطيع العودة إلى السوق في صورة مختلفة تمامًا.

وهنا تحديدًا يمكن فهم التحول في مفهوم المافيا. فالتنظيم الذي ينجح في تهريب طن من الكوكايين يحقق عملية إجرامية ناجحة، لكن التنظيم الذي يستطيع تحويل أرباح هذا الطن إلى عقارات وشركات ومشاريع قانونية يكون قد حقق شيئًا أكثر أهمية: تحويل الجريمة إلى ثروة قابلة للاستمرار.

حين يدخل المال القذر إلى الاقتصاد “النظيف”

تكشف خريطة الجريمة المنظمة في أوروبا أنَّ استخدام الاقتصاد المشروع ليس ظاهرة هامشية. ففي تحليل لـ821 من أخطر الشبكات الإجرامية، وجدت “يوروبول” أنَّ 86 في المئة منها تستخدم هياكل أعمال قانونية، سواء لدعم أنشطتها الإجرامية أو غسل أرباحها أو الحد من احتمال اكتشافها. كما إنَّ أكثر من 70 في المئة من تلك الشبكات تلجأ إلى الفساد لتسهيل أنشطتها أو تعطيل عمل أجهزة إنفاذ القانون والقضاء. وهذه النقطة تُغيّر طبيعة المشكلة جذريًا.

فالشركة التي تستخدمها شبكة إجرامية ليست بالضرورة شركة وهمية بعنوان مزيف وحساب مصرفي فقط. قد تكون شركة حقيقية تمامًا: لديها موظفون ومكاتب وفواتير وزبائن، وتبيع سلعة أو تقدم خدمة فعلية. لكن وظيفتها الأخرى، غير المرئية، قد تكون غسل الأموال أو تسهيل نشاط إجرامي أو إعادة استثمار عائداته.

وقد وثّقت “يوروبول” استخدام شبكات إجرامية شركات قانونية في قطاعات متعددة، من استيراد المنتجات الزراعية إلى الفنادق والمطاعم والعقارات والخدمات التجارية. والميزة التي توفرها هذه الشركات مزدوجة: تمنح النشاط الإجرامي غطاءً مشروعًا، وتوفر في الوقت نفسه وسيلة لتحويل الأرباح غير المشروعة إلى أموال تبدو طبيعية. وهنا يظهر أحد أكثر الآثار الاقتصادية خطورة لغسل الأموال.

فالشركة الطبيعية تحتاج إلى تحقيق ربح من نشاطها كي تستمر. عليها دفع الرواتب والضرائب والموردين وخدمة الديون، ثم تحقيق هامش يسمح لها بالبقاء والاستثمار. أما الشركة التي تمثل واجهة لرأس مال إجرامي، فقد تعمل وفق حسابات مختلفة تمامًا.

إذا كان الربح الحقيقي تحقق أصلًا من تجارة المخدرات أو التهريب، فإنَّ النشاط القانوني لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق الهامش نفسه. يمكن للشركة أن تقبل بأرباح محدودة، أو أن تتحمل خسائر لفترة، أو أن تقدم أسعارًا يصعب على منافس شرعي مجاراتها، لأنَّ الهدف ليس الربح التجاري وحده، وإنما تحويل المال غير المشروع إلى إيرادات تبدو قانونية.

وتظهر خطورة ذلك في قطاعات مثل البناء والعقارات والمطاعم والفنادق والخدمات، حيث يمكن ضخ مبالغ كبيرة وخلط مصادر مختلفة للإيرادات والنفقات.

وفي فرنسا، على سبيل المثال، كشفت قضية قضائية في جنوب البلاد عن شركات بناء كانت تمارس نشاطًا فعليًا، لكن الاشتباه دار حول استخدامها ضمن شبكة لغسل الأموال. وفي حالات من هذا النوع، يمكن للشركات المدعومة بأموال مصدرها الجريمة أن تعرض أسعارًا تقل بصورة كبيرة عن مستويات السوق، بما يمنحها أفضلية لا تستند إلى الكفاءة أو الإنتاجية، وإنما إلى طبيعة رأس المال الذي يقف خلفها.

وهنا لا يعود غسل الأموال مجرد جريمة مالية، بل يصبح تشويهًا للمنافسة. فالشركة الشرعية قد تخسر العقد، ثم الزبائن، ثم السوق نفسها أمام منافس لا يعمل وفق القواعد الاقتصادية ذاتها. ومع مرور الوقت، تستطيع الأموال الإجرامية شراء مزيد من الشركات والعقارات والأصول، بحيث تتحول من أموال تبحث عن مكان للاختباء إلى رأس مال قادر على إعادة تشكيل أجزاء من الاقتصاد. وهذه هي المرحلة التي تصبح فيها المافيا أقل ظهورًا وأكثر نفوذًا.

ويلخص الكاتب الإيطالي روبرتو سافيانو، الذي أمضى سنوات طويلة في دراسة الجريمة المنظمة، هذه المفارقة بفكرة لافتة: أحد أكبر انتصارات المافيا الحديثة أنها لم تعد مضطرة إلى أن تبدو كالمافيا. فالنفوذ الاقتصادي لا يحتاج دائمًا إلى رجل مسلح أمام متجر. أحيانًا يكفي امتلاك المتجر.

لكن إدخال المال الإجرامي إلى الاقتصاد لا يتم تلقائيًا. شراء العقارات يحتاج إلى وسطاء، وتأسيس الشركات يحتاج إلى خدمات قانونية ومحاسبية، والاستثمارات تحتاج إلى عقود وهياكل مالية، ونقل الملكية يحتاج إلى إجراءات رسمية.

وهنا تظهر أهمية ما يعرف بـ”حراس البوابة”: المحامون والمحاسبون ووكلاء العقارات والموثقون والمستشارون وغيرهم ممن يقفون عند نقاط الانتقال بين المال والأصول القانونية.

ولا يعني ذلك أنَّ هذه المهن متورّطة بطبيعتها، بل إنَّ موقعها يجعلها عنصرًا أساسيًا في اكتشاف العمليات المشبوهة أو، في الحالات التي يحدث فيها تواطؤ، في تسهيلها. ولهذا أصبحت السلطات الأوروبية تركّزُ بصورة متزايدة على توسيع مكافحة غسل الأموال إلى خارج النظام المصرفي التقليدي.

وهذه التجربة تحمل دلالة خاصة للاقتصادات العربية التي تسعى إلى توسيع حضورها في حركة الاستثمار العالمية، وتطوير قطاعات العقارات والسياحة والخدمات المالية والموانئ والتجارة الدولية. فكلما أصبح الاقتصاد أكثر انفتاحًا على رأس المال العابر للحدود، ازدادت أهمية معرفة المستفيد الحقيقي من الشركات والأصول ومصدر الأموال الداخلة إليها. وجذب الاستثمار وحماية سلامة النظام المالي ليسا هدفين متناقضين؛ بل إنَّ قدرة السوق على التمييز بين رأس المال المنتج ورأس المال الباحث عن غطاء قانوني تصبح في حد ذاتها عنصرًا من عناصر الجاذبية الاستثمارية والاستقرار الاقتصادي.

وتكشف هذه المشكلة أيضًا حدود الاستجابة البيروقراطية. فنجاح مكافحة غسل الأموال لا يمكن قياسه فقط بعدد تقارير الاشتباه أو الملفات المفتوحة، بل بحجم الأموال التي يمكن تعقبها وتجميدها ومصادرتها، وبقدرة السلطات على الوصول إلى المستفيد الحقيقي الذي يقف خلف سلسلة الشركات والحسابات.

فالجريمة أصبحت عابرة للحدود، بينما لا تزال أجزاء كبيرة من أدوات إنفاذ القانون وطنية. ويمكن للأموال الانتقال بين دول وشركات وحسابات وأصول خلال وقت قصير، فيما يحتاج التحقيق القضائي إلى طلبات تعاون وإجراءات قانونية قد تستغرق أشهرًا أو سنوات. وهذه الفجوة بين سرعة رأس المال وبطء القانون هي واحدة من أهم نقاط القوة التي تستفيد منها الجريمة المنظمة المعاصرة.

الدرس الإيطالي: اضرب الثروة لا الصورة

ربما تكون إيطاليا الدولة الأوروبية التي دفعت الثمن الأكبر تاريخيًا لفهم هذه المعادلة.

فبعد عقود من المواجهة مع “كوزا نوسترا” و”الكامورا” و”ندرانغيتا”، لم تعد الاستراتيجية الإيطالية تعتمد فقط على اعتقال أعضاء التنظيمات وقادتها، بل تطوّرت نحو استهداف الثروة التي تمنح هذه الشبكات القدرة على البقاء. فالزعيم يمكن أن يُقتل أو يدخل السجن، لكن الشركة والعقار والاستثمار وشبكة المصالح تستطيع الاستمرار بعده.

ومن هنا اكتسبت مصادرة الأصول أهمية مركزية، إلى جانب الإدارة القضائية للشركات والتدابير الوقائية والتشريعات الخاصة بالجريمة ذات الطابع “المافيوي”. والمنطق الذي يقف خلف ذلك واضح: إذا كان المال هو الذي يحوّل المنظمة الإجرامية من مجموعة مجرمين إلى قوة اقتصادية واجتماعية، فإنَّ ضرب المال قد يكون أكثر تأثيرًا من ضرب الأفراد وحدهم.

وتتجه المقاربة الأوروبية بدورها أكثر نحو استهداف النموذج الاقتصادي للجريمة. فـ”يوروبول” تؤكد أنَّ الشبكات الأكثر خطورة تستغل الشركات القانونية والأنظمة المالية والعملات المشفّرة والتكنولوجيا لإخفاء نشاطها وإعادة استثمار عائداتها. كما تكشف بياناتها الحديثة أنَّ تفكيك شبكات بعينها لا يمنع ظهور أخرى، ما يجعل استهداف البنية التي تسمح للجريمة بتحقيق الأرباح وغسلها وإعادة استثمارها ضرورة موازية للملاحقة الأمنية.

لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا في أوقات الأزمات الاقتصادية. فالمال الإجرامي يتمتع بميزة كبيرة: السيولة.

عندما تتشدد البنوك في الإقراض وتواجه الشركات نقصًا في التمويل وتنخفض أسعار الأصول، تظهر فرص استثنائية أمام رؤوس الأموال التي لا تحتاج إلى المرور بقنوات الائتمان التقليدية.

شركة متعثرة تحتاج إلى شريك، ومطعم على وشك الإغلاق يبحث عن مشترٍ، ومشروع عقاري توقف بسبب نقص التمويل. بالنسبة إلى الاقتصاد الطبيعي، هذه أزمات. أما بالنسبة إلى رأس المال الإجرامي، فقد تكون فرص دخول.

ومن هنا يتجاوز الخطر غسل الأموال بمعناه التقليدي. فالمال القذر لا يبحث فقط عن مكان يختبئ فيه، وإنما عن أصول يستطيع شراءها وشركات يمكنه السيطرة عليها وأسواق يمكنه دخولها.

وعندما يصل إلى هذه المرحلة، يصبح التمييز بين الاقتصاد المشروع واقتصاد الجريمة أكثر صعوبة. قد تكون الوظائف حقيقية، والضرائب مدفوعة، والفواتير صحيحة، والسلع موجودة، لكن رأس المال الذي بنى النشاط جاء من مصدر إجرامي.

وهذا يفسر لماذا لم تعد مكافحة الجريمة المنظمة مسألة أمنية بحتة.

فالشرطة تستطيع توقيف تاجر المخدرات، والجمارك تستطيع ضبط الحاوية، والقضاء يستطيع إرسال زعيم شبكة إلى السجن. لكن المواجهة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تكون أرباح الجريمة قد تحوّلت بالفعل إلى شركة نقل أو مبنى سكني أو فندق أو مطعم أو شركة بناء تفوز بعقود بصورة قانونية في الظاهر. عندها تكون الجريمة المنظمة قد حققت أخطر تحوّلاتها: انتقلت من اقتصاد يختبئ من الدولة إلى رأس مال يعيش داخل الاقتصاد الذي يفترض بالدولة حمايته.

وهنا أيضًا يكمن الدرس الأوسع بالنسبة إلى العالم العربي. فالاقتصادات التي تطمح إلى أن تكون مراكز للمال والأعمال والتجارة الدولية لا تواجه تحديًا في جذب رأس المال فقط، وإنما في معرفة طبيعته ومصدره والمستفيد النهائي منه. ولا يعني ذلك النظر بريبة إلى الاستثمار الأجنبي، بل العكس: حماية السوق الشرعية من رأس المال الإجرامي هي إحدى وسائل حماية المستثمر الحقيقي نفسه من منافسة لا تخضع للقواعد التي يخضع لها.

وهذا مهم بصورة خاصة لأنَّ تجربة أوروبا تكشف أنَّ الخطر لا يبدأ عندما تظهر منظمة إجرامية في الشارع، بل قد يكون قد بدأ قبل ذلك بكثير، عندما يدخل المال إلى شركة أو عقار أو مشروع تجاري، ثم يصبح بعد سنوات جزءًا من النسيج الاقتصادي بحيث ترتفع كلفة اقتلاعه.

ولذلك قد لا يكون المقياس الحقيقي لقوة المافيا المعاصرة عدد الرجال المسلحين الذين تستطيع نشرهم، ولا حتى كمية المخدرات التي تستطيع إدخالها إلى أوروبا، بل حجم الثروة الإجرامية التي تنجح في تحويلها إلى ملكية ونفوذ اقتصاديين.

فالمافيا التي تحمل مسدسًا يمكن رؤيتها وملاحقتها. أما التي تمتلك شركة، وتدفع الرواتب، وتشتري العقارات، وتقدم العطاءات وتنافس على العقود، فهي أكثر صعوبة في اكتشافها، وربما أكثر قدرة على البقاء.

وهنا تنتقل المعركة الحقيقية من الشارع إلى الحسابات والسجلات التجارية والعقود والمصارف والمناقصات وملكية الشركات. فالتحدي لم يعد فقط منع دخول المخدرات إلى الميناء، بل منع الأموال التي تخرج منه من شراء المدينة.

  • ميشال مظلوم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى