
هنري زغيب*
في السائد العام أَنَّ المصري محمد حسين هيكل (1888-1956) رائدُ الرواية العربية وأَولُ روائي عربي في روايته “زينب” (1914). مش صحيح. ريادة الرواية العربية ترقى إِلى الكاتبة اللبنانية عفيفة كرم (1883-1924) في روايتها “بديعة وفؤَاد” (1906 – منشورات جريدة “الهدى” – نيويورك).
قبل أَيام صدرت للباحث الإِيطالي فرنشسكو ميديتشي Francesco Medici دراسة عن الروائية اللبنانية في أَميركا عفيفة كرم (في موقعKahlil Gibran Collective ). هنا مقاطع منها، أَضفتُ إِليها معلومات أُخرى من أَبحاثي الشخصية.
في الحلقة الأُولى سردتُ نبذة بيوغرافية عن عفيفة كرم. في هذه الحلقة نبذة عن حياتها الصحافية.
زواج هانئ
صحيح أَنَّ زواج عفيفة كان مدبَّرًا بل مفروضًا عليها (من والديها وهي في الرابعة عشرة)، لكنَّ زواجها كان هانئًا، مكتمل الفرح إِلَّا من فرحة الأُمومة التي لم تكتمل لأَنها لم تُنْجِب. ويُسْرُ زوجها ماليًّا وفَّر عليها أَن تعمل جاهدةً كي تكسب معيشتها للإِعالة، كما كانت حالة نساء كثيرات هاجرن فترتئذٍ إِلى الولايات المتحدة واضطُررن إِلى العمل الشاق لمساعدة أَزواجهن غير الميسورين، جاءُوا إِلى الديار الأَميركية طلبًا لقْمةَ العيش المفقودةَ في لبنان عصرئذٍ.
إِذًا، ذاك اليُسْر وفَّر لها أَن تنصرف كلِّيًّا إِلى القراءة والكتابة، كما إِلى العمل الاجتماعي التطَوُّعيّ، خصوصًا دعمًا يتامى الظلْم العثماني في البلاد الأُمّ، ودعمًا حقوقَ المرأَة العربية، مسلمةً ومسيحيَّةً، في الولايات المتحدة.
فرصة “الهدى”
سنة 1898 تعرَّفت عفيفة كرم بنعوم مكرزل (1864-1932) الكاتب والصحافي والمناضل اللبناني، مؤَسس جريدة “الهدى” عامئذٍ في فيلادلفيا – ولاية بنسيلفانيا (سنة 1902 نقلَها إِلى مدينة نيويورك وبقي يديرها من هناك حتى وفاته). ومن هذا التعرُّف، أَخذَت عفيفة كرم تنشر مقالاتها الأُولى في “الهدى” (كان أَمين الريحاني فترتئذٍ أَيضًا ينشر فيها مقالاته).
بعد مقالاتها المتفرّقة، أَفرد لها نعوم مكرزل في “الهدى” زاوية خاصة باسمها عنوانها “مباحث نسائية”، ومع المقال صورتها التي اشتهرت لها بين أَعضاء الجالية اللبنانية في أَميركا.
مجلَّتُها الخاصة
لم تكتفِ عفيفة بكتابة المقالات في “الهدى”، فأَسست في نيويورك سنة 1911 جريدة “المرأَة السُورية” (بالتعبير السائد عصرئذٍ) أُسبوعيةً كانت أَول صحيفة عربية أَميركية تعالج قضايا المرأَة في لبنان وسوريا. وسنة 1912 أَصدرت في أَيلول/سبتمبر “مجلة العالم الجديد النسائية” (في نيويورك أَيضًا)، اشترت امتيازها من سلوم مكرزل (1881-1952) شقيق نعوم مكرزل، وتولَّى إِدارة “الهدى” بعد وفاة نعوم (1932) وظلَّ يديرها حتى وفاته، فتولَّتها ابنتُه ماري (1952-1971).
عن “تاريخ الصحافة العربية” (1913) للكونت فيليب دو طرازي (1921-1940) أَن “مجلة العالم الجديد النسائية” كانت “أَول مجلة عربية نسائية ظهرت في جميع الأَقطار الأَميركية”.
سنة 1919 غادر نعوم مكرزل إِلى باريس ممثلًا “جمعية النهضة االلبنانية” في مؤْتمر باريس، فكلَّف عفيفة كرم رئاسةَ تحرير”الهدى” طيلة تسعة أَشهر.
ليست اسمًا مستعارًا
هكذا تمكَّنَت عفيفة كرم، بمقالاتها في “الهدى” وفي مجلَّتها الخاصة، من إِبراز المقارنة بين العالَمين الشرقي والغربي، ومن النضال لأَجل نيل المرأَة العربية استقلالها وحريتها وحقوقها. وبلغَت جرأَتُها في مقالاتها الهادفة القوية، وفي أُسلوبها الأَدبي الأَنيق، ظنَّ الكثيرين فترتئذٍ أَنَّ “عفيفة كرم” هو اسم مستعار لكاتب محترف متمكن، إِلى حدِّ الشكّ أَنه الاسم المستعار لنعوم مكرزل المعروف بجرأَته وقسوته.
وتنامت تلك الشائعات حتى اضطُرَّت عفيفة في آب/أُغسطس 1905، وفي “الهدى” بالذات، إِلى كتابة مقال خاص ردَّت فيه على المشكِّكين وخاطبت قراءَها مؤكِّدة أَن هذا هو اسمها الحقيقي، وأَنها كاتبة مستقلة تناضل من أَجل حقوق المرأَة.
الرواية ليست نوعًا أَدبيًا مُسيئًا
في 15 آذار/مارس 1906، بعد نحو سنة كاملة من الصمت، نشرت في “الهدى” مقالها “بحث في الرواية” ردَّت فيه على نقاد الرواية الْكانوا ينادون بأَنّ كتابة الرواية نوع أَدبي خطير ومؤْذٍن ينشر أَفكارًا هدَّامة مُضلِّلة غير أَخلاقية. وأَكَّدت عفيفة أَن “الرواية منصَّة تعليمية تربوية تهذيبية مدنية تدعو إِلى نشر القيَم بين قارئاتها في كل مكان وزمان”.
وفي اليوم التالي بالذات (16 آذار/مارس) صدر في صدر الصفحة الأُولى من “الهدى” إِعلانٌ عن قُرب صدور روايتها الأُولى في طبعة أُولى من 500 نسخة.
الحلقة الثالثة: عفيفة كرم الروائية.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
