حربُ إيران تَختَبِرُ الخليج العربي… ستُّ دول أم تحالفٌ واحد؟

وحّدت الحرب دول الخليج أمام تهديد غير مسبوق، لكنها كشفت أنَّ التضامن في لحظة الخطر لا يعني بالضرورة وحدة القرار. وبين السيادة الوطنية والأمن الجماعي، يواجه مجلس التعاون الخليجي اختبارًا قد يُحدّد دوره في مرحلة ما بعد الحرب.

الرئيس دونالد ترامب مع قادة الخليج والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي خلال قمة المجلس في الرياض، 14 أيار/مايو 2025.

جوناثان فينتون-هارفي*

عندما اندلعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في شباط (فبراير) الماضي، ثم ردّت طهران بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة طالت دولًا خليجية، وجد مجلس التعاون الخليجي نفسه أمام واحدة من أخطر الأزمات الأمنية منذ تأسيسه قبل خمسة وأربعين عامًا. غير أنَّ الأزمة حملت، في الوقت نفسه، فرصة استثنائية للدول الست الأعضاء كي تتجاوز خلافاتها المتراكمة، وتختبر قدرتها على التحرّك بوصفها كتلة واحدة في مواجهة تهديد مباشر طال أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي.

لكن تطوّرات الحرب أظهرت سريعًا أنَّ الانتقال من التضامن السياسي إلى العمل الجماعي الفعلي أكثر تعقيدًا. فبدل أن تؤدي الأزمة إلى ترسيخ وحدة خليجية طويلة الأمد، أعادت إلى الواجهة تباينات قديمة في الرؤى والمصالح والحسابات الأمنية بين السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان. وبذلك تحوّلت الحرب إلى اختبارٍ جديد لطبيعة مجلس التعاون نفسه، ومدى قدرته على تجاوز دوره بوصفه إطارًا للتنسيق إلى منظومة إقليمية قادرة على اتخاذ قرارات مشتركة في لحظات الخطر.

في الأيام الأولى للمواجهة، بدت مؤشرات التضامن واضحة. فالضربات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، وما رافقها من مخاوف من انعكاس التصعيد على تدفقات الاستثمار الأجنبي والاستقرار الاقتصادي، دفعت العواصم الخليجية إلى التحرك سريعًا. وعُقدت قمة طارئة، بالتوازي مع جهود ديبلوماسية مشتركة للضغط على طهران والدفع باتجاه وقف إطلاق النار عبر الأمم المتحدة. وبلغ الخطاب السياسي ذروته في البيان المشترك الصادر عن الدول الست في 2 آذار (مارس)، والذي أكد أنَّ “الاعتداء على إحداها هو اعتداء عليها جميعًا”، في صياغةٍ استحضرت، من حيث المبدَإِ، مفهوم الدفاع الجماعي الذي تقوم عليه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.

غير أنَّ هذا الإعلان أعاد طرحَ سؤالٍ لازَمَ مجلس التعاون منذ تأسيسه: هل يشكل المجلس تحالفًا أمنيًا متكاملًا، أم أنَّ وحدته تصبح أكثر وضوحًا فقط عندما تواجه دوله تهديدًا خارجيًا مشتركًا؟ تاريخيًا، ساعد إدراك وجود أخطار مشتركة على تقريب مواقف دول الخليج، لكنه أنتج في كثير من الأحيان ما يمكن وصفه بـ”التضامن السلبي”؛ أي التقارب في مواجهة مصدر تهديد، من دون أن يقترن ذلك بالضرورة بتكامل مؤسسي عميق أو برؤية موحدة للسياسة الخارجية والأمن الإقليمي.

الأمن الجماعي… حيث تتوقف الوحدة عند حدود السيادة

وقد اختُبرت حدود هذا التضامن أكثر من مرة خلال العقد الماضي. ففي أزمة قطر بين عامي 2017 و2021، دخلت ثلاث دول أعضاء في المجلس —السعودية والإمارات والبحرين— في مواجهة سياسية حادة مع الدوحة، وانضمت إليها مصر، في واحدة من أعمق الأزمات التي شهدها مجلس التعاون منذ تأسيسه. وبعد ذلك برزت خلافات بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الحرب في اليمن وأولويات كل منهما هناك، كاشفةًً أنَّ التقارب في النظر إلى إيران أو جماعات الإسلام السياسي لا يعني بالضرورة تطابق المصالح أو أدوات التعامل مع أزمات المنطقة.

وأعادت الحرب الأخيرة مع إيران إظهار هذه المُعضِلة بصورة أكثر إلحاحًا. فقد تعاونت دول المجلس عندما تعلق الأمر بتبادل المعلومات، والتنسيق السياسي، والتحرّك الديبلوماسي، لكنها ظلت أكثر تحفّظًا عندما اقترب التعاون من المجالات التي تمسُّ مباشرةً القرار السيادي لكل دولة. وهنا برز مجدّدًا الفارق بين التنسيق الخليجي والتكامل الخليجي: الأول أثبت قدرته على العمل في أوقات الأزمات، بينما بقي الثاني مقيَّدًا بحسابات وطنية مختلفة وبحساسية الدول الأعضاء تجاه التنازل عن أجزاء من استقلالية القرار الأمني والعسكري.

ويظهر هذا التباين بصورة خاصة في ملف الدفاع الجوي والصاروخي. فمنذ سنوات، تدعم واشنطن فكرة إنشاء منظومة خليجية متكاملة تسمح بالكشف المبكر عن الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتبادل بيانات الرادارات والإنذار والاعتراض ضمن شبكة دفاعية مترابطة. وقد أعطت الهجمات الإيرانية الأخيرة هذه الفكرة أهمية أكبر، بعدما أصبح التهديد الجوي والصاروخي عابرًا للحدود ولا تستطيع دولة واحدة التعامل معه بمعزل عن جيرانها.

لكن التطبيق ظلَّ أقل طموحًا من التصورات المطروحة. فبدل إنشاء منظومة دفاعية موحدة، احتفظت الدول الأعضاء إلى حد كبير بهياكلها وقدراتها الوطنية، بما في ذلك منظومات “ثاد” للدفاع الصاروخي في السعودية والإمارات، ومنظومات “باتريوت” المنتشرة في عدد من دول المجلس. وأسهمت الحرب في توسيع تبادل البيانات والمعلومات الاستخباراتية وتعزيز التنسيق العملياتي، لكنها لم تؤدِّ إلى إنشاء قيادة عسكرية موحدة أو شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة بالمعنى الكامل.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأساسية التي كشفتها الأزمة: التهديد الذي واجهته دول الخليج كان عابرًا للحدود، بينما بقيت الاستجابة الدفاعية في جانب كبير منها وطنية. وبين هذين المستويين تقع المعضلة التي سيواجهها مجلس التعاون في المرحلة المقبلة: هل تستطيع الدول الست تحويل التضامن الذي تفرضه لحظات الخطر إلى بنية أمنية دائمة، أم أنَّ اعتبارات السيادة واختلاف المصالح ستظل تضع حدودًا لما يمكن أن يصل إليه مشروع الدفاع الخليجي المشترك؟

ويمتد منطق الحفاظ على استقلالية القرار الوطني إلى سياسات بناء القدرات والصناعات الدفاعية الخليجية. فمع أنَّ دول المجلس تتفق على ضرورة تعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات الصاروخية والمسيّرات، وعلى أنَّ التسليح الأميركي سيظل ركيزةً أساسية في منظومات الردع خلال المستقبل المنظور، فإنَّ كل دولة تتحرّك وفق استراتيجية وطنية خاصة بها. وتستثمر السعودية بكثافة في توطين الصناعات العسكرية ضمن مستهدفات “رؤية 2030″، فيما اختارت الإمارات نموذجًا أكثر مرونة يقوم على تطوير صناعة دفاعية وتكنولوجية ذات توجه تجاري وتصديري من خلال مجموعة “إيدج” (EDGE). وفي المقابل، تركز قطر والكويت بدرجة أكبر على تحديث قدراتهما العسكرية وإضافة منظومات جديدة إلى ترسانتيهما القائمتين.

إيران تكشف اختلاف الحسابات الخليجية

ولم تقتصر الاختلافات على بناء القدرات العسكرية، بل ظهرت أيضًا في الطريقة التي استعدت بها دول مجلس التعاون لاحتمالات تطور الحرب ونتائجها. فعلى الرغم من اتفاق العواصم الست على ضرورة وقف التصعيد، لم تكن تقديراتها للمخاطر ولا خياراتها في التعامل مع طهران متطابقة، وهو ما عكس مرة أخرى اختلاف المصالح الجيوسياسية ومستويات تقبل المخاطر بين دول المجلس.

وفي هذا السياق، تبنّت البحرين والإمارات موقفًا أكثر تشدُّدًا تجاه إيران، في امتدادٍ لسياساتٍ أمنية اتسمت تاريخيًا بقدر أكبر من الحذر حيال طهران. كما أضاف انضمام البلدين إلى “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 بُعدًا جديدًا إلى حساباتهما الإقليمية، بالنظر إلى العلاقات التي أقامها كلٌّ منهما مع إسرائيل وما ترتّب عليها من تعاون سياسي وأمني متزايد.

وخلال الحرب، أفادت تقارير بأنَّ الإمارات انتقلت إلى مستوى أكثر مباشرة من الانخراط، عبر تنفيذ ضربات استهدفت مواقع إيرانية، من بينها مصفاة نفط في جزيرة “لاوان”. ثم جاء قرار أبوظبي الانسحاب من منظمة “أوبك” في أواخر نيسان (أبريل) ليضيف بُعدًا اقتصاديًا إلى التباينات الخليجية؛ إذ أتاح لها، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط، هامشًا أوسع في سياسة الإنتاج بعيدًا من نظام الحصص، وأعاد في الوقت نفسه تسليط الضوء على اختلاف حساباتها النفطية عن حسابات الرياض.

أما السعودية، فرغم تقارير تحدثت عن استهدافها منصّات إيرانية لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومشاركتها لاحقًا في ضربات أميركية ضد فصائل مدعومة من إيران في العراق، فقد بدت استراتيجيتها أكثر ميلًا إلى الجمع بين الردع العسكري ومحاولة إبقاء قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة. ويعكس ذلك مقاربة تسعى إلى منع تحوُّل المواجهة العسكرية إلى قطيعةٍ دائمة قد تُهدّد الاستقرار الذي تحتاج إليه المملكة لتنفيذ خططها الاقتصادية والتنموية.

وظهرت هذه المقاربة بوضوح في أوائل تموز (يوليو)، عندما شارك نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي في مراسم تشييع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأميركية-الإسرائيلية الأولى في 28 شباط (فبراير). كما أوفدت قطر وسلطنة عُمان ممثلين عنهما، في إشاراتٍ عكست الرغبة في الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران رغم الحرب. وفي المقابل، لم تشارك الإمارات والبحرين والكويت، وهو تبايُنٌ عكس اختلافًا في مستوى الانفتاح على إعادة ترميم العلاقات مع طهران بعد المواجهة.

وكان الموقف العُماني أكثر وضوحًا في تمسّكه بالنهج التقليدي لمسقط القائم على الوساطة وتجنُّب الاصطفاف. فقد انتقد وزير الخارجية بدر البوسعيدي، الذي كان قد اضطلع بدور في الوساطة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين قبل اندلاع الحرب، الضربات الأميركية على إيران، واعتبرها “أكبر خطَإٍ في التقدير” ارتكبه الرئيس دونالد ترامب. وجاء موقفه منسجمًا مع سياسة عُمانية طويلة الأمد تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران وواشنطن، واستخدام هذا الموقع لتسهيل الحوار بينهما عند الضرورة.

السعودية والإمارات… شراكة تختبرها المصالح المتباينة

غير أنَّ التباين الأكثر أهمية داخل مجلس التعاون يبقى ذلك القائم بين السعودية والإمارات، بالنظر إلى وزنهما الاقتصادي والسياسي والعسكري. فالحرب مع إيران لم تُنشئ التنافس بينهما، وإنما دفعته مؤقتًا إلى الخلف أمام تهديدٍ أكثر إلحاحًا. وما إن تُقرأ مواقف البلدين خارج سياق المواجهة المباشرة مع طهران حتى تظهر اختلافات أعمق تتعلق بتصوُّر كلٍّ منهما للنظام الإقليمي، وطبيعة الشركاء المحليين الذين يمكن الاعتماد عليهم، وكيفية حماية المصالح الاقتصادية والأمنية خارج الحدود.

وبصورة عامة، تميل الرياض إلى إعطاء وزن أكبر لاستقرار الدول والحكومات المركزية، باعتبار أنَّ انهيار مؤسساتها يفتح المجال أمام الفوضى والجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية. أما أبوظبي، فقد أظهرت في عدد من الساحات استعدادًا أوسع لبناء علاقات مع قوى محلية وكيانات من غير الدول عندما تتقاطع هذه القوى مع مصالحها الأمنية أو السياسية أو التجارية. ولا يعني ذلك أن سياستي البلدين تتحرّكان دائمًا في اتجاهَين متعارضَين، لكن اختلاف الأدوات والأولويات أدى في أكثر من أزمة إلى وضعهما على طرفي ترتيبات محلية متنافسة.

وظهر هذا التباين بصورة حادة في اليمن. فمع أنَّ السعودية والإمارات تشتركان في معارضة الحوثيين المدعومين من إيران، فإنهما اختلفتا حول شكل النظام السياسي الذي ينبغي أن يحكم المناطق المناوئة للجماعة. فقد دعمت الرياض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمتمركزة في عدن، في حين أقامت أبوظبي علاقة وثيقة مع “المجلس الانتقالي الجنوبي”، الذي يتبنى مشروع استعادة دولة الجنوب السابقة على الوحدة اليمنية عام 1990. ومع تصاعد الخلاف أواخر العام الماضي، وصلت التوترات إلى مستوى غير مسبوق عندما قصفت القوات السعودية، في كانون الأول (ديسمبر)، ما قالت إنها شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات ومتجهة إلى المجلس الانتقالي، بالتزامن مع ضغوط سعودية لسحب ما تبقى من القوات الإماراتية من اليمن. وأسهمت تلك التطورات لاحقًا في تقليص هامش حركة المجلس الانتقالي ونفوذه.

ولا تتوقف المنافسة عند شبه الجزيرة العربية، بل تمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ففي السودان، تتباين علاقات الرياض وأبوظبي مع طرفَي الحرب؛ إذ ترتبط السعودية بصورة أوثق بالمؤسسات الرسمية والجيش السوداني، بينما تُتَّهم الإمارات على نطاق واسع بدعم “قوات الدعم السريع”، وهي اتهاماتٌ تنفيها أبوظبي. ويكشف هذا الملف بصورة خاصة كيف يمكن لاختلاف الشركاء المحليين أن يُحوِّل التنافس بين قوتين خليجيتين إلى عامل مؤثر في مسار صراع يقع خارج حدود مجلس التعاون.

ويتكرر جانب من هذا التباين في الصومال. فقد طورت الإمارات علاقات اقتصادية وأمنية واسعة مع “أرض الصومال”، التي أعلنت انفصالها من جانب واحد ولا تحظى باعتراف دولي واسع، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي على خليج عدن لخدمة مصالح تجارية ولوجستية أوسع. وفي المقابل، حافظت السعودية على علاقاتها بالحكومة الفيدرالية في مقديشو وعلى تأكيدها وحدة الأراضي الصومالية.

وهكذا تكشف الحرب مع إيران مفارقة أوسع داخل مجلس التعاون: كلما ازداد حجم التهديد الخارجي، ازدادت الحاجة إلى العمل الجماعي؛ لكن ما إن تنتقل الدول من مواجهة الخطر المباشر إلى تحديد شكل النظام الإقليمي الذي تريده بعده، حتى تعود المصالح الوطنية والرؤى المتباينة إلى الواجهة. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للمجلس قد لا يكون في قدرته على إظهار التضامن أثناء الحرب، بل في قدرته على إدارة اختلافات أعضائه عندما تنتهي الحرب ويبدأ التنافس على صياغة ما بعدها.

مجلس التعاون بعد الحرب… أيُّ تحالف سيبقى؟

على الرغم من سعي أبوظبي خلال السنوات الماضية إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة إقليمية متوسطة تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية الاستراتيجية، فإنَّ الثغرات الدفاعية التي كشفتها المواجهة مع إيران أظهرت أيضًا حدود قدرة أيِّ دولة خليجية على التعامل منفردة مع تهديدات بهذا الحجم. وقد عكست تصريحات أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، هذا الإدراك عندما أشار إلى أنَّ التطوّرات الأمنية الجديدة ستفرض على الإمارات ودول الخليج عمومًا تعزيز اعتمادها على الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما قد يمنح التعاون الذي نشأ في إطار “اتفاقيات أبراهام” بُعدًا أمنيًا أكبر في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي المقابل، تحركت السعودية في اتجاه مختلف نسبيًا، فعززت التنسيق مع باكستان وتركيا ومصر، التي عقد وزراء خارجيتها لقاءات متكررة في إسلام آباد خلال الحرب، ضمن إطارٍ رباعي سانَدَ جهود الوساطة التي قادتها باكستان وقطر. وتعكس هذه التحركات مقاربة سعودية تميل إلى توسيع شبكة الشركاء الإقليميين، مع قدر أكبر من الحذر في العلاقة مع إسرائيل والإبقاء، في الوقت نفسه، على مساحة للتعامل البراغماتي مع إيران.

ولا تعني هذه التحرّكات بالضرورة نشوء محورَين خليجيين متقابلَين، لكنها تكشف عن اختلاف واضح في تصوُّر الأدوات اللازمة لضمان الأمن الإقليمي. فبينما تبدو أبوظبي أكثر استعدادًا لتعميق الشراكات الأمنية التي تربطها بواشنطن وإسرائيل، تسعى الرياض إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية تتيح لها الجمع بين الردع والوساطة والحفاظ على قنوات التواصل مع أطراف متنافسة.

وهذه التباينات لا تقتصر على السعودية والإمارات. فإحدى السمات الأساسية للسياسة الخارجية الخليجية خلال السنوات الأخيرة تمثلت في اتساع هامش الاستقلال الذي تتحرك ضمنه كل دولة، سواء في علاقاتها الإقليمية أو في شراكاتها مع القوى الكبرى. وقد أقامت دول المجلس، بدرجات متفاوتة، علاقات ثنائية متشعبة مع الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا وغيرها، سعيًا إلى تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على قوة دولية واحدة.

وقد منح هذا النهج دول الخليج مرونة كبيرة في التعامل مع نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة، لكنه يحمل في الوقت نفسه كلفة مؤسسية بالنسبة إلى مجلس التعاون. فكلما توسعت شبكات العلاقات الثنائية لكل دولة، تراجعت الحاجة العملية إلى التفاوض من خلال المجلس بوصفه كتلة واحدة، وضاعت على الدول الست فرصة استخدام وزنها الاقتصادي والسياسي المجمع للحصول على نفوذ تفاوضي أكبر.

كما إنَّ تبايُن العلاقات الخليجية مع طهران أتاح لإيران مساحة لاعتماد سياسات مختلفة تجاه كل دولة، مُستفيدةً من تفاوت مستويات التوتر والتعاون بينها وبين العواصم الست. فالعلاقة الإيرانية مع عُمان لا تشبه علاقتها بالبحرين، كما تختلف حساباتها تجاه السعودية عن تلك التي تحكم تعاملها مع الإمارات أو قطر. وقد منح هذا الواقع طهران قدرة على التعامل مع دول المجلس بصورة منفردة بدل مواجهتها باعتبارها كتلة أمنية وسياسية واحدة.

ولا تكمن المشكلة في غياب الإدراك الخليجي لأهمية التعاون. فهناك توافق واسع على الفوائد التي يمكن أن يحققها التكامل الاقتصادي والأمني، كما أثبتت أزمات متعاقبة قدرة المجلس على توفير مظلة سياسية للتشاور والتنسيق. لكن الفجوة لا تزال واسعة بين الاعتراف النظري بهذه الفوائد والاستعداد لإنشاء الآليات المؤسسية اللازمة لتحقيقها؛ بدءًا من قنوات أكثر فاعلية لإدارة الخلافات بين الدول الأعضاء، وصولًا إلى مستويات أعمق من التكامل الدفاعي وتنسيق السياسات الخارجية.

وقد تجعل التداعيات الاقتصادية للحرب هذه المهمة أكثر تعقيدًا. فالدول الخليجية تحتاج إلى موارد ضخمة لتمويل برامجها التنموية، وتعزيز دفاعاتها، وحماية بنيتها التحتية، في وقتٍ تتنافس على جذب الاستثمارات العالمية وتطوير قطاعات اقتصادية متشابهة. وتبرز هذه المنافسة بصورة خاصة بين السعودية والإمارات، اللتين تمضيان في مشاريع طموحة لتنويع اقتصاديهما وتقليص الاعتماد على النفط والغاز، وهو ما يضيف البُعد الاقتصادي إلى قائمة الملفات التي تجمع بين التعاون والتنافس في علاقتهما.

وهكذا، وضعت الحرب مجلس التعاون أمام مفارقة يصعب تجاهلها. فقد أثبتت أنَّ دول الخليج تواجه تهديدات لا تعترف بالحدود الوطنية، وأنَّ الدفاع عن البنية التحتية للطاقة والمجال الجوي والاستقرار الاقتصادي يتطلّب مستويات من التنسيق لم تعد أي دولة قادرة على الاستغناء عنها. لكنها أظهرت في الوقت نفسه أنَّ التهديد المشترك لا يكفي، في حد ذاته، لإنتاج رؤية أمنية وسياسية موحدة.

ولذلك، ربما لا يكون السؤال بعد الحرب ما إذا كان مجلس التعاون سيبقى قائمًا؛ فالتجربة أثبتت قدرة المؤسسة على الاستمرار رغم أزمات أشد عمقًا بين أعضائها. السؤال الأكثر أهمية هو: أيُّ مجلس تعاون سيبقى؟ هل سيظل إطارًا يوفر التنسيق عندما تفرضه الضرورة، بينما تحتفظ كل دولة باستراتيجيتها وتحالفاتها وقرارها الدفاعي المستقل؟ أم تستطيع الأزمة الأخيرة أن تدفع الدول الست إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي، وبناء آليات تجعل المجلس أكثر قدرة على العمل بوصفه تكتُّلًا في مواجهة أزمات تتجاوز قدرة كل دولة منفردة؟

لقد منحت الحرب دول الخليج فرصة نادرة لاختبار معنى التضامن في مواجهة تهديد مباشر. لكنها كشفت أيضًا أنَّ الوحدة التي تنتجها لحظة الخطر لا تتحوّل تلقائيًا إلى تكامل سياسي أو عسكري. وبين هذين المستويين سيتحدد مستقبل مجلس التعاون: إما أن يبقى إطارًا يجمع ست استراتيجيات وطنية متوازية، أو يتطوّر تدريجيًا إلى مؤسسة قادرة على تحويل المصالح المشتركة إلى سياسة مشتركة.

Exit mobile version