لبنان وإسرائيل… سبعة عقود من الاتفاقات وإدارة الصراع (4 من 5)

من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محطات قانونية وسياسية متباينة كثيرًا ما اختلطت في الوعي العام. في هذه الخماسية، تتتبع “أسواق العرب” هذه الوثائق، لتوضح كيف تطورت، وما الذي بقي منها، وما الذي تغيّر عبر أكثر من سبعة عقود.

الحرب أعادت القرار 1701 إلى الواجهة… لكنها لم تُنهِ الأسئلة التي طرحتها.

الحلقة الرابعة

بعدَ اتفاقِ الترسيم… لماذا عادَ القرار 1701 إلى الواجهة؟

 

كابي طبراني*

عندما وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقَ ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأول (أكتوبر) 2022، بدا أنَّ البلدين توصّلا، للمرّة الأولى منذ عقود، إلى صيغةٍ نجحت في الفصل بين النزاع السياسي والمصالح الاقتصادية. فقد عالج الاتفاق خلافًا حدوديًا مُحَدَّدًا، وأتاح للطرفين المضي في استثمار مواردهما البحرية، من دون أن يفرض معاهدة سلام أو اعترافًا متبادَلًا أو أيَّ تغييرٍ في المواقف السياسية المعلنة.

غير أنَّ هذا النجاح بقي محصورًا في البحر. ورغم أن اتفاق الترسيم أسهم في إبقاء المنشآت البحرية خارج دائرة المواجهة، فإنَّ الحرب كشفت أنَّ معالجة النزاع البحري لم تكن كافية لمنع عودة الصراع على الحدود البرية، حيث بقي القرار 1701 المرجعية الوحيدة الممكنة.

فمع اندلاع الحرب في غزة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، سرعان ما امتدت المواجهات إلى الحدود اللبنانية، وعادت المنطقة الجنوبية إلى دائرة التصعيد العسكري، بما رافقه من قصفٍ مُتبادَل وعمليات اغتيال ونزوح واسع. وعندها، لم يعد السؤال المطروح يتعلّق باتفاق ترسيم الحدود البحرية، بل بالمرجعية التي يمكن أن توقف القتال على البر، وتمنع تحوُّل المواجهات إلى حربٍ إقليمية مفتوحة. وهذه أول مرة منذ اتفاقية الهدنة، يعود ارتباط الوضع اللبناني إزاء إسرائيل بنزاعها مع طرف ثالث. وبذلك، لم يعد القرار المتعلق بالجبهة اللبنانية مرتبطًا بالعلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل وحدها، بل أصبح جزءًا من صراع إقليمي أوسع، وهو ما جعل تطبيق القرار 1701 أكثر تعقيدًا مما كان عليه بعد عام 2006.

وهكذا، عاد القرار 1701 إلى صدارة المشهد، بعد نحو ثمانية عشر عامًا على صدوره. وعادت معه مفاهيم سَبَقَ أن تناولتها هذه السلسلة، مثل وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني، ودور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وآليات مراقبة التنفيذ. ولم يكن ذلك لأنَّ المجتمع الدولي وجد في القرار حلًّا جديدًا، بل لأنه لم يجد مرجعية قانونية أخرى يمكن البناء عليها.

ومن هنا، اكتسب اتفاق وقف إطلاق النار أهمية خاصة. فهو لم يكن وثيقة مستقلة تحلُّ محل القرار 1701، ولم يُنشئ نظامًا أمنيًا جديدًا على الحدود، بل جاء ليُعيد تفعيل المرجعية الدولية القائمة، ويضع آليات عملية لمحاولة تنفيذها بعد أن أثبتت الحرب أنَّ تطبيقها الجُزئي لم يعد كافيًا للحفاظ على الاستقرار.

وقف إطلاق النار… لماذا عاد القرار 1701 بعد ثمانية عشر عامًا؟

مع اتساع رقعة المواجهات، تكثفت الاتصالات الدولية، ولا سيما الأميركية والفرنسية، لمنع انزلاق الحدود اللبنانية–الإسرائيلية إلى حرب شاملة. لكن اللافت أنَّ الوسطاء لم يسعوا إلى صياغة قرارٍ جديد في مجلس الأمن، ولا إلى إعداد اتفاق مختلف عن المرجعيات القائمة، بل انطلقوا من القرار 1701 نفسه، بوصفه الإطار القانوني الدولي الذي ما زال يحكم الوضع في جنوب لبنان منذ عام 2006.

ولم يكن هذا الخيار مجرّد مسألة إجرائية، بل عكس قناعة بأنَّ المشكلة لم تكن في غياب المرجعية، وإنما في كيفية تطبيقها. فالقرار بقي نافذًا من الناحية القانونية، ولم يُلغَ أو يُستبدَل، كما استمرّت الأمم المتحدة في الاستناد إليه في تقاريرها الدورية، وبقيت قوات اليونيفيل تؤدّي مهامها وفق أحكامه. لكن السنوات التي أعقبت حرب تموز (يوليو) 2006 شهدت تفسيرات متباينة لبنوده، وتبادُلًا مستمرًا للاتهامات بشأن انتهاكه، الأمر الذي جعل تنفيذه الكامل موضع خلاف دائم.

ولهذا، لم يُقدَّم اتفاق وقف إطلاق النار بوصفه اتفاقًا جديدًا، بل باعتباره خطوة لإعادة تنفيذ الالتزامات التي نصَّ عليها القرار 1701. وقد عبّر نص الاتفاق عن ذلك بوضوح عندما أكد أنَّ لبنان وإسرائيل “يعترفان بأهمية قرار مجلس الأمن 1701 لتحقيق سلام وأمن دائمين، ويلتزمان باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذه بالكامل”.

ويكشف هذا النص أنَّ الاتفاق لم يسعَ إلى إنشاء مرجعية بديلة، بل إلى إعادة الاعتبار لمرجعية قائمة، أثبتت التجربة أنها ما زالت الإطار الوحيد الذي يحظى بقبول المجتمع الدولي والطرفين، رغم الخلافات العميقة حول تفسيرها وتنفيذها.

ولهذا أيضًا، أعاد الاتفاق التأكيد على العناصر نفسها التي قام عليها القرار 1701: وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، واستمرار دور اليونيفيل، والعمل على انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها خلال العمليات العسكرية. وبذلك، بدا وكأنه يعيد إحياء الترتيبات التي أُقرت عام 2006، أكثر مما يؤسس لترتيبات جديدة.

غير أنَّ العودة إلى القرار 1701 أعادت معها سؤالًا قديمًا ظلَّ حاضرًا طوال ما يقارب عقدين: إذا كانت المرجعية القانونية موجودة أصلًا، فلماذا لم تمنع الحرب؟ وهل كان الخلل في نص القرار، أم في الظروف السياسية والعسكرية التي حالت دون تنفيذه الكامل؟

هذا السؤال أعاد إحياء فكرة كيفية إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وهي فكرة ترتبط أصلًا بأنَّ التفاوض المباشر بين الدولتين المتنازعتين هو أقصر السُبُل الى إنهاء حالة الحرب وأقلّها كلفةً.

هل أخفقت الوثيقة… أم أخفق تنفيذها؟

منذ صدور القرار 1701 في آب (أغسطس) 2006، ظل يُنظَر إليه بوصفه المرجعية الدولية الأساسية لتنظيم الوضع في جنوب لبنان. فهو لم يكن قرارًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الحرب، بل إطارًا دائمًا يُنظّم وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني، ودور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، والالتزامات الأمنية الواقعة على عاتق الطرفين.

ولهذا، لم يكن غريبًا أن يعودَ القرار نفسه إلى واجهة الأحداث بعد حرب 2023. فالوثيقة بقيت قائمة من الناحية القانونية، ولم يصدر أيُّ قرارٍ دولي يحلُّ محلها، كما إنَّ الأمم المتحدة واصلت اعتبارها المرجعية الأساسية لأيِّ ترتيباتٍ تتعلق بجنوب لبنان.

لكن عودة القرار إلى الواجهة أعادت أيضًا السؤال الذي رافقه منذ صدوره: هل كانت المشكلة في نصِّ القرار، أم في طريقةِ تنفيذه؟

ففي الرؤية اللبنانية، ظلَّ تنفيذُ القرار منقوصًا بسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية الجوية والبرية، وبقاء عدد من النقاط الحدودية موضع نزاع، وعدم استكمال الانسحاب من جميع المواقع التي يعتبرها لبنان أراضي محتلة.

أما إسرائيل، فكانت ترى أنَّ التنفيذ بقي ناقصًا بسبب استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية، وبسبب الدور العسكري الذي واصل “حزب الله” القيام به في المنطقة الحدودية.

ويستند هذا الموقف أيضًا إلى القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2004، الذي دعا إلى حلِّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، وهو المبدأ الذي أعاد القرار 1701 التأكيد عليه، عندما دعا إلى التنفيذ الكامل للقرارين 1559 و1680، إلى جانب سائر القرارات الدولية ذات الصلة. ومنذ ذلك الحين، أصبح تنفيذ القرارَين (1701 و1559) مترابطًا في جانبٍ كبير من النقاش الدولي حول الوضع في لبنان، وخصوصًا في جنوب لبنان.

وبين هذين الموقفين، بقيت الأمم المتحدة تؤكد في تقاريرها الدورية أنَّ التنفيذ الكامل يتطلّب التزام جميع الأطراف بأحكام القرار، وأنَّ مسؤولية الحفاظ على الاستقرار لا تقع على طرف واحد.

وهكذا، لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار محاولة لمعالجة هذا الخلاف القانوني، بل محاولة لإعادة وضع القرار 1701 على سكة التنفيذ، بعد أن أثبتت الحرب أنَّ استمرارَ الخلاف حول تفسيره يُهدّد بتحويل أيِّ تصعيدٍ محدود إلى مواجهة واسعة. على أنَّ تكرار الإشارة الى اتفاقيات سابقة، سواء تم تنفيذها على الأرض أم لم يتم، فإنها تحمل ضمنيًا استدامة النزاع، أو استحالة إنهاء حالة الحرب بصورة ثابتة، ما دامت الدولة اللبنانية المعترف بها دوليًا، ليست طرفًا في النزاع أو مسببًا له. فالأطراف التي أدامت النزاع في جنوب لبنان، كانت غير لبنانية، أو لبنانية مرتبطة بطرف غير لبناني.

غير أنَّ الاتفاق لم يكن الوثيقة الوحيدة التي خرجت من تلك المرحلة.

الوثيقة المُعلَنة… والوثائق الموازية

وللمرة الأولى منذ اتفاق 17 أيار (مايو)، عاد الجدل في لبنان لا يقتصر على نصِّ الوثيقة نفسها، بل امتدَّ إلى ما أحاط بها من تفاهمات ورسائل موازية.

إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار هو النص الذي أُعلن للرأي العام، فإنَّ المشهدَ الديبلوماسي الذي رافقه كان أوسع من ذلك.

فبالتوازي مع التفاهم الخاص بوقف الأعمال العدائية، نشطت الاتصالات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول آليات تنفيذ الاتفاق، والتصوّرات الأمنية للمرحلة التالية، والدور الذي ستلعبه واشنطن في متابعة التنفيذ. ومن هنا، لم يعد النقاش في لبنان يقتصر على الوثيقة المُعلنة، بل امتد إلى الترتيبات السياسية والأمنية التي رافقتها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ الاتفاق، بوصفه نصًّا معلنًا، لا يثير إشكالات قانونية كبيرة، لأنه يستند أساسًا إلى القرار 1701. لكنهم لفتوا في المقابل إلى أنَّ فهمَ آلية تطبيقه لا يكتمل من دون النظر إلى التفاهمات الثنائية التي نسجتها الولايات المتحدة مع إسرائيل، والتي تناولت مسائل أمنية وعملية مرتبطة بالتنفيذ.

وفي المقابل، اعتبرت واشنطن أنَّ هذه التفاهمات لا تشكل اتفاقًا جديدًا، ولا تُعدّل أحكام القرار 1701، بل تهدف إلى تسهيل تنفيذه وضمان احترام الالتزامات الواردة فيه.

أما في لبنان، فقد انصبَّ جانبٌ من النقاش على أنَّ أيَّ ترتيبات ثنائية لا يكون لبنان طرفًا فيها لا يمكن أن ترتِّب عليه التزامات قانونية مباشرة، حتى لو أثّرت عمليًا في طريقة تنفيذ وقف إطلاق النار أو في إدارة المرحلة اللاحقة.

وهنا يبرز فارق مهم ميّز معظم المحطات التي تناولتها هذه السلسلة. فاتفاقية الهدنة عام 1949 كانت وثيقة ثنائية واضحة بين دولتين. واتفاق 17 أيار (مايو) كان اتفاقًا سياسيًا وأمنيًا مباشرًا بين لبنان وإسرائيل، وإن لم يدخل حيّز التنفيذ.

أما تفاهم نيسان، والقرار 1701، واتفاق وقف إطلاق النار، فجميعها ارتبطت بدرجات متفاوتة بوساطة أميركية أو دولية، بحيث لم تعد الوثيقة المعلنة وحدها كافية لفهم الإطار الكامل الذي يحكم تنفيذها.

ومن هنا، لم يعد السؤال يقتصر على مضمون النصوص، بل امتدَّ إلى الآليات السياسية والأمنية التي ترافق تنفيذها، وهو تطوُّرٌ يعكس طبيعة الصراع نفسه، الذي أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع التوازنات الإقليمية والدولية.

ما الذي كشفت عنه الحرب؟

إذا كانت حرب تموز (يوليو) 2006 قد قادت إلى صدور القرار 1701، فإنَّ المواجهات التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أعادت اختبار هذا القرار في ظروف مختلفة تمامًا. فلم تكن المشكلة هذه المرة في غياب مرجعية قانونية، بل في قدرة مرجعية قائمة منذ ما يقارب عقدين على احتواء صراع تغيّرت ظروفه السياسية والعسكرية.

وقد أظهرت الحرب أنَّ الوثائق، مهما بلغت دقتها القانونية، لا تستطيع وحدها منع المواجهات إذا غابت الإرادة السياسية لتنفيذها. فالقرار 1701 بقي ساري المفعول طوال تلك السنوات، واستمرّت قوات الأمم المتحدة والجيش اللبناني في أداء المهام المنوطة بهما، لكن ذلك لم يمنع اندلاع مواجهة واسعة عندما تبدّلت الحسابات الإقليمية وارتبطت الجبهة اللبنانية بالحرب في غزة.

كما كشفت الحرب أنَّ الصراع لم يَعُد يُختَزَل في الخلافات الحدودية التي تناولتها اتفاقية الهدنة عام 1949، ولا حتى في قضايا الاحتلال التي طبعت مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، بل أصبح جُزءًا من توازنات إقليمية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، والتحالفات السياسية، وحسابات الردع المتبادل.

وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب ترتيب أولويات المجتمع الدولي. فبعد أن انصبَّ الاهتمام، عقب اتفاق ترسيم الحدود البحرية، على فرص الاستثمار في الغاز وتهدئة النزاع الاقتصادي، عاد التركيز إلى الأمن الحدودي، وانتشار الجيش اللبناني، ودور قوات الأمم المتحدة، وآليات مراقبة وقف الأعمال العدائية. وبذلك، انتقل الاهتمام مرة أخرى من البحر إلى البر، ومن الاقتصاد إلى الأمن.

لكن الدرس الأبرز الذي أفرزته هذه المرحلة لم يكن عسكريًا بقدر ما كان قانونيًا وسياسيًا. فقد أثبتت التجربة أنَّ الاتفاقات الجُزئية تستطيع معالجة ملفات محددة، لكنها لا تستطيع، بمفردها، إنهاء النزاع أو منع تجدُّد الأزمات عندما تبقى الملفات الأخرى معلّقة.

فاتفاق ترسيم الحدود البحرية نجح في تسوية نزاع يتعلق بالموارد الاقتصادية في البحر، لكنه لم يتناول الحدود البرية أو الترتيبات الأمنية. والقرار 1701 وضع إطارًا لتنظيم الوضع في جنوب لبنان، لكنه لم يحسم الخلافات السياسية والعسكرية التي استمرت بعد صدوره. أما اتفاق وقف إطلاق النار، فقد نجح في وقف العمليات العسكرية، لكنه ترك الأسئلة نفسها المتعلقة بآليات التنفيذ، والخروقات، والضمانات، من دون إجابات نهائية.

ومن هنا، تبدو الوثائق التي تناولتها هذه السلسلة مترابطة أكثر مما تبدو منفصلة. فكلُّ واحدة منها عالجت جانبًا من الصراع، لكنها لم تدّعِ يومًا أنها تقدم تسوية شاملة له. ولهذا، كانت كل وثيقة تمهّد، بصورة أو بأخرى، للوثيقة التي تليها، مع تغيّر طبيعة النزاع وتبدّل أولويات الأطراف المعنية.

وقف إطلاق النار… نهاية جولة أم بداية مرحلة جديدة؟

إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار قد نجح في خفض مستوى العمليات العسكرية وإعادة الهدوء النسبي إلى الحدود، فإنه لم يُنهِ الأسئلة التي طرحتها الحرب، بل أعادها إلى الواجهة في صيغة مختلفة. فالتجربة اللبنانية منذ عام 1949 تُظهر أنَّ معظم جولات القتال انتهت باتفاق أو تفاهم أو قرار دولي، لكن أيًّا منها لم ينجح، بمفرده، في إنهاء الصراع أو إزالة أسبابه.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو اتفاق وقف إطلاق النار خروجًا عن المسار الذي رسمته الوثائق السابقة، بل امتدادًا له. فهو، شأنه شأن اتفاقية الهدنة، وتفاهم نيسان، والقرار 1701، لا يقدّم تسوية سياسية شاملة، بل يضع إطارًا لإدارة مرحلة من مراحل النزاع، على أمل أن يمنع انتقالها إلى مواجهة أوسع.

غير أنَّ التجربة الأخيرة أظهرت أيضًا أنَّ نجاح أي اتفاق لم يعد يتوقّف على النصوص وحدها، بل على البيئة السياسية والأمنية التي تُنفَّذ فيها، وعلى قدرة الأطراف المعنية على الالتزام بها. ولهذا، فإنَّ الجدل الذي رافق اتفاق وقف إطلاق النار لم ينحصر في بنوده المعلنة، بل امتد إلى الترتيبات والضمانات التي رافقته، وإلى الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في متابعة تنفيذه، وهي عناصر ستفرض نفسها بقوة في النقاش الذي أعقب توقف العمليات العسكرية.

وهكذا، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية وقف الحرب، بل على طبيعة المرحلة التي تليها. فهل تكفي إعادة تفعيل القرار 1701 لإرساء استقرار دائم، أم أنَّ الوقائع التي أفرزتها الحرب تستدعي ترتيبات جديدة تتجاوز ما نصت عليه الوثائق السابقة؟

تكشف التجربة الممتدة منذ عام 1949 أنَّ الاتفاقات بين لبنان وإسرائيل لم تفشل لأنها كانت تفتقر إلى الأطر القانونية، بل لأنها وُلدت دائمًا في بيئات سياسية وأمنية مضطربة، حالت دون تنفيذها كاملًا. ولذلك، لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوثائق التي نجحت في احتواء جولات من الصراع، من دون أن تنجح في إنهائه.

لكن الاتفاق الأخير أثار نقاشًا مختلفًا عمّا عرفه لبنان في المحطات السابقة. فلم يقتصر الجدل على نصه، بل امتد إلى التفاهمات التي رافقته، وإلى الأسئلة التي طرحها حول مستقبل القرار 1701، وسلاح “حزب الله”، واحتمالات الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية أكثر استقرارًا. وهكذا، لم يعد النقاش يدور حول اتفاقٍ جديد فحسب، بل حول مستقبل الإطار الذي سيحكم العلاقة بين لبنان وإسرائيل في السنوات المقبلة. لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: هل ما يجري مجرد محاولة جديدة لإدارة الصراع، أم أنه قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في العلاقة بين لبنان وإسرائيل؟ هذا ما تحاول الإجابة عنه الحلقة الخامسة والأخيرة.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى