لم تعد المنافسة الأميركية ــ الصينية في مصر تدور حول الاستثمارات والمشاريع الكبرى فحسب، بل انتقلت إلى البنية التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل. وفي قلب السباق، تصبح رقائق الذكاء الاصطناعي اختبارًا لقدرة القاهرة على الموازنة بين القوتين من دون الارتهان لأيٍّ منهما.
أنجي عمر*
لطالما حاولت مصر تجنُّب الوقوع في معادلة الاختيار بين واشنطن وبكين. وعلى مدى سنوات، بدت الصيغة قابلة للإدارة: شراكة أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، يقابلها انفتاح متزايد على الصين في البنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا والاستثمار. غير أنَّ صعود الذكاء الاصطناعي بدأ يجعل هذه الموازنة أكثر صعوبة، لأنَّ المنافسة لم تعد تدور فقط حول مصدر التمويل أو الشركة التي تنفّذ مشروعًا، بل حول البنية التكنولوجية التي ستقوم عليها قطاعات كاملة من الاقتصاد في المستقبل.
وقد ظهرت ملامح هذه المعضلة بوضوح في أواخر آب (أغسطس)، عندما تحرّكت عملاقة التكنولوجيا الصينية “هواوي” بقوة لدخول سوق الذكاء الاصطناعي المصرية. فقد اقترحت الشركة إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية، وعرضت تزويدها بأكثر من 2000 وحدة من رقائق “أسيند” (Ascend) المتطوّرة، بينها 1408 رقائق عالية الأداء مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، و600 رقاقة أخرى لتشغيل التطبيقات والأنظمة القائمة عليه.
لم يكن العرض تجاريًا عاديًا، ولذلك لفت انتباه واشنطن سريعًا. فبدل أن تترك “هواوي” تؤسس موطئ قدم واسعًا داخل البنية التحتية المصرية للذكاء الاصطناعي، بدأ مسؤولون أميركيون العمل على بلورة عرض منافس تشارك فيه شركات تكنولوجيا أميركية كبرى، بينها “أنفيديا” (Nvidia) و”إيه أم دي” (AMD) و”مايكروسوفت” (Microsoft). ولم تمضِ سوى نحو أسبوعين حتى بدا أنَّ المنافسة أخذت اتجاهًا مختلفًا.
ففي 9 أيلول (سبتمبر)، أعلنت مصر خططًا لإنشاء أول مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي يعتمد تكنولوجيا “أنفيديا”. ومن المقرر أن تصل قدرة المنشأة عند اكتمالها إلى 200 ميغاواط، باستثمارات تناهز مليار دولار، فيما تشمل المرحلة الأولى، الممتدة على ثلاث سنوات، قدرة تبلغ 20 ميغاواط بكلفة تقارب 200 مليون دولار. وبذلك سجلت المنظومة التكنولوجية الأميركية تقدّمًا مبكرًا ومهمًّا في السباق على البنية التحتية التي ستستند إليها طموحات مصر في مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن أهمية ما جرى تتجاوز اختيار رقائق “أنفيديا” بدلًا من “أسيند”، أو شركة أميركية بدلًا من أخرى صينية. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة، ومَن يزوّد دولة ما بهذه القدرات لا يبيعها أجهزة فحسب، بل يسهم أيضًا في تشكيل البيئة التقنية التي ستنشأ حولها: من البرمجيات والمعايير الفنية إلى الموردين ومراكز البيانات والشراكات وسلاسل التوريد.
من هنا كانت أهمية العرض الذي قدمته “هواوي” بالنسبة إلى بكين. فنجاح الشركة في توريد آلاف رقائق “أسيند” للحكومة المصرية كان سيمنح منظومة الذكاء الاصطناعي الصينية موطئ قدم مهمًا في واحدة من أكبر الدول العربية، وفي سوق تتمتع بموقع يؤهلها لأن تكون نقطة عبور إلى أسواق أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط. وبذلك كان الرهان أكبر من قيمة الصفقة نفسها: أي منظومة تكنولوجية ستصبح الأساس الذي تُبنى فوقه القدرات المصرية في الذكاء الاصطناعي؟
لهذا تابعت واشنطن عرض “هواوي” باهتمام. ووفق ما أفادت به وكالة “بلومبيرغ”، لم يقتصر التفكير الأميركي على تحذير القاهرة من التكنولوجيا الصينية، بل اتجه إلى البحث عن بديل قادر على منافستها. وإذا كان اختيار تكنولوجيا “أنفيديا” مؤشرًا إلى نتيجة هذه الجولة الأولى، فإن التجربة المصرية تكشف تحولًا أوسع في المنافسة الأميركية ــ الصينية: قد لا يكون الطلب من الشركاء الابتعاد عن بكين كافيًا، ما لم تستطع واشنطن أن تضع أمامهم بديلًا تكنولوجيًا وتمويليًا مقنعًا.
وهنا تبدأ القصة المصرية الحقيقية. فالقاهرة لم تعد توازن فقط بين علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة وعلاقتها الاقتصادية مع الصين؛ إنها تدخل مرحلة يصبح فيها اختيار الرقاقة ومركز البيانات ومنظومة البرمجيات قرارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في آن واحد. ومع انتقال المنافسة الأميركية ــ الصينية إلى قلب البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تضيق المساحة التي كان يمكن فيها فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية.
حين تصبح الرقاقة قرارًا استراتيجيًا
لدى مصر أسبابٌ قوية تدفعها إلى توسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد وضعت القاهرة هذا القطاع في قلب استراتيجيتها للتحوُّل الرقمي، وتسعى إلى بناء قدرات محلية تمتد من الخدمات الحكومية إلى الأعمال والصناعة والتكنولوجيا. وتقوم الاستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الاصطناعي، شأنها في ذلك شأن استراتيجيات دول عديدة، على تطوير صناعة محلية تستند إلى بنية تحتية متقدمة، وبيانات قابلة للاستخدام، وقدرات تكنولوجية، وأطر للحوكمة، ومنظومة متكاملة من الشركات والمؤسسات والمهارات.
لكن تحويل هذه الطموحات إلى قدرات فعلية يتطلّب أكثر من وضع الاستراتيجيات. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاقات حوسبة هائلة، ومراكز بيانات، وإمدادات كهرباء مستقرة، وبنية سحابية متطورة، وقبل ذلك كله إمكان الوصول إلى الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدّمًا. ومع تطلع مصر في الوقت نفسه إلى ترسيخ موقعها مركزًا إقليميًا لمراكز البيانات والخدمات الرقمية، يصبح اختيار المورد التكنولوجي قرارًا يتجاوز اعتبارات الشراء والكلفة إلى أسئلة تتعلق بالشراكات الاستراتيجية وبالبنية التي سيقوم عليها الاقتصاد الرقمي المصري لسنوات مقبلة.
ومن هذه الزاوية، تمنح تكنولوجيا “أنفيديا” (Nvidia) القاهرة مدخلًا مباشرًا إلى منظومة الذكاء الاصطناعي الأميركية المهيمنة عالميًا، في وقتٍ تنظر واشنطن بقلق متزايد إلى قدرة الصين على توسيع حضور تقنياتها ومنصاتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي خارج حدودها.
لكن من المبكر اعتبار اختيار “أنفيديا” تحولًا مصريًا بعيدًا من الصين. فالوجود الاقتصادي والتكنولوجي الصيني في مصر أوسع بكثير من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي، والشركات الصينية حاضرة في مشاريع البنية التحتية والتصنيع والطاقة المتجددة والتنمية الصناعية والاتصالات وغيرها من القطاعات التكنولوجية.
بل إنَّ “هواوي” (Huawei) نفسها تمتلك بالفعل موطئ قدم مهمًا في سوق الخدمات السحابية المصرية. وتعمل “هواوي كلاود” (Huawei Cloud) على توسيع عملياتها في القاهرة، وكانت قد أعلنت خططًا لإنشاء “منطقة توافر” (availability zone) جديدة بحلول عام 2026. لذلك ينبغي وضع اختيار “أنفيديا” ضمن حدوده الفعلية: خسرت الصين على ما يبدو جولة أولى مهمة في المنافسة على البنية التحتية الضخمة لحوسبة الذكاء الاصطناعي في مصر، لكنها لم تخسر موقعها في الاقتصاد المصري، ولا علاقتها التكنولوجية الأوسع مع القاهرة.
الموازنة بين واشنطن وبكين تزداد صعوبة
وهذا التمييز مهم، لأنه يكشف في الوقت نفسه حدود المعادلة التي اعتمدتها مصر طويلًا في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى. فقد استطاعت القاهرة لسنوات التعامل مع التكنولوجيا والاستثمار الصينيين والأميركيين باعتبارهما مصدرين يمكن الاستفادة منهما بالتوازي، مستثمرةً المنافسة بين القوى الكبرى للحصول على التمويل والتكنولوجيا والدعم السياسي من أكثر من طرف. لكن الذكاء الاصطناعي يجعل الفصل بين هذه المسارات أكثر صعوبة.
فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى البنية التحتية للحوسبة المتقدمة باعتبارها سلعة تجارية عادية. الرقائق المتطورة، ومراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية التي تقوم عليها نماذج الذكاء الاصطناعي باتت أصولًا استراتيجية ترتبط بالأمن القومي والتفوق التكنولوجي وموازين القوة الاقتصادية. وفي المقابل، ترى بكين في التوسع الدولي لـ”هواوي” وغيرها من شركات التكنولوجيا الصينية وسيلة لتقليل الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الغربية، وتوسيع حضور منظومتها الرقمية ومعاييرها التقنية في الأسواق الخارجية. ومصر تجد نفسها اليوم عند نقطة التقاء هاتين الاستراتيجيتين.
مع ذلك، لا يبدو أنَّ القاهرة تخلّت عن سياسة الموازنة بين القوى الكبرى. وقد ترى، على العكس، في اشتداد المنافسة فرصة يمكن استثمارها. فمن خلال إبقاء الشركات الصينية منخرطة في قطاعات أخرى من التنمية الرقمية والاقتصادية، بالتوازي مع التعاون مع الشركات الأميركية في البنية التحتية المتقدمة للذكاء الاصطناعي، تستطيع مصر المحافظة على مساحة للمناورة وجذب عروض أكثر تنافسية من الجانبين.
الاستقلال التكنولوجي هو الرهان
غير أنَّ هذه الاستراتيجية تطرح سؤالًا أعمق من هوية الشركة التي ستفوز بالعقد التالي: إلى أي مدى ستسيطر مصر على التكنولوجيا التي سيعتمد عليها اقتصادها المستقبلي القائم على الذكاء الاصطناعي؟
فاختيار “أنفيديا” يمنح مصر إمكانية الوصول إلى واحدة من أكثر منظومات الذكاء الاصطناعي تقدّمًا في العالم، لكنه لا يلغي حقيقة أنَّ الاعتماد على أيِّ مزوّدٍ أجنبي للتكنولوجيا يخلق بدوره شكلًا من أشكال الاعتماد. وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية في الذكاء الاصطناعي لأنَّ البنية التحتية الحاسوبية باهظة الكلفة ويصعب استبدالها بعد بنائها.
فالرقائق ليست منفصلة عن البرمجيات، والبرمجيات ليست منفصلة عن الخدمات السحابية، وهذه بدورها ترتبط بالخبرات التقنية وأدوات المطورين وسلاسل التوريد والصيانة والتحديث. ومع مرور الوقت، تعزز هذه العناصر بعضها بعضًا وتكوّن منظومة متكاملة. وكلما استثمرت دولة أكثر في منظومة تكنولوجية بعينها، ارتفعت كلفة الانتقال إلى منظومة منافسة، وأصبح التغيير أكثر تعقيدًا من الناحيتين المالية والتقنية.
وهنا تكمن المفارقة التي ستواجه مصر في المرحلة المقبلة: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين قد تمنح القاهرة خيارات أكثر عند لحظة التفاوض، لكنها قد تقودها، بعد اتخاذ القرار والاستثمار في البنية التحتية، إلى خيارات أقل عند لحظة التغيير.
وينطبق القلق نفسه على الخيار الصيني. فلو اختارت مصر منظومة “هواوي”، لكانت ستواجه بدورها مخاطر الاعتماد على مورد أجنبي وعلى بيئة تكنولوجية يصعب الانفكاك عنها بعد استثمار مليارات الدولارات في بنائها. ومن ثمَّ، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام القاهرة لا يتمثل في المفاضلة بين التكنولوجيا الأميركية والصينية بقدر ما يتمثل في بناء قدرات محلية كافية تمنع تحوُّل أي منهما إلى بديل من الاستقلال التكنولوجي. فالمسألة في النهاية ليست جنسية الرقاقة وحدها، بل مقدار المعرفة والخبرة والسيطرة التي تبقى داخل مصر بعد استيرادها.
من هذه الزاوية، يمثل اختيار “أنفيديا” (Nvidia) انتكاسة مهمة للطموحات الصينية في سوق الذكاء الاصطناعي المصرية، وفي المقابل مكسبًا لواشنطن في جولة مبكرة من المنافسة على البنية الحاسوبية للبلاد. لكنه لا يعني أنَّ المنافسة الأميركية ــ الصينية في مصر قد حُسمت. فالصين تحتفظ بعلاقات اقتصادية عميقة مع القاهرة، ولا تزال “هواوي” حاضرة في أجزاء واسعة من المنظومة التكنولوجية المصرية، فيما تبقى لدى مصر أسباب اقتصادية واستراتيجية قوية للتعاون مع القوتين في تمويل اقتصادها الرقمي وبنائه.
ولعلَّ الأهم ليس مَن فاز بهذه الجولة، بل ما تكشفه عن الجولات المقبلة. فقد أظهرت القاهرة استعدادها للنظر جديًا في التكنولوجيا الصينية، كما أظهرت استعدادها لاختيار التكنولوجيا الأميركية عندما ترى أنَّ العرض المتاح يخدم مصالحها بصورة أفضل. وهي بذلك لا تتعامل مع المنافسة بين واشنطن وبكين باعتبارها بالضرورة خيارًا ثنائيًا يفرض عليها الانحياز إلى إحداهما، بل باعتبارها مساحة تفاوض تحاول من خلالها توسيع خياراتها وتحسين شروطها.
وهنا تتجاوز أهمية الحالة المصرية حدود مصر نفسها. فبالنسبة إلى واشنطن وبكين، لم تعد القاهرة مجرد سوق كبيرة تتنافس فيها الشركات على بيع الرقائق ومراكز البيانات. إنها تتحوّل إلى اختبارٍ أوسع لقدرة كل من الولايات المتحدة والصين على بناء شراكات تكنولوجية مع القوى المتوسطة التي تريد دخول عصر الذكاء الاصطناعي من دون أن تتحول بالضرورة إلى جزء من معسكر جيوسياسي مغلق.
وقد تكون هذه هي المنافسة الأهم في المرحلة المقبلة. فالدول التي تسعى إلى بناء اقتصادات قائمة على الذكاء الاصطناعي لن تسأل فقط أي طرف يمتلك الرقاقة الأسرع أو التكنولوجيا الأكثر تقدمًا، بل أيهما يستطيع أن يقدّم التمويل والبنية التحتية والخبرة والشراكة بشروط تمنحها أكبر قدر ممكن من الخيارات. وفي هذا السباق، قد لا يكون الطرف الأكثر قدرة على مطالبة الدول بالاختيار هو الذي يحقق التقدم، بل الطرف الأكثر قدرة على إقناعها بأنَّ اختياره لا يضيّق خياراتها.
- أنجي عمر هي رئيسة تحرير منصة “صدى” (SADA) التابعة لمركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، وهي صحافية ومحررة ومنتجة وكاتبة دولية متميزة، وتتمتع بخبرة واسعة في مجالي الأخبار والسياسة.
