كركلَّا يحمل فينيقيَّة لبنان إِلى رومانيَّة فقرا

هنري زغيب*

لا يهدأ.. جالسٌ أَبدًا بين آخر نَفَسٍ من أَمس وأَوَّل نُورٍ في الغد.. يحاول القبْض على ما سيأْتي قبل أَن يَغور في الزمن.. يريد أَن يلتقط الهنيهة كي يُخصبَها بحُلْم جديد.. دائمُ التفكير بالجديد، بالتالي.. ليس نجاحُهُ وُصولًا بل بدايةُ قلقٍ على ما سيكون..

ولا يهدأ.. قبل أَسابيع عاد من أَكبرِ مجدٍ يتوقُ إِليه فنان: “كركلَّا على مسرح البولشوي-موسكو” (ثلاثة عروض بصالة كاملة كلّ ليلة).. مع نهاية العرض الخيالي الإِبداع، ابتدأ تفكيره بالـ”ماذا بعد”؟ هذا رجل مسكون بالـ”ماذا بعد”..

ولا يهدأ.. قبل أَيامٍ عاد من نجاح باهر على مسرح “جَرَش”، لا ليستريح بل ليُهيِّئَ “فينيقيا” فيحملَ فينيقيَّةَ لبنان إِلى رومانيَّةِ فقرا (بعد غدٍ الأَحد).. وسيعيش جمهور القلعة في أَجواء يعانقُ الخيالُ فيها الواقع.. والفنُّ خيالٌ وواقع.. لا يُبدع فنان إِن لم يحمل في رؤْياه واقعًا يصقُله بلمساته، وخيالًا يصبو إِليه في خلَواته.. وهذا ما كركلَّا إِليه: استحضارُ الماضي تراثًا وهويةً ورؤْية، وتقديم الحاضر مبلَّلًا بندى الرؤْيا إِلى مستقبل أَجمل.. الفنان: رسالةُ تجميلِ الغد، وتحسينِ الحاضر، وتنصيعِ الماضي..

ولا يهدأ.. هاجسُهُ أَن يظلَّ مسرح كركلَّا مشتعلًا بأَحلامٍ تَنسُج حَكَايا عن ثقافةِ شعبٍ وحضارةِ وطن.. هاجسُهُ أَن يسابقَ الزمن فلا يأْتي غدٌ لا يكون فيه حاضرًا.. يعرف هو، يعرف تمامًا، أَنَّ المبدعَ محدودٌ بالعمر، والحياةَ مفتوحةٌ على المدى.. لذا يستعجل الزمنَ كي يُخاصره ويمضي به ومعه وإِليه..

ولا يهدأ.. على جبينه لبنان، لكنَّ الحضارة العربية في نبْضه.. يستلُّ منها خيوطًا يَنسج بها روائعَ تَستعيد أَمجاد شعب عمَّر للحضارة أَبراجَ تاريخٍ من نُبْل ووفاء.. وفي كل ما يَنْسج، يُلبِس الجمال افتتانًا باللحظة الأَبهى: أَبجدية الكوريغرافيا، وميلوديا الأَجساد، في نوتات تُدهش العين وتُفرح السمْع، تَتَمَوْسقُ سمفونيا أَلوانٍ تُتَرجم كلَّ خطوةٍ وكلَّ لفتة وكلَّ مهارة رقص، حتى ليتحوَّل المسرح زغردةَ حَلا في نيرفانا جمالية خارج اللحظة..

ولا يهدأ.. ها هو بعد غدٍ (الأَحد) يوقظ قلعة فقرا من قيلولتها الدهرية.. يحمل إِليها عرضه التراثي “فينيقيا”، مع ما تطرِّزه الكوريغرافيا الجميلة من حضور غنائي وتمثيلي ناصع، تتأَلق فيه هدى حداد إِطلالةً دائمة العذوبة، ويَحضنه جوزف عازار بالخبرة الوُثقى، ومنير معاصري بتاريخه الفني الثري، ورفعت طربيه وغبريال يمين بفرادتهما اليوم في المسرح اللبناني، وسيمون عبيد بمواصلةٍ لا تخطئ، وبعلبكيَّة عُمَر كركلَّا بأَدائه المنتَظَر تتويجًا كلَّ عرض.. هكذا يتشكَّل، بين أَعمدة فقرا، عرضٌ يَطبع الذاكرة بوشاحٍ يجمع التذكار إِلى ذائقة الجمال: من أَحيرام افتتاحًا، وما يجري في قصره باستقباله آمون حور (ابن رمسيس) ورضاه على تزويجه ابنتَه سيديروس أَميرة فينيقيا، وانعقاد الحلف بين بلاد الأَرز ومملكة النيل، وُصولًا إِلى أُوپـرا ضيعة لبنانية تبدأُ انقسامًا بين حيَّيْن: “راس الجرد” و”التل العاليط، وتنتهي وفاقًا يَغمرُه الحب وتَبُوسُهُ الهناءة..

ولا يهدأ.. ترفد أَحلامَه إِبداعيةُ إِيفان كركلَّا بأَحدث تكنولوجيا الإِخراج والسينوغرافيا والبُعد الآخر من الشاشة الكبرى إِلى حيِّز الخشبة، فتروي البصَريات المصورةُ بجمالٍ عذبٍ ما يختصر زمانها على المسرح.. وترفدُ أَحلامَه أَيضًا كوريغرافيا أليسار كركلَّا برهافة الخلَّاقةِ التي تُغذِّي كلَّ لوحة راقصة بما تختزنه من دهشة جمالية..

ولا يهدأ.. قَدَرُهُ، عبدالحليم كركلَّا، أَلَّا يهدأ.. إِنه ابنُ القلَق الخلَّاق، يَسكن الـ”ماذا بعد” فيتحوَّل في باله كلُّ نجاح جديد سؤَالًا يضجُّ بمسؤُولية الـ”بَعد”، كي يكون التالي أَفضل من الحالي.. وهذه هي المصادَرة على المستقبل: أَن يزرعَ الفنان مع كلِّ قمحةٍ جديدةٍ إِيمانًا حافيًا أَن تَتَسَنْبَلَ رؤَاهُ غدًا بما يجعلُه ينافسُ ذاته صوب الكمال..

هكذا تولد، مع كلِّ حبةِ قمحٍ، سنبلةُ جمالٍ جديدةٌ بتوقيع عبدالحليم كركلَّا.

Exit mobile version