الخريطة التي خدعت العالم… أربعة قرون من تشويه الجغرافيا

منذ أكثر من أربعة قرون، ننظر إلى العالم عبر خريطة تضخّم دولًا وقارات وتصغّر أخرى. قرار أممي جديد يريد تصحيح الصورة، لكن المسألة تتجاوز الجغرافيا إلى السياسة ونظرتنا إلى القوة.

الجمعية العامة للأمم المتحدة… من هنا انطلقت الدعوة إلى “تصحيح الخريطة”.

فريدا غيتيس*

سلّطت محاولات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة تسمية بعض المعالم الجغرافية، في إطار رؤيته السياسية، الضوء مجددًا على حقيقة قديمة كثيرًا ما تُغفل: الخرائط ليست مجرد أدوات محايدة لتحديد الأماكن، بل يمكن أن تؤثر أيضًا في الطريقة التي نرى بها العالم، وفي تقديرنا لأحجام الدول والقارات وأوزانها النسبية.

لكن بعيدًا من الجدل الذي أثارته قرارات ترامب المتعلقة بالأسماء الجغرافية، شهد عالم الخرائط في مطلع أيلول (سبتمبر) تحوّلًا أكثر دلالة وأبعد أثرًا. فقد تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 4 أيلول (سبتمبر)، قرارًا يشجع الدول والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا على استخدام خرائط متساوية المساحة عندما تكون المقارنة بين الأحجام الجغرافية مطلوبة، بدل الاعتماد الحصري على “إسقاط مركاتور” الذي ظل، منذ القرن السادس عشر، واحدًا من أكثر أشكال خريطة العالم انتشارًا.

وجاء القرار ثمرة حملة قادتها دول أفريقية تحت عنوان “صحّح الخريطة”  (#CorrectTheMap)، وحظي بتأييد واسع في الجمعية العامة: 164 دولة صوّتت لمصلحته، في مقابل معارضة الولايات المتحدة وحدها، فيما امتنعت ست دول عن التصويت. والمقصود ليس حظر “مركاتور”، الذي ما زال يؤدي وظائف عملية مهمة، وخصوصًا في الملاحة وبعض التطبيقات الرقمية، وإنما تشجيع استخدام إسقاطات أكثر دقة في تمثيل المساحات النسبية، وفي مقدمها خريطة “الأرض المتكافئة” (Equal Earth) التي طُورت في العام 2018.

حين لا تعكس الخريطة حجم العالم الحقيقي

وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى نقاشًا تقنيًا يخص رسامي الخرائط والجغرافيين، لكنه يتجاوز ذلك إلى الطريقة التي تتشكّل بها تصوّراتنا عن العالم. فكل محاولة لتحويل سطح كروي إلى خريطة مسطحة تفرض قدرًا من التشويه؛ والسؤال هو: ماذا تشوّه الخريطة، ولأي غرض؟ صُمِّمَ “إسقاط مركاتور” أساسًا في العام 1569 لخدمة الملاحة البحرية، وهو يحافظ على الزوايا والاتجاهات المحلية بطريقة مفيدة للملاحين، لكنه يفعل ذلك على حساب المساحات، التي تتضخّم كلّما ابتعدنا من خط الاستواء.

والنتيجة أنَّ الصورة الذهنية التي ترسّخت لدى أجيال عن أحجام مناطق العالم ليست مطابقة للواقع. المثال الأشهر هو غرينلاند وأفريقيا: تبدوان على خرائط “مركاتور” مُتقاربتَين إلى حدٍّ لافت في المساحة، بينما تبلغ مساحة أفريقيا في الواقع أكثر من 14 ضعف مساحة غرينلاند. ولا يقتصر التشويه على هذه المقارنة، إذ تبدو مناطق واسعة في أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا أكبر نسبيًا مما هي عليه عند مقارنتها بالمناطق الأقرب إلى خط الاستواء.

من هنا اكتسبت المبادرة الأفريقية بُعدها السياسي والثقافي. فالقضية، بالنسبة إلى مؤيديها، ليست مجرّد الحصول على رسم هندسي أكثر دقة، بل تصحيح صورة بصرية استمرّت قرونًا وأسهمت، في نظرهم، في تقليص الحضور الذهني لأفريقيا مقارنة بقارات ومناطق أخرى. ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في الأثر المباشر للقرار: فهو غير مُلزِم، ولن يؤدّي إلى اختفاء خرائط “مركاتور” من تطبيقات الملاحة أو المدارس بين ليلة وضحاها. لكن تغيير الخريطة المرجعية المستخدمة في التعليم والإعلام والمؤسسات الدولية يمكن، بمرور الوقت، أن يغير الطريقة التي يتصوّر بها الناس الحجم النسبي للعالم.

وهنا يلتقي علم الخرائط، على نحوٍ غير متوقع، بالسياسة والجغرافيا الاستراتيجية. فالحجم ليس العامل الوحيد الذي يحدد أهمية دولة أو إقليم، لكنه يدخل في تقدير الموارد والمسافات والعمق الجغرافي والبنية التحتية والفرص الاقتصادية. وإذا كانت الخريطة تشوّه الحجم، فإنها تستطيع، ولو بصورة غير مباشرة، أن تؤثر في الانطباع الأولي عن الوزن النسبي للمناطق التي تعرضها.

وغرينلاند تقدم مثالًا لافتًا على ذلك. فمنذ ولايته الرئاسية الأولى، أبدى ترامب اهتمامًا بضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة، وهو اهتمام أعاده لاحقًا إلى واجهة النقاش السياسي. وفي مقابلة أُجريت معه لكتاب “The Divider” الصادر في العام 2022، تحدث ترامب عن ولعه بالخرائط، مستشهدًا بضخامة غرينلاند كما تبدو عليها، وقال، في معرض تفسير اهتمامه بها، ما معناه: “انظروا إلى حجمها… إنها هائلة”.

غرينلاند هي بالفعل أكبر جزيرة في العالم، وتتمتع بأهمية استراتيجية حقيقية تتجاوز مساحتها، ولا سيما بسبب موقعها في القطب الشمالي. لكن الصورة التي تقدمها خرائط “مركاتور” تضخّم حجمها بصورة شديدة. وهذا يطرح مفارقة مثيرة للاهتمام: إلى أي مدى يمكن للصورة التي نرسم بها العالم أن تؤثر في الطريقة التي نفكر بها في قيمته الاستراتيجية؟

أما الربط بين هذا التشويه واهتمام ترامب بغرينلاند، أو برغبته في جعل كندا “الولاية الحادية والخمسين”، فيبقى فرضية تفسيرية لا يمكن إثباتها من مجرد تصريحاته. لكن المفارقة نفسها تكشف القضية الأوسع التي أثارها قرار الأمم المتحدة: الخريطة لا تغير الجغرافيا، لكنها قد تغير الطريقة التي نراها بها. وحين تتغير نظرتنا إلى العالم، قد تتغير معها أيضًا بعض افتراضاتنا عن القوة والأهمية والمكان.

وتتضح أبعاد هذا التشويه بصورة أكبر عند النظر إلى أفريقيا. فبحسب حملة “صحّح الخريطة”  (CorrectTheMap)، تستطيع القارة أن تستوعب داخل مساحتها الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك وجزءًا كبيرًا من أوروبا، مع بقاء مساحة إضافية. وهي حقيقة يصعب إدراكها بمجرد النظر إلى خريطة العالم التقليدية، حيث تبدو أفريقيا أصغر بكثير من حجمها النسبي الحقيقي.

ولفهم سبب هذا الاختلال، لا بد من العودة إلى الغاية الأصلية التي صُممت من أجلها خريطة مركاتور. فعندما ابتكر الجغرافي الفلمنكي جيراردوس مركاتور إسقاطه الشهير عام 1569، لم يكن يسعى إلى تقديم مقارنة دقيقة بين مساحات القارات، بل إلى حل مشكلة عملية تواجه الملاحة البحرية. فقد أتاح تمثيل خطوط الطول بصورة متوازية للملاحين رسم مسارات ثابتة على الخريطة، وهو ما جعل الإسقاط أداة بالغة الفائدة للسفن التي تعبر المحيطات.

لكن الميزة التي جعلت مركاتور ثوريًا في عصره جاءت بثمن واضح: تشويه المساحات. فكلما ابتعدت اليابسة عن خط الاستواء، ازداد تضخمها على الخريطة. ولهذا تبدو روسيا، وهي شاسعة أصلًا، أكبر نسبيًا مما هي عليه في الواقع، فيما تنكمش أميركا الجنوبية بصريًا مقارنة بالمناطق الواقعة في أقصى الشمال. وتبدو أوروبا بدورها أكبر من أميركا الجنوبية على خرائط مركاتور، مع أن مساحة أميركا الجنوبية تقارب ضعفي مساحة أوروبا.

المشكلة، إذًا، ليست أنَّ خريطة مركاتور “خاطئة” بالمعنى المباشر، بل أنها صُممت لتحقيق غرض محدد ثم تحوّلت، بمرور الزمن، إلى صورة عامة للعالم. وما يصلح للملاحة لا يكون بالضرورة الأنسب للتعليم أو لفهم الأوزان الجغرافية النسبية للدول والقارات.

لهذا لم تكن خريطة “الأرض المتكافئة” المحاولة الوحيدة لمعالجة المشكلة. فقد طُورت على مدى العقود الماضية إسقاطات مختلفة تسعى إلى تحقيق توازن أفضل بين الشكل والمساحة. وفرنسا، وهي من الدول التي رعت قرار الأمم المتحدة الأخير، أعلنت أنَّ وزارة خارجيتها تتجه إلى استخدام خيار آخر هو “إسقاط إيكرت 4”  (Eckert IV)، وهو أيضًا من الإسقاطات التي تحافظ على المساحات النسبية على نحو أدق.

عندما تتحول الخرائط إلى قضية سياسية

مع ذلك، فإنَّ الانتقال من خريطة إلى أخرى ليس مسألة تقنية خالصة. وهذا ما ظهر بوضوح في التصويت داخل الأمم المتحدة. فالولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي عارضت القرار، انتقدته باعتباره مشروعًا ذا دوافع إيديولوجية. وفي المقابل، امتنعت أوكرانيا عن التصويت بعدما اعترضت على الطريقة التي ظهرت بها شبه جزيرة القرم في نموذج خريطة “الأرض المتكافئة”، إذ فُصل لونها عن لون بقية الأراضي الأوكرانية. وهي واقعة تكشف مدى الحساسية السياسية التي يمكن أن تكتسبها تفاصيل تبدو، للوهلة الأولى، مجرد خيارات في التصميم الخرائطي.

من هنا يصبح من الصعب التعامل مع الخرائط باعتبارها صورًا محايدة تمامًا. فهي لا تحدد فقط أين تقع الدول، بل تساعد أيضًا على تشكيل تصوّرنا عن حجمها وموقعها وعلاقتها بالآخرين. وقد التقط المسلسل السياسي الأميركي الشهير “الجناح الغربي” (The West Wing)  هذه الفكرة قبل عقود، في مشهد أصبح من أشهر المعالجات الشعبية لمشكلة “مركاتور”. ففي إحدى الحلقات، يطالب أعضاء منظمة خيالية تدعى “رسامو الخرائط من أجل المساواة الاجتماعية” بالتخلي عن الإسقاط التقليدي، ويشرحون لمتحدثة البيت الأبيض أن البشر يميلون، ولو بصورة لا واعية، إلى الربط بين الحجم والأهمية، بل وبين الحجم والقوة.

ثم يذهب المشهد أبعد من مسألة المساحة إلى واحد من أكثر افتراضات الخرائط رسوخًا: لماذا يوجد الشمال في الأعلى والجنوب في الأسفل؟ عندما تسأل المتحدثة، في دهشة، أين يمكن وضع نصف الكرة الشمالي غير أعلى الخريطة، يأتيها الجواب ببساطة: في الأسفل.

قد تبدو الفكرة غريبة، لكنها صحيحة من الناحية الجغرافية. فلا يوجد في الفضاء “أعلى” طبيعي يجب أن يحتله الشمال، مثلما لا يوجد “أسفل” طبيعي للجنوب. إنها اصطلاحات ترسخت تاريخيًا حتى أصبحت تبدو بديهية.

وأتذكر، في هذا السياق، تجربة شخصية من فترة عملي في مكتب شبكة “سي أن أن” (CNN) في موسكو. كان أحد المصورين الأوستراليين قد علّق على الحائط خريطة للعالم يظهر فيها الجنوب في الأعلى والشمال في الأسفل. وكان النظر إليها مربكًا في البداية، وربما باعثًا على شيء من الدوار، مع أنها لم تكن أقل دقة من الخريطة المألوفة. ما تغيّر لم يكن العالم، بل الزاوية التي اعتدنا النظر إليه منها.

وهنا تكمن الأهمية الأبعد لقرار الأمم المتحدة. فمن غير الواقعي افتراض أنَّ استبدال خريطة بأخرى سيغير فجأة التحالفات الديبلوماسية أو يحوّل اتجاهات الاستثمار أو يعيد ترتيب موازين القوة. الخرائط لا تصنع الجغرافيا السياسية بمفردها، كما أنَّ مساحة الدولة لا تحدد تلقائيًا أهميتها الاقتصادية أو الاستراتيجية.

لكن أثر الخرائط يعمل بطريقة أكثر هدوءًا وتراكمًا. فالطالب الذي ينشأ وهو يرى أفريقيا وأميركا الجنوبية بأحجامهما النسبية الأقرب إلى الواقع سيكوّن صورة مختلفة للعالم عن الطالب الذي اعتاد خريطة تضخم المناطق الشمالية وتقلص نسبيًا مساحات واسعة من الجنوب العالمي. ومع انتقال هذه الصورة من المدارس إلى الإعلام والمؤسسات والشركات، قد تتغير تدريجيًا بعض الافتراضات الراسخة بشأن المكان والحجم والأهمية.

قد لا يكون ذلك كافيًا لإعادة رسم السياسة العالمية، لكنه يُذكّر بحقيقة أساسية: الطريقة التي نرسم بها العالم تؤثر في الطريقة التي نتخيله بها. وإذا كانت الخريطة هي أول صورة يتعلم الإنسان من خلالها شكل الكوكب وتوزيع دوله وقاراته، فإنَّ تصحيحها ليس مجرد تعديل في علم الخرائط، بل خطوة نحو رؤية العالم بأبعاد أقرب إلى حقيقته.

Exit mobile version