تتناول “أسواق العرب” في هذه الخُماسية واحدةً من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تواجه المنطقة، وهي مستقبل الأمن الخليجي في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والبيئة الإقليمية. فلم يعد أمن الخليج يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل بقدرته على التكيُّف مع عالمٍ تتبدّل فيه موازين القوى وتتغيّر فيه طبيعة التهديدات. فبين تنافس القوى الكبرى، وتطوُّر أدوات الحرب، والأهمية الاستراتيجية للممرّات البحرية والطاقة، يقف الخليج العربي أمام مرحلةٍ تفرض إعادة النظر في كثيرٍ من المُسلّمات التي حكمت أمنه لعقود. وفي عالمٍ يُعاد فيه توزيع القوة والنفوذ، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي، وكيف يُمكنُ لدول المنطقة التعامل مع بيئةٍ استراتيجية تَتَّسِمُ بتزايُد التعقيد وتسارع التحوُّلات.
الحلقة الخامسة والأخيرة
الحربُ الأميركية–الإيرانية وتحوُّلات الأمن الخليجي
كابي طبراني*
لم تكن الحرب الأميركية–الإيرانية مجرّد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، بل مثّلت اختبارًا مباشرًا للبيئة الأمنية التي يتحرّك فيها الخليج. فالأثر الأهم لهذه الحرب لا يُقاس بعدد المواقع التي دُمِّرت أو بحجم الخسائر التي تكبّدها طرفاها، وإنما بما فرضته من مراجعات عميقة للمفاهيم التي حكمت أمن المنطقة طوال العقود الماضية. فالحروب الكبرى لا تعيد رسم خرائط السيطرة العسكرية فحسب، وإنما تُعيدُ أيضًا تعريف مصادر القوة، وحدود الردع، وطبيعة التهديدات التي تستعدُّ الدول لمواجهتها.
وتكتسب هذه الحرب أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج العربي لأنها جاءت في لحظةٍ تشهد فيها المنطقة والعالم تحوُّلات متزامنة. فمن جهة، يتغيّر ميزان القوى الإقليمي مع دخول فاعلين جدد وتراجع أدوار أخرى. ومن جهة ثانية، تتسارع الثورة التكنولوجية التي تعيد تشكيل أدوات الحرب والاستخبارات والردع، بالتوازي مع انتقال النظام الدولي تدريجيًا نحو قدر أكبر من التعددية في مراكز القوة.
كما كشفت الحرب تصاعد دور إسرائيل بوصفها فاعلًا عسكريًا واستخباراتيًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي، سواء بقدراتها الذاتية أو بتكاملها العملياتي مع الولايات المتحدة. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج، لما قد يفتحه من فرص للتعاون، وما قد يفرزه في الوقت نفسه من توازنات ومنافسات إقليمية جديدة.
وكشفت الحرب أنَّ التحدي الذي يواجه دول الخليج لا يقتصر على التعامل مع نتائج المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى التعامل مع مرحلة جديدة تتغيّر فيها حسابات الفاعلين الإقليميين. وفي مقدمة هؤلاء تأتي إيران، التي تجد نفسها أمام مراجعة محتملة للنموذج الاستراتيجي الذي حكم سياستها الأمنية لعقود، في وقتٍ تسعى دول الخليج إلى تطوير مقاربات أمنية أكثر قدرة على التعامل مع بيئة تتزايد فيها درجة عدم اليقين.
ومن هنا، فإنَّ السؤال الرئيس لم يعد: كيف انتهت أو ستنتهي الحرب؟ بل: كيف ستُغيّر هذه الحرب سلوك الأطراف الرئيسة في المنطقة خلال السنوات المقبلة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستُحدّد ملامح الأمن الخليجي أكثر من نتائج العمليات العسكرية نفسها، لأنَّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في إدارة آثار الحرب الماضية، وإنما في الاستعداد للمرحلة الاستراتيجية التي بدأت هذه الحرب في تشكيلها.
وانطلاقًا من ذلك، تنطلق هذه الحلقة من فرضية أنَّ استشراف مستقبل الأمن الخليجي يقتضي إدراك التحوّلات التي أطلقتها الحرب في البيئة الإقليمية، وفي مقدمتها الكيفية التي قد تعيد بها إيران صياغة استراتيجيتها الأمنية، وما يترتب على ذلك من تحدّيات وفُرَص أمام دول الخليج خلال العقد المقبل.
إيران بعد الحرب: هل بلغ النموذج الاستراتيجي حدوده؟
مثّلت الحرب الأميركية–الإيرانية أول اختبار واسع النطاق للنموذج الاستراتيجي الذي اعتمدته طهران منذ نهاية الحرب العراقية–الإيرانية عام 1988. فقد انطلقت العقيدة الأمنية الإيرانية من إدراك الفجوة الكبيرة بينها وبين القوى العسكرية الكبرى، لذلك لم تسعَ إلى تحقيق توازن تقليدي في القوة، وإنما إلى بناء منظومة ردع غير متماثلة، تقوم على دمج القدرات الصاروخية، والشبكات الإقليمية الحليفة، والقدرات السيبرانية، والتقدُّم التدريجي في البرنامج النووي ضمن إطار واحد يهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة مباشرة مع إيران.
وقد أتاح هذا النموذج لطهران تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة خلال العقود الماضية، إذ وسّع هامش حركتها الإقليمية، ومنحها أدوات ضغط متعددة، وأوجد حالة من الغموض الاستراتيجي دفعت خصومها إلى إعادة حساباتهم في أكثر من مناسبة. غير أنَّ الحرب الأخيرة كشفت، في الوقت نفسه، أنَّ هذا النموذج لم يعد قادرًا على تحقيق الأهداف نفسها بالكفاءة التي أظهرها في مراحل سابقة.
ولا يعني ذلك أنَّ الردع الإيراني قد فشل بصورةٍ كاملة، أو أنَّ عناصر القوة التي تمتلكها إيران فقدت قيمتها العسكرية. فالقدرات الصاروخية، والشبكات الإقليمية، والأدوات السيبرانية، ما تزال تمثل عناصر مؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي. إلّا أنَّ الحرب أظهرت حدود قدرتها على منع المواجهة، كما كشفت عن ثغرات في حماية العمق الإيراني أمام التطوُّر المتسارع في تقنيات الاستخبارات، والاستطلاع، والاستهداف الدقيق. وبذلك، لم يعد السؤال يدور حول امتلاك أدوات الردع، بل حول مدى مُلاءمة النموذج الذي يُنظِّمُ استخدامها في بيئةٍ استراتيجية تغيّرت قواعدها.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين تراجع فاعلية نموذج استراتيجي وبين انهيار القوة الشاملة للدولة. فالدول قد تتعرّض لاختباراتٍ تكشف قصورًا في عقائدها العسكرية من دون أن تفقد قدرتها على إعادة البناء أو استعادة جُزءٍ كبير من قوتها. والتاريخ يُبيِّنُ أنَّ الحروب الكبرى كثيرًا ما تصبح نقطة انطلاق لمراجعات استراتيجية عميقة، تُعيدُ من خلالها الدول تعريف أولوياتها، وتطوير أدواتها، وإعادة توزيع مواردها بما يتلاءم مع البيئة الجديدة.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ النتيجة الأهم للحرب لا تتمثل في حجم الخسائر التي تكبدتها إيران، بل في أنها فرضت على صانع القرار الإيراني مراجعة الأُسُس التي قام عليها نموذج الردع خلال العقود الماضية. فكلما اتَّسَعَت الفجوة بين طبيعة التهديدات الجديدة والأدوات التقليدية لمواجهتها، ازدادت الحاجة إلى إعادة بناء الاستراتيجية، لا مجرّد إعادة إنتاجها. وهذا ما يجعل السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ليس: هل ستستعيد إيران قدراتها؟ بل: أي نموذج للقوة ستختار لإدارة هذه القدرات؟
وليس هذا التحول سابقة في التاريخ العسكري؛ فقد دفعت هزيمة مصر في حرب 1967 إلى إعادة بناء عقيدتها القتالية، كما قادت حرب فيتنام الولايات المتحدة إلى مراجعة عميقة لمفاهيم استخدام القوة، ودفعت حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 إسرائيل إلى إعادة تقييم مفاهيم الإنذار المبكر والاحتياط والاستخبارات، بعدما كشفت الحرب حدود الافتراضات التي بُنيت عليها عقيدتها العسكرية بعد عام 1967. ومن هذا المنظور، قد تجد إيران نفسها أمام مراجعة مشابهة، وإن اختلفت الظروف والنتائج. وفي جميع هذه الحالات، لم يكن الهدف إعادة بناء الجيوش فحسب، بل مراجعة الفلسفة الاستراتيجية التي تحكم استخدامها.
كيف يمكن أن تعيد إيران بناء استراتيجيتها؟
غير أنَّ مرحلة إعادة البناء لن تكون بالضرورة واضحة أو أحادية الاتجاه، فالدول التي تمرُّ بتحوُّلاتٍ كبرى لا تعود عادةً إلى ما كانت عليه، لكنها أيضًا لا تتخلّى بالكامل عن الأدوات التي راكمتها عبر عقود. ولذلك، فإنَّ السؤال المطروح أمام صانع القرار الإيراني لا يتعلق بإعادة بناء القدرات العسكرية فحسب، وإنما باختيار النموذج الذي سيحكم استخدام هذه القدرات في المستقبل.
ويتمثل المسار الأول في تطوير النموذج القائم بدل استبداله. فقد تواصل إيران الاعتماد على الصواريخ بعيدة المدى، والقدرات السيبرانية، وشبكات النفوذ الإقليمي، مع التركيز على معالجة الثغرات التي كشفتها الحرب، عبر تطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتعزيز إجراءات الإخفاء والتمويه، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والاستطلاع المضاد. وينطلق هذا المسار من فرضية أنَّ المشكلة لم تكن في فلسفة الردع نفسها، بل في آليات تنفيذها أمام خصم يمتلك تفوقًا استخباراتيًا وتقنيًا.
أما المسار الثاني، فيقوم على إعادة ترتيب أولويات الردع بحيث تصبح حماية الداخل الإيراني هي الهدف الأول للاستراتيجية الجديدة. ويعني ذلك توجيه جزء أكبر من الموارد نحو الدفاعات الجوية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني، وبناء قدرة أعلى على استمرار عمل مؤسسات الدولة أثناء الأزمات. وفي هذا السيناريو، يصبح الصمود الوطني أحد مكونات الردع الأساسية.
أما المسار الثالث، فيرتبط بموقع البرنامج النووي داخل العقيدة الأمنية الإيرانية. فقد ظلت طهران لسنوات تتبع سياسة الاقتراب من العتبة النووية، مُستفيدةً من مزايا الغموض الاستراتيجي، من دون الانتقال إلى امتلاك سلاح نووي مُعلَن. غير أنَّ الحرب قد تدفع صنّاع القرار إلى إعادة تقييم هذا النهج. فمن ناحية، قد يُنظر إلى الاقتراب من العتبة باعتباره لم يعد كافيًا لتعزيز الردع، ومن ناحية أخرى، قد يُنظَرُ إلى تجاوزها بوصفه خطوة تحمل مخاطر كبيرة، لأنها قد تزيد الضغوط الدولية، أو تفتح الباب أمام ضربات استباقية جديدة. ولذلك، فإنَّ مستقبل البرنامج النووي لن يكون مجرد قضية تقنية، بل سيكون جُزءًا من المراجعة الشاملة لمفهوم الأمن القومي الإيراني.
ولا يعني طرح هذه المسارات أنَّ أحدها سيتحقّق بصورة كاملة، أو أنَّ إيران ستملك حرية اختيارها جميعًا. فمن المرجح أن تتبنّى مزيجًا منها بدرجات متفاوتة، تبعًا للضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي ستواجهها، ومدى قدرتها على تحويل خياراتها الاستراتيجية إلى قدرات عملية. وهنا تتجاوز أهمية هذا التحوُّل حدود إيران نفسها. فكلُّ تعديلٍ في أولويات الاستراتيجية الإيرانية سيؤدي، بالضرورة، إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالخليج.
ولذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل دول المنطقة لم يعد يقتصر على حجم القوة التي ستستعيدها إيران، وإنما يمتدُّ إلى الكيفية التي ستستخدم بها هذه القوة، والعقيدة الاستراتيجية التي ستوجهها. فهذه هي المسألة التي ستحدد طبيعة التحديات الأمنية في الخليج خلال السنوات المقبلة.
أمن الخليج أمام بيئة استراتيجية مُتَغيِّرة
إذا كانت الحرب قد تدفع إيران إلى مراجعة نموذجها الاستراتيجي، فإنها ستفرض على دول الخليج مراجعة افتراضات لا تقل أهمية. فقد استند التخطيط الأمني الخليجي خلال العقود الماضية إلى تقديرات مستقرة نسبيًا لطبيعة التهديدات الإيرانية، سواء تمثلت في القدرات الصاروخية، أو الطائرات المسيّرة، أو الشبكات الإقليمية الحليفة، أو البرنامج النووي. غير أنَّ مرحلة إعادة التشكُّل التي قد تدخلها الاستراتيجية الإيرانية تجعل هذه التقديرات نفسها بحاجة إلى مراجعة مستمرة، لأنَّ التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة قدرات معروفة، بل يمتد إلى التعامل مع خصم يُعيدُ تعريف أدواته وأولوياته.
وهذا التحوُّل يفرض تغييرًا في منهج التخطيط الأمني أكثر مما يفرض تغييرًا في حجم الإنفاق العسكري. فالدول التي تبني سياساتها على افتراض ثبات البيئة الاستراتيجية قد تجد نفسها أقل قدرة على التعامل مع التحوُّلات المفاجئة، بينما تصبح الأفضلية للدول القادرة على تحديث تقديراتها بصورة مستمرة، وربط قراراتها الأمنية بالتغيُّرات الفعلية في البيئة الإقليمية، لا بالتصوُّرات التي تشكّلت في الماضي.
وفي الوقت نفسه، أظهرت الحرب مستوى متقدمًا من التكامل بين القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية والعملياتية الإسرائيلية، وهو تطور لا يقتصر أثره على ساحة المواجهة المباشرة، بل يمتد إلى البيئة الأمنية الإقليمية بأسرها. وبالنسبة إلى دول الخليج، لا تقتضي أهمية هذا التحول الانخراط في اصطفافات جديدة، بقدر ما تفرض فهمًا أعمق للتغيرات التي تشهدها موازين القوة وأدوات الردع في المنطقة، وما تتيحه من فرص للتعاون في مجالات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وتبادل الخبرات التقنية.
ومن هذا المنطلق، يتجه مفهوم الأمن الخليجي نحو مرحلة يصبح فيها استشراف التحولات جزءًا من منظومة الردع نفسها. فامتلاك القدرة على قراءة التحولات في العقيدة العسكرية الإيرانية، ورصد تغير أولوياتها الدفاعية، وتحليل مسارات برنامجها النووي، لم يعد نشاطًا بحثيًا مكمّلًا لصنع القرار، بل أحد المكونات الأساسية للأمن الوطني.
وفي هذا السياق، تزداد أهمية التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي في إنتاج التقدير الاستراتيجي، لا في بناء القدرات الدفاعية وحدها. فالتحولات المقبلة قد تكون سريعة ومتداخلة، ما يجعل تبادل المعلومات، وتنسيق التقديرات، وتطوير آليات مشتركة للإنذار المبكر، عناصر حاسمة في تسريع الاستجابة وتقليل مخاطر سوء الحساب، ولا سيما خلال الأزمات التي تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.
ولا يقتصر هذا التحوُّل على البُعد الإقليمي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى. فكلما أصبحت البيئة الأمنية أكثر سيولة، ازدادت أهمية الشراكات التي تعزّز نقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات المؤسسية، إلى جانب استمرار التعاون الدفاعي التقليدي. وبذلك، تصبح قيمة الشراكات الخارجية مرتبطة بقدرتها على دعم الاستقلال الاستراتيجي لدول الخليج، لا الاكتفاء بتوفير مظلة أمنية مؤقتة.
ومن ثمَّ، فإنَّ التحدّي الذي يواجه دول الخليج في المرحلة المقبلة لن يكون الاستعداد لحربٍ جديدة فحسب، بل بناء منظومة أمنية قادرة على التكيُّف مع بيئةٍ تتغيَّر بوتيرةٍ متسارعة. فالأمن في مرحلة ما بعد الحرب لن يُقاس فقط بحجم القوة المتاحة، وإنما أيضًا بسرعة التعلُّم، ودقة التقدير، والقدرة على تعديل السياسات كلما تغيّرت معطيات البيئة الاستراتيجية.
الأمن في عصر التحوّلات
تكشف الحرب الأميركية–الإيرانية أنَّ الشرق الأوسط دخل مرحلة استراتيجية تختلف عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية. فالأهمية الحقيقية للحرب لا تكمن في نتائجها العسكرية المباشرة، وإنما في أنها دفعت جميع الأطراف إلى إعادة النظر في الافتراضات التي قامت عليها سياساتها الأمنية. وإذا كانت إيران تجد نفسها أمام مراجعة لعقيدتها الاستراتيجية، فإنَّ دول الخليج تواجه تحديًا لا يقل أهمية، يتمثل في بناء منظومة أمنية قادرة على التعامل مع بيئة لم تستقر قواعدها بعد.
ولذلك، فإنَّ مستقبل الأمن الخليجي لن يتحدّد فقط بميزان القوى الذي أفرزته الحرب، بل بقدرة دول المنطقة على استيعاب التحوّلات التي بدأت تتشكّل في أعقابها. فإعادة بناء الاستراتيجية الإيرانية، والتطوُّر المتسارع في التكنولوجيا العسكرية، وتغيُّر أنماط التنافس بين القوى الكبرى، كلُّها عوامل تجعل الأمن عملية ديناميكية تتطلَّب مراجعة مستمرة، لا منظومة جامدة تقوم على افتراضاتٍ ثابتة.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ التحدي الأكبر أمام دول الخليج لا يتمثل في التنبُّؤ بالشكل الذي ستكون عليه إيران بعد الحرب، بقدر ما يتمثل في بناء مؤسسات وسياسات تمتلك القدرة على التكيُّف مع أكثر من سيناريو محتمل. فالدول التي تنجح في بيئات التحوُّل ليست بالضرورة الأكثر قوة، وإنما الأكثر قدرة على التعلُّم، وتحديث تقديراتها، وإعادة صياغة سياساتها كلما تغيّرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
لقد بيَّنت هذه السلسلة، عبر حلقاتها الخمس، أنَّ أمنَ الخليج العربي لم يعد يُختزل في الردع العسكري أو في توازنات القوى التقليدية، بل أصبح مفهومًا أشمل يرتبط بالقدرة على بناء مؤسسات مرنة، وإدارة الشراكات، واستيعاب التحوُّلات المتسارعة. ولم تفرز الحرب الأميركية–الإيرانية نظامًا إقليميًا جديدًا مكتملًا، لكنها دشنت مرحلة انتقالية سيكون حُسنُ إدارتها العامل الحاسم في رسم مستقبل الأمن الخليجي.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
