هُدنة بلا حَسم… لماذا لا تزال المُواجهة الأميركية-الإيرانية بعيدة من النهاية؟

بول بوست*

رُغمَ الترحيب الذي أحاط بمذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، فإنَّ الطريقَ إلى اتفاقٍ دائم لا يزال مليئًا بالعقبات. فقد نصّت المذكرة على وقف الأعمال العدائية والشروع في مفاوضات لتسوية الخلافات بين البلدين، بينما سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وصفها بأنها تمثل “استسلامًا غير مشروط” من جانب طهران.

إلّا أنَّ القراءة المتأنِّية لبنود المذكرة لا تدعم هذا التوصيف. فالاتفاق يمنح إيران مكاسب ملموسة، أبرزها تخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية، وهو ما قد يفتح أمامها الباب لتحقيق مليارات الدولارات من الإيرادات الإضافية. لذلك رأى عدد من المحللين أنَّ الاتفاق يعكس تراجعًا للموقف الأميركي أكثر مما يُجسّد انتصارًا له، معتبرين أنَّ إدارة ترامب لم تتمكن، أو لم ترغب، في استخدام القوة العسكرية المطلوبة لفرض شروطها على طهران.

ومع ذلك، يبدو من المبكر إصدار أحكام نهائية على نتائج الاتفاق. فالمذكرة ليست سوى إطار مؤقت يمهّد لمفاوضات أكثر تعقيدًا تهدف إلى إنهاء الصراع. ورغم حديث الوسطاء من قطر وباكستان عن “تقدُّم مشجع” خلال الجولة الأولى من المحادثات التي استضافتها سويسرا، فإنَّ الفجوات بين الطرفين لا تزال واسعة، ما يجعل الوصول إلى اتفاقٍ نهائي قابل للتنفيذ والالتزام أمرًا بالغ الصعوبة.

ويظلُّ البرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر حساسية في هذه المفاوضات، إذ كان الدافع الأساسي وراء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران. لكن التوصُّل إلى اتفاقٍ نووي جديد يواجه تحديات كبيرة، سبق أن أشارَ إليها العديد من الخبراء. وقد أعلن ترامب أنَّ إيران وافقت على السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإجراء عمليات تفتيش لمنشآتها النووية “إلى الأبد”، في خطوة اعتبرها إنجازًا رئيسيًا.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، لأنَّ أحد أبرز انتقاداتها للاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، كان أنَّ القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني مؤقتة وتنتهي تدريجًا بعد نحو 15 عامًا. إلّا أنَّ طهران سارعت إلى نفي موافقتها على ترتيبات تفتيش جديدة، بينما اكتفى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بالقول إنَّ عمليات التفتيش ستُستأنف، من دون تحديد جدول زمني واضح.

لكن الملف النووي ليس سوى جُزءٍ من الأزمة. فمصادر التوتر بين واشنطن وطهران تمتد إلى ملفات أخرى لا تقل تعقيدًا، في مقدمتها الدعم الإيراني لفصائل مسلحة في المنطقة، بينها “حزب الله” في لبنان، والحوثيون في اليمن، وحركة “حماس” في الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى الميليشيات الشيعية في العراق. وتنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى هذه الجماعات باعتبارها أدوات رئيسة للنفوذ الإيراني وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي.

كما يشكّل البرنامج الصاروخي الإيراني مصدر خلاف مزمن بين الطرفين. فطهران تعتبر ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها الدفاعية، وهي قناعة تعززت منذ الحرب العراقية-الإيرانية عندما تعرضت المدن الإيرانية لقصف صاروخي عراقي مكثف. في المقابل، ترى واشنطن وتل أبيب أنَّ هذه القدرات تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنهما ولحلفائهما في المنطقة.

ورُغمَ حساسية هذين الملفين، فإنهما لا يبدوان ضمن جدول أعمال المفاوضات الحالية، وفقًا لنص مذكرة التفاهم ومسار المحادثات حتى الآن. ويُعيدُ ذلك إلى الأذهان أحد أبرز الانتقادات التي وُجِّهَت إلى الاتفاق النووي لعام 2015، والمتمثل في تجاهله قضايا الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وهو ما حال دون حصوله على دعم إسرائيل وعدد من دول الخليج. واليوم تبدو إدارة ترامب وكأنها تسير في الاتجاه ذاته الذي انتقدته سابقًا.

ولا تتوقف الإشكالات عند هذا الحد، إذ يبرز أيضًا ملف مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فقد سارعت إيران إلى إغلاق المضيق مع اندلاع الحرب، قبل أن تعيد فتحه بموجب مذكرة التفاهم الأخيرة. غير أنَّ الصياغة العامة للاتفاق لا تحسم مستقبل حرية الملاحة، ولا تمنع طهران نظريًا من فرض رسوم أو قيود على السفن العابرة مستقبلًا، رغم تطمينات المسؤولين الأميركيين والخليجيين. كما إنَّ الهجوم الإيراني الأخير على سفينة حاويات في المضيق، وما تبعه من ردٍّ عسكري أميركي، يؤكد أنَّ هذا الملف لا يزال قابلًا للاشتعال في أيِّ لحظة.

وتكشف هذه المعطيات أنَّ الاتفاق المُرتَقب، حتى لو نجح في احتواء الأزمة النووية، لن يكون كافيًا لمعالجة بقية عناصر الصراع بين الجانبين. فإيران لا تزال تمتلك أدوات متعددة لممارسة نفوذها الإقليمي، بينما تواجه واشنطن تحديًا يتمثل في محاولة جمع جميع الملفات الخلافية ضمن اتفاقٍ واحد، وهو أمرٌ أثبتت التجارب السابقة صعوبته، خصوصًا في ظل السمعة التي يتمتع بها المفاوض الإيراني في التمسُّك بخطوطه الحمراء وعدم تقديم تنازلات جوهرية.

ومع ذلك، فإنَّ الظروف الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي أحاطت بمفاوضات عام 2015. ففي السابق، كانت كلفة المواجهة العسكرية احتمالًا قائمًا، أما اليوم فقد أصبحت واقعًا دفع الجميع ثمنه. فقد تكبّدت إيران خسائر بشرية كبيرة، شملت عددًا من كبار قادتها، إلى جانب أضرار واسعة في بنيتها التحتية. كما سقط عشرات القتلى في إسرائيل نتيجة الهجمات الإيرانية، بينما فقدت الولايات المتحدة 13 جنديًا وأصيب المئات، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية التي ألحقها الصراع بالاقتصاد العالمي.

لهذا، يبدو أنَّ واشنطن وطهران توصّلتا إلى قناعة مشتركة بأنَّ التهدئة، ولو مؤقتًا، أقل كلفة من استمرار الحرب. لكن هذه القناعة قد تواجه اختبارًا صعبًا عندما تبدأ مرحلة التفاوض على التفاصيل الجوهرية، إذ يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الطرفان تجاوز خلافاتهما العميقة وصياغة اتفاق دائم، أم أنَّ مذكرة التفاهم الحالية ليست سوى هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهة؟

  • بول بوست هو أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميل غير مقيم في “مجلس شيكاغو للشؤون العالمية”.
  • كُتِبَ المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى