في عالمٍ تتداخل فيه الطاقة مع الجغرافيا السياسية، لم تعد خطوط الأنابيب مجرد وسائل لنقل الغاز، بل أصبحت أدوات لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي. ومشروع نيجيريا–المغرب أحد أبرز الأمثلة على هذا التحوُّل.
محمد سليم*
لم يعد مشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب مجرّد مشروعٍ ضخم لنقل الطاقة، بل بدأ يتحول إلى أحد أبرز المشاريع الجيوسياسية في القارة الأفريقية. فقد شكّل توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية من قِبل الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، خلال قمتها في سيراليون في تموز (يوليو) 2026، خطوةً مفصلية نقلت المشروع من مرحلة الدراسات والتخطيط إلى إطارٍ سياسي وقانوني يمهّد لتنفيذه.
ويمتد المشروع، الذي يجمع بين خطوط الأنابيب البحرية والبرية، لنحو 6900 كيلومتر على طول الساحل الأطلسي لغرب أفريقيا، ليربط حقول الغاز النيجيرية بثلاث عشرة دولة قبل أن يصل إلى المغرب، بطاقة نقل سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب، وبتكلفة تقدَّر بنحو 25 مليار دولار. ويُتوقع أن يلبّي جزءٌ من هذه الإمدادات احتياجات دول غرب أفريقيا من الكهرباء والصناعة، فيما يُنقل جزء آخر إلى المغرب، ليتصل لاحقًا بالبنية التحتية القائمة مع إسبانيا والأسواق الأوروبية.
وتتجاوز أهمية المشروع الجانب الاقتصادي البحت. فمن الناحية التنموية، يَعِدُ بتوسيع فرص الحصول على الطاقة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول غرب أفريقيا، وتحفيز الاستثمار الصناعي على امتداد مساره. أما من الناحية الجيوسياسية، فإنه يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة الطاقة في شمال وغرب أفريقيا، عبر إنشاء ممر جديد يربط الموارد الطبيعية في أفريقيا بالأسواق الأوروبية، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادر إمداداتها من الغاز منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية.
ولذلك، لا يُنظر إلى المشروع بوصفه خط أنابيب فحسب، بل باعتباره ممرًا استراتيجيًا يُعيدُ رسم شبكة المصالح في غرب أفريقيا، ويمنح الدول المشاركة فيه وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا أكبر، ويعزز مكانة المغرب بوصفه بوابةً بين أفريقيا وأوروبا، كما يمنح نيجيريا منفذًا إضافيًا لتسويق أحد أكبر احتياطيات الغاز في القارة السمراء. وفي المقابل، يفرض المشروع تحديات لا تقل أهمية، تتعلق بتمويله، وتأمين مساره الطويل، وضمان استقراره في منطقة ما تزال تواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة.
ومع ذلك، فإن ضخامة المشروع وتعدد الدول المشاركة فيه يجعلان تنفيذه عملية طويلة ومعقدة، بحيث تبقى قيمته السياسية الراهنة أوضح من جدواه التشغيلية القريبة.
الطاقة والتحالفات في سباق النفوذ الإقليمي
ولم يعد من الممكن فصل هذا المشروع عن التحوّلات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فالمغرب ينظر إليه بوصفه ركيزةً لتعزيز موقعه مركزًا إقليميًا للطاقة والخدمات اللوجستية، بينما ترى فيه نيجيريا فرصةً لترسيخ دورها قوةً طاقويةً أفريقية. أما بالنسبة إلى أوروبا، فيمثل المشروع خيارًا إضافيًا لتنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على الموردين التقليديين. وفي الوقت نفسه، تتقاطع حوله مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، لكلٍّ منها حساباتها الاستراتيجية.
ولا يقتصر تأثير مشروع خط أنابيب نيجيريا–المغرب على تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول غرب أفريقيا، بل يمتد إلى إعادة تشكيل توازنات الطاقة في شمال أفريقيا، حيث ظل الغاز الطبيعي خلال العقود الماضية أحد أهم أدوات النفوذ الإقليمي.
فقد اعتمدت الجزائر، باعتبارها أحد أبرز مصدري الغاز إلى أوروبا، على شبكة خطوط الأنابيب التي تربطها بالقارة الأوروبية لتعزيز مكانتها الاستراتيجية. وفي المقابل، سعى المغرب إلى بناء مسارات بديلة تعزز موقعه بوصفه منصة إقليمية للطاقة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وشراكاته المتنامية مع دول غرب أفريقيا وأوروبا.
وازدادت أهمية هذا التنافس بعد الأزمة الروسية–الأوكرانية، التي دفعت الدول الأوروبية إلى تسريع جهودها لتنويع مصادر الطاقة وخطوط الإمداد، وهو ما منح مشاريع الغاز في شمال أفريقيا بُعدًا جيوسياسيًا جديدًا، يتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية.
وفي هذا السياق، برزت تداعيات قرار الجزائر عام 2021 عدم تجديد عقد تشغيل خط أنابيب المغرب–أوروبا، الذي كان ينقل الغاز الجزائري عبر الأراضي المغربية إلى إسبانيا. فقد دفع القرار المغرب إلى إعادة ترتيب خياراته الطاقوية، من خلال تشغيل الخط في الاتجاه المعاكس لاستيراد الغاز الطبيعي عبر إسبانيا، بالتوازي مع تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال، والمضي قدمًا في مشروع خط الأنابيب الأطلسي مع نيجيريا.
وفي المقابل، واجه المشروع الجزائري لنقل الغاز عبر الصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالنيجر، تحديات متزايدة نتيجة التطورات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، بما في ذلك الانقلابات العسكرية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وصعوبة تأمين مسار يمتد آلاف الكيلومترات عبر مناطق غير مستقرة. ولا يعني ذلك انتهاء المشروع، لكنه يضيف إلى تنفيذه تحديات تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والهندسية.
ومن هذا المنطلق، يمنح الاتفاق الذي أقرته دول إيكواس في سيراليون خلال تموز (يوليو) 2026 دفعة سياسية قوية للممر الأطلسي، ويعزز فرصه بوصفه أحد الخيارات الرئيسة لنقل الغاز من غرب أفريقيا إلى أوروبا. كما يعكس تحوُّلًا أوسع في طبيعة المنافسة الإقليمية، حيث باتت قدرة الدول على بناء شبكات تعاون عابرة للحدود، وجذب الاستثمارات، وتأمين البنية التحتية المشتركة، عاملًا لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد الطبيعية نفسها.
ولا يمكن فصل مشروع خط أنابيب نيجيريا–المغرب عن التنافس الجيوسياسي المتصاعد في شمال وغرب أفريقيا، حيث تتداخل اعتبارات الطاقة مع حسابات الأمن والتحالفات الدولية. فالمنطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر الشراكات الاقتصادية، والتعاون العسكري، والاستثمار في البنية التحتية.
وفي هذا السياق، تحافظ الجزائر على شراكة عسكرية وثيقة مع روسيا، تُعد من الأقدم في أفريقيا، كما تتهم الرباط طهران بتقديم دعم لجبهة البوليساريو عبر قنوات مختلفة، وهو ما تنفيه إيران والجزائر. وقد أدّى هذا التباين في الروايات إلى زيادة التوتر بين المغرب والجزائر، وأصبح جزءًا من المشهد الأمني الأوسع في المنطقة، في ظل استمرار الخلاف حول قضية الصحراء الغربية.
ومن هذا المنطلق، ينظر المغرب إلى مشروع الممر الأطلسي بوصفه أكثر من مشروع اقتصادي، بل أداة لتعزيز الاستقرار الإقليمي عبر توسيع شبكات التعاون الاقتصادي مع دول غرب أفريقيا، وربطها بأسواق أوروبا. وتقوم هذه الرؤية على فرضية أنَّ زيادة الترابط الاقتصادي والاستثمارات العابرة للحدود ترفع كلفة الصراعات، وتخلق مصالح مشتركة تشجع على الاستقرار، وهي مقاربة تتبناها مؤسسات دولية عديدة في مشاريع التكامل الإقليمي.
ولا يعني ذلك أنَّ المشروع سيغيّر موازين القوى بصورة فورية، لكنه يمنح الدول المشاركة فيه حوافز اقتصادية وسياسية أكبر للحفاظ على الاستقرار، ويضيف بُعدًا جديدًا إلى المنافسة الإقليمية، التي لم تعد تقوم على التوازنات العسكرية وحدها، بل أيضًا على القدرة على بناء شبكات للطاقة، والتجارة، والبنية التحتية، والاستثمار طويل الأمد.
الصحراء الغربية بين النزاع السياسي والاندماج الاقتصادي
ويكتسب مسار خط الأنابيب أهمية خاصة لكونه يمر عبر الصحراء الغربية، وهي منطقة لا تزال محل نزاع سياسي وقانوني. ومن شأن مرور مشروع بهذا الحجم أن يضفي على المنطقة بُعدًا اقتصاديًا جديدًا، بعدما ظل حضورها في النقاش الدولي مرتبطًا أساسًا بالاعتبارات السياسية والأمنية.
ومن وجهة النظر المغربية، يعزز المشروع اندماج الأقاليم الجنوبية في منظومة اقتصادية إقليمية تمتد من غرب أفريقيا إلى أوروبا، ويتكامل مع الاستثمارات التي تنفذها الرباط في الموانئ والطرق والطاقة المتجددة. أما جبهة البوليساريو، فتعتبر أنَّ تنفيذ مشاريع كبرى في الإقليم لا يغيّر من الوضع القانوني للنزاع، وهو ما يجعل المشروع، إلى جانب أبعاده الاقتصادية، جزءًا من التنافس السياسي والديبلوماسي القائم.
ويكتسب هذا البُعد أهمية إضافية في ضوء التحوّلات الديبلوماسية التي شهدها ملف الصحراء الغربية خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2020، اعترفت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في خطوة شكلت تحوُّلًا مهمًا في الموقف الأميركي. كما تبنت إسبانيا عام 2022 الموقف الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية النزاع، ثم أعلنت فرنسا دعمها للمقترح المغربي في عام 2024، قبل أن تؤيده المملكة المتحدة في عام 2025 بوصفه الأساس الأكثر واقعية لتسوية النزاع. ومع ذلك، ما تزال الأمم المتحدة تعتبر الصحراء الغربية إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي، وتدعو إلى حل سياسي متوافق عليه بين الأطراف تحت رعايتها.
وفي المقابل، تنظر أوروبا إلى المشروع من زاوية مختلفة، تتمثل في تنويع مصادر الغاز وتعزيز أمن الطاقة بعد التحولات التي شهدتها الأسواق العالمية منذ عام 2022. وإذا نجح المشروع في تحقيق أهدافه، فإنه قد يوفر مصدرًا إضافيًا للغاز الآتي من غرب أفريقيا، ويسهم في تقوية الروابط الاقتصادية بين القارتين الأفريقية والأوروبية.
وتكتسب هذه الأهمية بعدًا أكبر إذا ما وُضعت في سياق التحولات التي شهدها سوق الطاقة الأوروبي منذ الحرب الروسية–الأوكرانية. فقبل اندلاع الحرب، كانت روسيا توفر نحو 155 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، وهو ما مثل قرابة 40% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز. ورغم أن الكمية المتوقعة لوصولها إلى أوروبا عبر المشروع لن تعوّض وحدها الإمدادات الروسية التي كانت تصل قبل عام 2022، فإنها قد تمثل إضافة مهمة إلى سياسة تنويع مصادر الطاقة الأوروبية.
كما يمكن أن يحقق المشروع فوائد تنموية لدول غرب أفريقيا، من خلال توسيع الوصول إلى الطاقة، وتحفيز الاستثمار الصناعي، وخلق فرص عمل جديدة على امتداد مساره. غير أنَّ تحقيق هذه الأهداف سيظل مرتبطًا بقدرة الدول المشاركة على توفير التمويل، وضمان الأمن، والحفاظ على الاستقرار السياسي في منطقة ما تزال تواجه تحديات معقدة.
الطاقة بوصفها أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
تكشف اتفاقية خط أنابيب نيجيريا–المغرب أنَّ مشاريع البنية التحتية الكبرى لم تعد مجرد استثمارات اقتصادية، بل أصبحت أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي. ففي عالم يتجه نحو تنافس متزايد على الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات الاستراتيجية، باتت خطوط الأنابيب والموانئ وشبكات الربط العابرة للحدود تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن التحالفات العسكرية التقليدية.
ويقدّم المشروع نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف التكامل الاقتصادي في خدمة الاستقرار السياسي. فكلما اتسعت شبكات المصالح المشتركة بين الدول، ارتفعت كلفة الصراعات، وازدادت الحوافز للحفاظ على الاستقرار وحماية البنية التحتية المشتركة. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر أثر المشروع على نقل الغاز، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين غرب أفريقيا وشمالها وأوروبا.
كما يعكس المشروع تحولًا أوسع في طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين؛ فلم تعد الموارد الطبيعية وحدها مصدر النفوذ، بل أصبحت القدرة على ربطها بالأسواق العالمية، وتأمين طرق نقلها، وبناء شراكات طويلة الأمد، هي التي تحدد المكانة الجيوسياسية للدول.
وبالنسبة إلى أوروبا والولايات المتحدة، يوفر المشروع فرصة إضافية لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستقرار في غرب أفريقيا، فيما يمنح المغرب ونيجيريا والدول الواقعة على مساره موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلة الطاقة الدولية. غير أنَّ نجاحه سيظل مرهونًا بتأمين التمويل، وحماية البنية التحتية، والحفاظ على الاستقرار السياسي في المنطقة.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم الذي يقدمه هذا المشروع أنَّ النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يقوم على امتلاك الموارد فحسب، بل على القدرة على تحويلها إلى شبكة مصالح اقتصادية عابرة للحدود. وفي هذا السياق، يبدو خط أنابيب نيجيريا–المغرب أكثر من مشروع لنقل الغاز؛ إنه مشروع يعكس كيف أصبحت الطاقة أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وربما يصبح أحد المشاريع التي ستسهم في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لغرب وشمال أفريقيا خلال العقود المقبلة .
- محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
