
هنري زغيب*
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيه له ولا مثيل: فهو على الإِطلاق أَشهرُ كاتب عالمي في أَيِّ لغة، ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقتَيْن السابقتَيْن سردتُ لمحة عن نشأَة شكسبير، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده.
في هذه الحلقة أَضواء على سنوات مجهولة من سيرته.
الزواج والفضيحة
لم يُشِر أَيٌّ من مؤَرخي شكسبير إِلى نحو ست سنوات من حياته لا يعلم أَحَد أَين كان خلالها، وماذا كان يعمل. ففي الدراسات معلومات كافية حول سيرته ومسيرته ومعظم حياته وأَعماله، إِنما يبقى غموضٌ حول فترةٍ تمتدُّ من مغادرته المدرسة إِلى مطالع كتاباته المسرحية.
ما تناهى عنه أَنه سنة 1582 تزوَّج من آنَّا هاثاواي (1556-1623). كان في الثامنة عشرة وكانت في الثلاثين. وفي بعض السيَر أَنها، عند زواجها كانت في الشهر الثالث من حمْلها بابنتها سوزانَّا فتم الزواج خفيةً وبسرعة خوفًا من الفضيحة. لكن حياته الزوجية معها بقيت في الظل وبقيت هي معه حتى وفاته. وَلدَت له ثلاثة أَبناء: سوزانَّا (1583-1649)، والتوأَم جوديت وهامْنِتْ (1585-1596) وهو ابنه الوحيد، توفي في الحادية عشرة، وحزن عليه شكسبير كثيرًا، حتى أنه كتب مقطعًا حزينًا عنه في مسرحيته “الملك جون” (1623).
ترجيحات متعدِّدة
الفجوة البيوغرافية تمتدُّ منذ 1586، عامَ يظهر اسمه في المحكمة حول مُلْك عقاريٍّ لوالدته سنة 1592. عامئذٍ سخِرَ منه الممثل اللندني روبرت غرين في نص لاذع. ولا إِشارة ثابتة تاريخية إِلى كيفية وجود شكسبير في لندن، ولا إِلى أَسباب انتقاله إلى العاصمة. ويرجِّح بعض المؤَرخين – مجرد ترجيح من دون توثيق تاريخي – أَنه غادر سْتراتفورد خفيةً هربًا من دعوى اتهامه بصيده غزالًا بطريقة غير شرعية، وكتابته أغنية ساخرة ضد الإِقطاعي الذي قدَّم ضدَّه الدعوى.
في ترجيحات أُخرى أَنه انتقل إِلى لانكاشاير، شمالي منطقة ستراتفورد. وأَنه، كمثقَّف، قد يكن انتسب إِلى جامعة، ما كان غريبًا عصرئذ لرجل متزوِّج. وقد يكون احتاج إِلى المال ليُعيل أُسرته الصغيرة، فلجأَ إِلى التدريس، وهو الأَرجح في رأْي المؤَرخين. وتصدُف أَن معظم المواطنين في لانكاشاير كانوا مناهضين الكثلكة، وبينهم أَقارب والدته من أُسرة آردن. لذا يرجَّح أَنهم اهتموا به وأَوجدوا له عملًا ومسكنًا.
كيف انتقل إِلى لندن؟
هذا الترجيح قد يفسِّر انتقاله إِلى لندن ومسارحها. فمعظم فرَق لندن المسرحية كانت تجول في البلاد، وتقدم أَعمالًا في قصورٍ أَو في منازل الأُسَر الثرية. والثابت تاريخيًا أَنَّ اثنين من قصور لانكاشاير التابعة لأُسرة آردن كانا مسرحًا لأَعمال فرَق مسرحية قد يكون وليام شكسبير انضمَّ إِلى إِحداها. وفي ترجيحات أُخرى أَنه، بانضمامه إِلى إحدى تلك الفرق، جاء معها إِلى لندن.
في نظرية أُخرى أَن شكسبير بقي في ستراتفورد، وفيها تعرف بإِحدى الفرَق التي جاءت إِلى مدينته. وبينها فرقة “رجال الملكة إِليزابيت” التي كانت غالبًا تأْتي إِلى ستراتفورد. وفي رواية أُخرى أَن تلك الفرقة المسرحية، إِذ كانت تقدِّم عملًا في ستراتفورد، طُعِن في حانتها حتى الموت الممثل وليام كِلّ، فتقدَّم شكسبير ليحلَّ مكانه في المسرحية. هكذا يكون انتقل مع تلك الفرقة إِلى لندن. وإِذ كان والده جون رئيس البلدية، ومسؤولًا عن مراقبة الفرَق المسرحية التي تأْتي إِلى المدينة، يكون استثمر مكانته لإِدخال ابنه وليام إِلى تلك الفرقة.
من ممثِّل إِلى مؤَلِّف
هذا ما قد يفسر وجوده في لندن سنة 1592، وبداية شُهرته فيها ككاتب مسرحي، منتقلًا من التمثيل إِلى التأْليف، وغانمًا من ذلك مالًا جعله يترك الفرقة ويستقل بعمله الخاص، تاركًا في ستراتفورد زوجته وأَولاده.
وفي سردية أَخيرة أَنه، بعد معمودية توأَمه سنة 1585، لا أَثر له سوى ذاك النص الساخر هاجمه به روبرت غرين في لندن. وهكذا تكون سبع سنوات من سيرته لا أَثرَ تأْريخيًا لها، ليخرجَ بعدها في أَوساط لندن كاتبًا تخلَّى عن التمثيل في مسرحيات الآخرين، ليصبح مؤَلِّفًا مسرحياته الخاصة.
الحلقة الرابعة: فصول مريرة من فترة زواجه.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
