بين قرارات الفصل بين الجنسين ومشاريع “حماية الفضيلة” وتنامي نفوذ المؤسسات الدينية داخل أجهزة الدولة، تشهد ليبيا تحوّلًا عميقًا يتجاوز السياسة التقليدية. إنه صعودٌ هادئ لدولة ظلّ ثيوقراطية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع عبر القانون والإدارة أكثر مما تفعل عبر القوة المباشرة.
مصطفى فتوري*
في مطلع العام الجاري، تحوّل مقطع فيديو قصير انتشر على نطاق واسع في ليبيا إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود الحادثة نفسها. فقد أظهر الفيديو فتىً مراهقًا يحتفل بتفوّق شقيقته الدراسي، حيث رفعها ودارت بهما لحظة عفوية من الفرح العائلي. غير أنَّ ما بدا للكثيرين تعبيرًا بريئًا عن المودة الأخوية سرعان ما أثار موجة واسعة من الانتقادات الدينية، إذ اعتبره عدد من المحافظين سلوكًا غير منسجم مع معايير الاحتشام التي يدافعون عنها. ولم يقتصر الجدل على تفاصيل الواقعة، بل كشف عن تحوّل أعمق يشهده المجتمع الليبي، يتمثل في تنامي الرقابة الدينية والاجتماعية على أبسط الممارسات اليومية.
ومع تصاعد ردود الفعل، وجد الشقيقان نفسيهما في قلب عاصفة إعلامية واجتماعية لم يتوقعاها. وتحت وطأة الضغوط، اضطرّا في نهاية المطاف إلى الظهور في بث تلفزيوني مباشر لتوضيح “نواياهما” وشرح ملابسات ما حدث. كما امتد الجدل إلى مدرستهما، “مدرسة نخبة الأجيال” الخاصة في منطقة عين زارة بطرابلس، التي تعرضت بدورها لضغوط متزايدة دفعتها إلى تقديم اعتذار علني بدعوى مخالفة “القيم الليبية”. وهكذا تحوّلت لحظة فخر عائلية خاصة إلى مؤشّر لافت إلى كيفية إعادة تشكيل المجال العام في ليبيا من قبل قوى دينية واجتماعية يتجاوز تأثيرها حدود المؤسسات السياسية الرسمية.
من حادثة مدرسية إلى سياسة دولة
ولم تتوقف تداعيات الحادثة عند حدود النقاش المجتمعي، بل سرعان ما انعكست على السياسات العامة. ففي نيسان (أبريل) الماضي، وبعد موجة الغضب التي رافقت انتشار الفيديو، أصدرت وزارة التربية والتعليم الليبية قرارًا أحدث تحوّلًا كبيرًا في البيئة التعليمية. فقد نصّ التوجيه الجديد على الفصل الصارم بين الجنسَين في جميع مراحل التعليم الثانوي، بما يشمل المدارس الخاصة والدولية للمرة الأولى، وهي مؤسسات طالما اعتُبِرَت فضاءات أكثر انفتاحًا وتمثيلًا للتوجّهات الليبرالية والعلمانية. ولم يقتصر القرار على قاعات التدريس، بل شمل جميع المرافق والمساحات المشتركة، من ساحات وصالات وغيرها، على أن يبدأ تطبيقه الكامل اعتبارًا من العام الدراسي 2026 ـ 2027.
وتكشف شهادات العاملين في القطاع التعليمي حجم الضغوط المرافقة لهذا التحوُّل. فقد أكد أحد أعضاء الهيئة التعليمية في “مدرسة نخبة الأجيال”، طالبًا عدم الكشف عن هويته، أنَّ الإدارة وجدت نفسها أمام واقع يفرض الامتثال السريع لتوجيهات الوزارة. وفي مقابلة هاتفية، أعربت إدارة المدرسة عن أسفها لما جرى، مؤكدة أنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات التنظيمية المطلوبة، ومن بينها إعادة هيكلة جداول الدوام بحيث يحضر الطلاب والطالبات في أوقات مختلفة من اليوم. ووفقًا للإدارة، فإنَّ هامش المناورة يكاد يكون معدومًا، إذ إنَّ أيَّ تباطؤ أو تردّد في تنفيذ التعليمات قد يُعرّض المدرسة لخطر الإغلاق.
غير أنَّ تطبيق سياسة الفصل الكامل بين الجنسين يطرح تحديات عملية ومعمارية كبيرة، خصوصًا في العاصمة طرابلس. فمئات المدارس الخاصة ودور الحضانة ومعاهد اللغات لا تعمل في مبانٍ تعليمية صُمِّمَت لهذا الغرض، بل تشغل في معظمها فللًا سكنية مستأجرة جرى تحويلها إلى مؤسسات تعليمية. وبسبب طبيعة هذه الأبنية، التي تتسم بممرات ضيقة وساحات مشتركة ومساحات محدودة، يبدو تنفيذ مطلب “الفصل التام” في جميع المرافق المشتركة مهمة شديدة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة من الناحية الهندسية، بالنسبة إلى عدد كبير من هذه المؤسسات.
الجذور الخفية للتحول الديني في ليبيا
ومن خلال تحويل ما يُسمّى “التقاليد المجتمعية” إلى قواعد ملزمة تُطبَّق عبر التشريعات والقرارات الإدارية، وربط الالتزام بها بتهديد المؤسسات التعليمية بالإغلاق في حال عدم قدرتها على الامتثال، تجاوزت وزارة التربية والتعليم دورها التقليدي كجهة مشرفة على العملية التعليمية. فقد أصبحت طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي نفسه، مستفيدة من القيود التي تفرضها البنية العمرانية للمدن الليبية لفرض نموذج اجتماعي أكثر تشدّدًا.
غير أنَّ هذا التحوُّل لم يكن وليد اللحظة. فبحسب البحث الميداني الذي أجرَيتُهُ في طرابلس عام 2017، كانت مؤشرات هذا المسار قد بدأت بالظهور منذ سنوات عبر انتشار محطات إذاعية غير مرخصة تبث خطابًا دينيًا يسعى إلى إحلال تفسيرات سلفية مستوردة للإسلام محل التقاليد الدينية المالكية الصوفية المعتدلة التي عُرفت بها ليبيا تاريخيًا. وقد عملت هذه المحطات، التي كانت تبثُّ خارج أيِّ إطارٍ قانوني واضح، على بناء نفوذها من خلال مذيعين يتحدث كثير منهم بلهجات خليجية بدلًا من العربية المحلية، ما أسهم في نشوء سلطة دينية غير رسمية موازية للمؤسسات الحكومية.
وخلصت دراستي إلى أنَّ تأثير هذه المنصات الإعلامية تجاوز المجال الدعوي، إذ ساهمت تدريجًا في إعادة تشكيل تصوُّرات الرأي العام وتوقعاته، بحيث أصبحت إجراءات كان يُنظر إليها سابقًا على أنها غير مطروحة أو بعيدة الاحتمال، مثل فرض الفصل بين الجنسين بقرار من الدولة، تُقدَّم وتُستقبل بوصفها خطوات ضرورية لحماية “القيم الوطنية”.
وتسارعت وتيرة هذا التحوُّل بعد عام 2023 مع تزايد نفوذ التيارات المتشددة داخل المؤسسات الحكومية. فالدولة التي كان دورها يقتصر سابقًا على تقديم التوجيه الديني أو الإشراف عليه، أخذت تتحوّل تدريجًا إلى أداةٍ لمراقبة المجتمع وفرض أنماط محددة من السلوك العام. ومن هذا المنظور، لا تبدو الإجراءات الحالية تغيُّرًا مفاجئًا بقدر ما تمثّل تتويجًا لمسارٍ إيديولوجي طويل جرى ترسيخه داخل البيوت الليبية وعلى امتداد سنوات.
ويقف وراء هذا التحوّل المرجعان الدينيان الرئيسيان في ليبيا: دار الفتوى والهيئة العامة للأوقاف. ورغم كونهما مؤسستين حكوميتين تُمَوَّلان من المال العام، فإنهما تتنافسان بصورة حادة على ترسيخ حضورهما الديني والسياسي من خلال تبنّي مواقف أكثر تشدّدًا في ما يتعلق بقواعد السلوك الاجتماعي. وفي ظل هذا التنافس، أخذت التفسيرات الأكثر اعتدالًا وانفتاحًا للإسلام، التي شكّلت جُزءًا من الحياة الليبية لعقود طويلة، تتراجع تدريجًا من المجال العام.
ويُنظر إلى نيسان (أبريل) 2023 باعتباره محطة مفصلية في هذا المسار. ففي ذلك العام، شهدت ليبيا للمرة الأولى احتفالًا بعيد الفطر في يومين مختلفين؛ إذ أعلنت دار الفتوى أنَّ العيد يحل يوم السبت، فيما تمسّكت الهيئة العامة للأوقاف بأنَّ يوم الجمعة هو الموعد الصحيح. ورُغمَ أنَّ الخلاف انطلق من تباين في تفسير المعايير الشرعية المتعلقة بإعلان العيد، فإنه انتهى إلى انقسامٍ فعلي طال مدنًا وعائلات ومجتمعات محلية على أُسُسٍ دينية.
ولم يمضِ سوى شهر واحد على ذلك الخلاف حتى أطلقت الهيئة العامة للأوقاف، في أيار (مايو) 2023، مشروع “حُماة الفضيلة”، الذي جرى تقنينه بموجب مرسوم رسمي صادر عنها. وقد قُدِّم المشروع باعتباره آلية لمراقبة السلوك في الأماكن العامة ورصد ما تعتبره الهيئة “انحرافات أخلاقية”.
إلّا أنَّ أهمية هذه الخطوة لا تكمن في أهدافها المعلنة فحسب، بل في طبيعة الصلاحيات التي منحتها الهيئة لنفسها. فالمشروع يشكّلُ عمليًا تفويضًا أمنيًا غير مسبوق في التاريخ الليبي الحديث، ولا يستند إلى أساس قانوني واضح في التشريعات الليبية النافذة. ومن خلال التعاون مع الأجهزة الأمنية في ملاحقة الأفراد الذين يُنظر إليهم على أنهم “منحرفون إيديولوجيًا”، لم تعد الأوقاف تكتفي بدور المراقب الأخلاقي، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل المجال الاجتماعي، عبر تقليص مساحات التعددية التي ميزت المجتمع الليبي تاريخيًا، وإحلال رؤية دينية مستوردة أكثر صرامة محلها.
من الوصاية الاجتماعية إلى الدولة الثيوقراطية
ويُظهر هذا المسار أنَّ تأثير المؤسسات الدينية لم يعد يقتصر على المجال الوعظي أو الإرشادي، بل امتد إلى التأثير المباشر في السياسات العامة والمناهج التعليمية، وصولًا إلى التنسيق مع جهاز الأمن الداخلي. وقد أسهمت هذه الشراكة بين المؤسسات الدينية والأمنية في تقييد مساحات الحريات الشخصية تحت عنوان حماية الفضيلة العامة. كما انعكست آثارها على المشهد اليومي في المدن الليبية، حيث شهدت المظاهر الاجتماعية تحوّلات ملحوظة. فبعد أن كان الزي التقليدي الليبي والملابس ذات الطابع الغربي هما السائدين في الحياة العامة، بات ارتداء الحجاب واللحى الطويلة أكثر حضورًا في الفضاء العام، رُغمَ أنَّ هذه المظاهر لم تكن شائعة على هذا النحو قبل عام 2011.
وفي هذا السياق، يبدو استهداف المدارس الخاصة امتدادًا طبيعيًا للمسار نفسه. فعندما تتحوّل مؤسسات رسمية إلى اعتبار تعبير عفوي عن فرح طالبة أو طالب تهديدًا لـ”السلام الاجتماعي” أو “التماسك العام”، فإنَّ ذلك يعكس نجاح منظومة وصاية اجتماعية غير منتخبة في بسط نفوذها على آليات اتخاذ القرار الإداري والتربوي.
وترتبط هذه التوجُّهات، إلى حد كبير، بأفكار الحركة السلفية المدخلية، المعروفة أيضًا باسم “الجامية”، وهي تيار ديني نشأ في المملكة العربية السعودية. وقد تمكن أتباع هذا التيار من توسيع نفوذهم داخل ليبيا مستفيدين من الهامش الذي أتاحه لهم اللواء خليفة حفتر، القائد العسكري الذي يسيطر على تحالف من الميليشيات يُعرف باسم “الجيش الوطني الليبي”. إلّا أنَّ هذا التوسُّع ظلَّ محكومًا بالحدود التي سمحت بها موازين القوى المحلية. ففي عام 2012، نفذ متشددون مرتبطون بهذا التوجه عمليات هدم لأضرحة صوفية تاريخية في طرابلس ومدينة زليتن غرب البلاد، في حين اتسم نشاطهم بدرجة أكبر من الحذر داخل المناطق الخاضعة لنفوذ حفتر في شرق ليبيا.
ولتفادي أي صدام مباشر مع حفتر وقاعدته الاجتماعية والسياسية، وتجنب إثارة ردود فعل قد تضر بمشروعهم التوسعي، فضّل أتباع هذا التيار اعتماد استراتيجية مختلفة تقوم على الوعظ التدريجي والتغلغل داخل المؤسسات بدلًا من المواجهة العلنية. ففي شرق البلاد، يركزون على تنظيم الندوات لعناصر قوات حفتر، وإلقاء المحاضرات خلال الزيارات المدرسية، وتنفيذ أنشطة توعوية مماثلة تهدف، وفق خطابهم، إلى “تطهير” المجال الاجتماعي وإعادة تشكيله من الداخل.
وفي مقابل الانشغال الدولي المستمر بملفات الانتخابات ونزع سلاح الميليشيات باعتبارها المدخل الأساسي لتحقيق الاستقرار في ليبيا، فإنَّ ثمّةَ تحوّلًا أكثر عمقًا وخطورة يجري داخل البنية الاجتماعية والثقافية للدولة الليبية. ولا يكمن التحدي الرئيسي في الترتيبات السياسية أو الأمنية وحدها، بل في التداخل المتزايد بين السلطة الدينية والأجهزة الأمنية وما ينتج عنه من إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ الشراكة القائمة بين الهيئة العامة للأوقاف وبعض الأجهزة الأمنية قد تمهد لقيام نموذج حكم يجمع بين الرقابة الدينية والضبط الأمني، بما يقود تدريجًا إلى بناء دولة بوليسية ذات طابع ثيوقراطي. وهذا المسار يمثل شكلًا من أشكال السيطرة الاجتماعية غير المسبوقة في التجربة الليبية المعاصرة، إلى درجة أنه يتجاوز، من حيث نطاق التدخل في الحياة الخاصة والعامة، ما عرفه الليبيون خلال عقود حكم معمر القذافي.
في المُحصّلة، لا يتمثل التحوّل الجاري في ليبيا في صعود أشكال تقليدية من التطرف ترتبط بالعنف المباشر أو بالمواجهات المسلحة، بل في نمط مختلف وأكثر هدوءًا من التطرف، يتسلل عبر المؤسسات والإجراءات الإدارية والقانونية. إنه تطرّفٌ يعمل على إعادة صياغة المجال العام من خلال القوانين والقرارات التنظيمية، بحيث تصبح أدوات الدولة وسيلة لفرض التوافق الاجتماعي وإعادة تعريف المقبول والمرفوض في الحياة اليومية.
وفي ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد، ومع تراجع دور الدولة بوصفها الضامن للحقوق والحريات الفردية، يبرز خطر تحوّل المؤسسات العامة إلى أدوات للضبط الاجتماعي بدلًا من كونها مؤسسات خاضعة للمساءلة وتعمل في خدمة المواطنين. ومن شأن هذا المسار، إذا استمر وتعمق، أن يرسّخ لدى الأجيال الجديدة تصوُّرًا مختلفًا عن طبيعة السلطة، بحيث لا يُنظَر إلى الحكومة باعتبارها جهازًا عامًا مسؤولًا أمام المجتمع، بل باعتبارها أداة للرقابة والهيمنة على السلوك الفردي والجماعي.
ومن هنا، فإنَّ الرهان لا يقتصر على مستقبل التعليم أو الحريات الشخصية فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الدولة الليبية نفسها. فإذا استمرت عملية إحلال الوصاية الاجتماعية محل المؤسسات المدنية والقانونية، فإنَّ معايير الشارع المحافظ ستتحول تدريجًا إلى المرجعية الفعلية الوحيدة في إدارة الشأن العام، فيما تتراجع فكرة الدولة المدنية إلى الهامش. وعندها، قد تجد ليبيا نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه تطلعات بناء دولة حديثة قائمة على الحقوق والمواطنة والتعددية مجرد فصل عابر في تاريخها السياسي المعاصر.
- الدكتور مصطفى فتوري هو أكاديمي، صحافي ومحلل سياسي ليبي، يتمتع بخبرة عقود في تغطية أخبار شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. حائز على جائزة “سمير قصير” لحرية الصحافة من الاتحاد الأوروبي عام 2010. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على: @MFetouri.
