تتناول “أسواق العرب” في هذه الخُماسية واحدةً من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تواجه المنطقة، وهي مستقبل الأمن الخليجي في ظلِّ التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والبيئة الإقليمية. فلم يَعُد أمنُ الخليج يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل بقدرته على التكيُّف مع عالمٍ تتبدّلُ فيه موازين القوى وتتغيَّرُ فيه طبيعة التهديدات. فبين تنافس القوى الكبرى، وتطوُّر أدوات الحرب، والأهمية الاستراتيجية للممرّات البحرية والطاقة، يقف الخليج أمام مرحلة تفرض إعادة النظر في كثيرٍ من المسلّمات التي حكمت أمنه لعقود. وفي عالمٍ يُعادُ فيه توزيع القوة والنفوذ، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي، وكيف يمكن لدول المنطقة التعامل مع بيئةٍ استراتيجية تتَّسِمُ بتزايد التعقيد وتسارُع التحوُّلات.
الحلقة الرابعة
بناءُ منظومةِ أمنٍ خليجيّة في عالمٍ مُتَغَيِّر
كابي طبراني*
عندما تعرّضت منشآت شركة أرامكو السعودية لهجوم في أيلول (سبتمبر) 2019، لم يقتصر الأمر على استهداف منشآت نفطية، بل كشف أنَّ مفهومَ الأمن في الخليج دخل مرحلة جديدة. فقد أظهرت الهجمات أنَّ أكثر المنشآت تحصينًا قد تصبح عُرضةً لتهديداتٍ تستخدم طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، وأنَّ اضطرابًا محدودًا في البنية التحتية للطاقة قادر على إحداث ارتدادات تتجاوز حدود المنطقة لتطال أسواق الاقتصاد العالمي. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت أحداثٌ أخرى، من اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر إلى تصاعد الهجمات السيبرانية، لترسّخ حقيقة واحدة: لم يعد الأمن الخليجي يُقاس بالقوة العسكرية وحدها.
فالحلقات السابقة من هذه السلسلة أظهرت كيف تغيّرت البيئة الأمنية في الخليج، وكيف أعادت الجغرافيا رسم أولويات الأمن، وكيف أصبحت الممرّات البحرية والطاقة والبنية الرقمية جُزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي. ومن هنا، يصبح السؤال الطبيعي: كيف يمكن بناء منظومة أمن خليجية قادرة على التعامل مع هذه التحوُّلات، وحماية مصالح المنطقة في عالمٍ تتسارع فيه التهديدات وتتداخل فيه أبعاد القوة؟
لم تعد البيئة الأمنية الخليجية تتشكّل من مصدرٍ واحد للتهديد، ولا من بُعدٍ عسكري منفصل عن بقيّة الأبعاد، بل أصبحت نتاجًا لتفاعُل عوامل سياسية واقتصادية وجغرافية وتكنولوجية متشابكة. ولذلك، لم يعد بناء الأمن يقتصر على تعزيز القدرات الدفاعية أو تطوير وسائل الردع، بل بات يتطلّب رؤية شاملة تربط بين الأمن الوطني، والأمن الإقليمي، والمرونة المؤسسية، وحماية البنية التحتية، والقدرة على التكيُّف مع المتغيّرات.
ومن هذا المنطلق، لا تسعى هذه الحلقة إلى تقديم نموذج جاهز للأمن الخليجي، بقدر ما تحاول استعراض الركائز التي ينبغي أن تقوم عليها أي منظومة أمنية حديثة، قادرة على مواجهة التحديات المتغيّرة، وتعزيز استقرار المنطقة في بيئةٍ دولية تتسم بتزايد التعقيد وعدم اليقين. ومن هنا، يبرز السؤال الأول: لماذا لم تعد النماذج التقليدية للأمن كافية للتعامل مع تحديات المرحلة الراهنة؟
لماذا لم تعد الجيوش وحدها تكفي؟
كشفت تلك الهجمات على منشآت “أرامكو” أنَّ امتلاك جيوش قوية لا يكفي وحده لضمان الأمن. فهي لم تستهدف قاعدة عسكرية أو قوة قتالية، بل أصابت منشآت تمثل شريانًا رئيسًا لاقتصادات المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. ثم جاءت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، وتصاعد التهديدات السيبرانية التي طالت مؤسسات حيوية، لتؤكد أنَّ المخاطر الجديدة لم تعد تقتصر على البر أو البحر أو الجو، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي وسلاسل الإمداد والبنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث.
ولهذا، شهد مفهوم الأمن تحوُّلًا جوهريًا خلال العقود الأخيرة. فلم يعد يُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية فقط، بل بقدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية، والحفاظ على استمرارية عمل مؤسساتها، والتعامل مع طيفٍ واسع من المخاطر التي تتجاوز حدود الحرب التقليدية. فالدولة قد تمتلك جيشًا متطوّرًا، لكنها تبقى معرَّضة لهزّةٍ كبيرة إذا تعطّلت شبكات الكهرباء، أو توقفت الموانئ، أو تعرضت أنظمتها الرقمية لهجوم واسع، أو انقطعت سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها اقتصادها.
وتبدو هذه التحوّلات أكثر وضوحًا في الخليج، بحكم موقعه الجيوسياسي واعتماد اقتصاده على الطاقة والتجارة العالمية. فإلى جانب التهديدات العسكرية التقليدية، برزت تحديات أخرى تتمثل في الهجمات السيبرانية، واستهداف المنشآت الحيوية، وتهديد الممرات البحرية، وتعطُّل سلاسل الإمداد، فضلًا عن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في الصراعات المسلحة. وقد جعلت هذه التطوّرات البيئة الأمنية أكثر تعقيدًا وترابطًا، بحيث أصبح أي خلل في أحد مكوّناتها قادرًا على إحداث آثار تمتد إلى بقية القطاعات.
لذلك، لم يعد بالإمكان مواجهة هذه التحديات بالاعتماد على الردع العسكري وحده. فالكثير من التهديدات الحديثة يتطلب تكاملًا بين القدرات الدفاعية، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وإدارة الأزمات، والجاهزية المؤسسية، والقدرة على التنسيق السريع بين مختلف أجهزة الدولة. كما أصبح نجاح المنظومة الأمنية يُقاس بقدرتها على احتواء الأزمات وتقليل آثارها واستعادة نشاطها بسرعة، بقدر ما يُقاس بقدرتها على منع وقوعها.
ولهذا، لم يعد تطوير الأمن الخليجي يقتصر على تحديث القوات المسلحة، على أهميته، بل أصبح يتطلب إعادة بناء مفهوم الأمن نفسه، بحيث يستوعب طبيعة التهديدات الجديدة، ويمنح المرونة المؤسسية والقدرة على التكيف المكانة نفسها التي يحتلها الردع العسكري. ومن هنا، يبرز سؤال آخر: ما الركائز التي ينبغي أن تقوم عليها منظومة أمن خليجية قادرة على مواكبة هذه البيئة الاستراتيجية المتغيرة؟
من حماية الحدود إلى حماية منظومة الحياة
ارتبط مفهوم الأمن، لعقود طويلة، بحماية الحدود وردع الجيوش المعادية. وكانت القوة العسكرية تمثل المعيار الرئيس لقدرة الدول على الدفاع عن سيادتها وصون مصالحها. لكن التحوّلات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة أظهرت أنَّ التهديدات لم تعد تأتي دائمًا عبر الحدود، ولا تحمل بالضرورة طابعًا عسكريًا تقليديًا.
ومع ازدياد أهمية الطاقة والتجارة العالمية، اتسع مفهوم الأمن ليشمل حماية الممرات البحرية، والموانئ، ومنشآت النفط والغاز، بعدما أصبحت أيُّ اضطراباتٍ فيها قادرة على إحداث آثار تتجاوز حدود الدولة الواحدة إلى الاقتصاد العالمي بأسره. ومن هنا، لم يعد الأمن البحري مسألة عسكرية فقط، بل أصبح جزءًا من أمن التجارة والطاقة واستقرار الأسواق الدولية.
ثم جاءت الثورة الرقمية لتفتح مرحلة جديدة تمامًا. فالدولة الحديثة لم تعد تعتمد على الطرق البرية والموانئ وخطوط الأنابيب وحدها، بل باتت تعتمد أيضًا على شبكات الاتصالات، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، والأنظمة الرقمية التي تدير المصارف، والموانئ، والمطارات، وشبكات الكهرباء. وأصبح أي استهداف لهذه البنية قادرًا على شل قطاعات كاملة من الاقتصاد، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وبالتوازي مع ذلك، برزت أهمية الأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي، واستمرارية سلاسل الإمداد، بوصفها عناصر لا تقل تأثيرًا في استقرار الدول عن القدرات العسكرية نفسها. فالدولة التي تمتلك جيشًا قويًا، لكنها تعجز عن حماية اقتصادها أو ضمان استمرار خدماتها الحيوية، تبقى عرضة لاضطرابات قد لا تقل خطورة عن التهديدات العسكرية.
ولهذا، لم يعد الأمن السيبراني مسألة تقنية تخص خبراء الحاسوب، بل أصبح جُزءًا من الأمن الوطني، بعدما باتت الأنظمة الرقمية تدير قطاعات حيوية، من الطاقة والنقل إلى الاتصالات والخدمات المالية.
وكان التحول الأبرز في هذه المرحلة هو انتقال الأهمية الاستراتيجية من حماية شرايين الطاقة وحدها إلى حماية شرايين البيانات أيضًا.
من شرايين الطاقة إلى شرايين البيانات
إذا كانت أهمية الخليج خلال القرن العشرين ارتبطت أساسًا باحتياطياته النفطية وممرّاته البحرية، فإنَّ القرن الحادي والعشرين أضاف بُعدًا جديدًا إلى هذه الأهمية. فلم تعد المنطقة ممرًّا للطاقة والتجارة العالمية فحسب، بل أصبحت أيضًا عقدة رئيسة للبنية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
وتُعد الكابلات البحرية أبرز تجليات هذا التحوُّل. فهي ليست مجرد أسلاك تمتد في قاع البحر، بل شبكة تنقل الغالبية العظمى من حركة البيانات الدولية، وتعتمد عليها المصارف، والأسواق المالية، ومنصات التجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة إدارة الموانئ والمطارات، فضلًا عن جُزءٍ مهم من الاتصالات الحكومية والعسكرية. وفي عالمٍ أصبحت فيه البيانات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة، غدت هذه الكابلات شرايين الاقتصاد الرقمي العالمي.
ورغم أنَّ الأقمار الاصطناعية تحظى بالاهتمام الإعلامي، فإنَّ أكثر من 95% من الاتصالات والبيانات الدولية تمر عبر الكابلات البحرية الممتدة في قاع البحار، وهو ما يجعلها إحدى أكثر البنى التحتية حساسية في الاقتصاد العالمي.
ولهذا، لم تعد القوى الكبرى تنظر إلى الكابلات البحرية بوصفها بنية تحتية للاتصالات فحسب، بل باعتبارها أصلًا جيواستراتيجيًا يجب حمايته. ولذلك، أصبحت حماية مسارات الكابلات البحرية اليوم بندًا ثابتًا في الاستراتيجيات البحرية لعدد متزايد من القوى الكبرى. فتعرُّضها للتخريب أو الانقطاع، سواء بفعل نزاع عسكري أو هجوم تخريبي أو حتى حادث عرضي، قد يؤدّي إلى اضطراب واسع في الخدمات المالية، وتباطؤ حركة التجارة، وتعطُّل مراكز البيانات، وإرباك سلاسل الإمداد، رغم استمرار الملاحة البحرية وتدفق النفط بصورة طبيعية. وهذا يعني أنَّ الأمن البحري لم يعد يقتصر على حماية السفن والموانئ، بل أصبح يشمل أيضًا حماية ما يجري في أعماق البحر.
ولا تقف المسألة عند الكابلات وحدها. فمراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، وشبكات الجيل الخامس والسادس، وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدير قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، أصبحت جميعها جُزءًا من البنية التحتية الحيوية للدولة الحديثة. وأيُّ خلل يصيب هذه المنظومة قد تكون آثاره الاقتصادية والسياسية واسعة، حتى من دون إطلاق طلقة واحدة.
ومن هنا، لم يعد الأمن الخليجي في القرن الحادي والعشرين يعني حماية تدفق النفط وحده، بل أيضًا حماية تدفق البيانات. وإذا كان النفط هو شريان الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، فإنَّ البيانات أصبحت شريان الاقتصاد الرقمي في القرن الحادي والعشرين. ولهذا، فإنَّ بناء منظومة أمن خليجية حديثة يقتضي التعامل مع البنية الرقمية بالقدر نفسه من الجدية التي يُتعامل بها مع حقول النفط، والموانئ، والممرات البحرية.
التعاون الخليجي… من تنسيق الجهود إلى تكامل المنظومة الأمنية
أظهرت التطوّرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أنَّ كثيرًا من التهديدات لم تعد تتوقف عند حدود دولة بعينها. فالهجمات على الممرات البحرية، أو تعطُّل سلاسل الإمداد، أو الهجمات السيبرانية، أو أي اضطراب يصيب أسواق الطاقة، سرعان ما تمتد آثاره إلى بقية دول الخليج بحكم الترابط الجغرافي والاقتصادي بينها. ولهذا، لم يعد بالإمكان التعامل مع الأمن بوصفه مسؤولية وطنية منفصلة، بل أصبح في كثير من جوانبه مسؤولية جماعية تفرضها طبيعة التحديات نفسها.
ومن هنا، لم يعد التعاون الأمني بين دول مجلس التعاون الخليجي خيارًا سياسيًا فحسب، بل أحد أهم مقوّمات بناء منظومة أمنية أكثر قدرة على التكيف. فالمنطقة تتشارك المجال البحري نفسه، وتعتمد على شبكات طاقة وبنية تحتية مترابطة، وتواجه تحديات متشابهة، الأمر الذي يجعل أمن كل دولة يرتبط، بدرجات متفاوتة، بأمن جيرانها.
وقد شهدت العقود الماضية تطورًا مهمًا في التعاون الأمني والعسكري بين دول المجلس، من خلال تبادل المعلومات، وإجراء التمارين العسكرية المشتركة، وتطوير آليات التنسيق في مواجهة الأزمات. غير أنَّ التحوُّلات المتسارعة في البيئة الأمنية تشير إلى أنَّ المرحلة المقبلة تتطلّب الانتقال من تنسيق الجهود إلى تكامل المنظومة الأمنية، بحيث يصبح التخطيط المشترك، وتبادل الخبرات، وتنسيق السياسات، جزءًا من العمل المؤسسي اليومي، لا مجرّد استجابة ظرفية للأزمات.
ولا يقتصر هذا التكامل على التعاون العسكري، بل يمتد إلى حماية الممرّات البحرية، وتأمين الموانئ، والدفاع السيبراني، وحماية البنية التحتية للطاقة، وتأمين الكابلات البحرية، وتعزيز أمن سلاسل الإمداد، والاستجابة للكوارث والطوارئ ذات الآثار العابرة للحدود. فهذه التحديات لا تعترف بالحدود السياسية، ولا يمكن لأيِّ دولة، مهما بلغت قدراتها، أن تواجهها بمفردها.
كما إنَّ بناء منظومة أمنية خليجية أكثر فاعلية يتطلّب الارتقاء بالتعاون في مجال المعلومات والمعرفة. فتبادل البيانات الاستخباراتية في الوقت المناسب، وربط مراكز الإنذار المبكر، وتطوير قواعد بيانات مشتركة، والاستثمار في مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، أصبحت جميعها عناصر لا تقل أهمية عن التسليح والتدريب. ففي عالم تتسارع فيه التحوّلات، أصبحت القدرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها إحدى أهم أدوات القوة.
ومن هذا المنطلق، لا يقاس نجاح التعاون الخليجي بعدد الاتفاقيات الموقعة أو الاجتماعات الدورية، بل بقدرته على بناء منظومة مؤسسية مرنة، تعمل بصورة متكاملة في أوقات الاستقرار كما في أوقات الأزمات. فكلما ارتفع مستوى التنسيق بين دول المنطقة، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها الجماعية، والتعامل مع التحديات التي تتجاوز حدود كل دولة على حدة.
وأمام هذا الواقع، يصبح السؤال الطبيعي الأخير: كيف يمكن لمنظومة الأمن الخليجي أن تحافظ على فاعليتها في عالمٍ تتغيّر فيه طبيعة المخاطر بوتيرة غير مسبوقة؟
الاستعداد لما لم يحدث بعد
ولعلَّ التحدي الأكبر أمام منظومة الأمن الخليجي لا يكمن في مواجهة التهديدات المعروفة فحسب، بل في استشراف التهديدات الناشئة قبل أن تتحول إلى أزمات فعلية. فالتطور السريع في الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل، والحوسبة الكمية، وتقنيات الفضاء، ينذر بظهور أنماط جديدة من الصراعات قد لا تشبه الحروب التي عرفها العالم خلال العقود الماضية. وقد تجد دولة نفسها أمام أزمة تعطل شبكاتها الرقمية أو منظوماتها اللوجستية أو خدماتها الحيوية، من دون أن تتعرّض لأيِّ هجومٍ عسكري مباشر.
ولهذا، لم يعد التفوق الأمني يقاس فقط بامتلاك أحدث الأسلحة، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على استشراف المخاطر، وبناء سيناريوهات مستقبلية، وتطوير الكفاءات البشرية، والاستثمار في البحث العلمي والتقنيات المتقدمة. ففي عالمٍ يتغير بسرعة غير مسبوقة، قد تصبح القدرة على التكيُّف مع المجهول أهم من الاستعداد لتهديدات الماضي.
وقد أظهرت تجارب دول عدة أنَّ الاستثمار في مراكز الإنذار المبكر، وتمارين المحاكاة، وإدارة الأزمات، أسهم في تقليص آثار الهجمات الإلكترونية والكوارث الطبيعية، حتى عندما تعذر منعها بالكامل.
وليس من قبيل المصادفة أن تتجه الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي إلى إدراج الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنية الرقمية، ضمن أولوياتها الاستراتيجية، إلى جانب تحديث قدراتها العسكرية. فالتنافس بين القوى الكبرى لم يعد يدور حول امتلاك مزيد من الدبابات والطائرات فحسب، بل أيضًا حول حماية البيانات، وتأمين شبكات الاتصالات، وتطوير القدرات الرقمية التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في القوة الوطنية.
مستقبل الأمن الخليجي… بين التكيّف والاستدامة
تكشف التحوّلات التي تناولتها هذه السلسلة أنَّ أمنَ الخليج لم يعد يواجه تحدّيًا واحدًا، ولا يقوم على ركيزة واحدة. فالتنافس بين القوى الكبرى، وتطور أدوات الحرب، واتساع نطاق الفضاء السيبراني، وتعاظم أهمية الممرات البحرية والطاقة والبيانات، جميعها تؤكد أنَّ البيئة الأمنية أصبحت أكثر ترابُطًا وتعقيدًا من أيِّ وقتٍ مضى. وفي مثل هذه البيئة، لم يعد الأمن مشروعًا يمكن إنجازه مرة واحدة، بل عملية مستمرة من التكيّف والتطوير والاستعداد للتحوّلات المقبلة.
ولذلك، لن يتحدّد مستقبل الأمن الخليجي بحجم الترسانات العسكرية وحدها، ولا بعدد الاتفاقيات الدفاعية، وإنما بقدرة دول المنطقة على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الردع العسكري، والجاهزية المؤسسية، والأمن البحري، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، واستمرارية سلاسل الإمداد، والاستثمار في المعرفة والتقنية. فهذه العناصر لم تعد ملفات مستقلة، بل أصبحت حلقات مترابطة في شبكة واحدة، يعتمد كل منها على الآخر.
كما إنَّ الحفاظ على أمن الخليج لم يعد يعني حماية الحدود البرية والبحرية فحسب، بل حماية المنظومة التي تقوم عليها حياة الدولة الحديثة؛ من الموانئ والمطارات، إلى منشآت الطاقة، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، وشبكات الاتصالات، والأنظمة الرقمية التي باتت تشكل العمود الفقري للاقتصاد والأمن معًا. فكما كان النفط أحد أهم ركائز القوة في القرن العشرين، أصبحت البيانات والبنية الرقمية من ركائز القوة في القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا، فإنَّ بناء منظومة أمن خليجية أكثر مرونة لا يعني الاستعداد للحرب فقط، بل الاستعداد أيضًا لمنع الأزمات، واحتوائها عند وقوعها، والتعافي منها بأسرع وقت ممكن. فالدول التي ستنجح في المستقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر قدر من القوة، بل تلك التي تستطيع التكيُّف مع التحولات، واستشراف المخاطر، وتحويل التعاون الإقليمي إلى قوة مؤسسية دائمة.
وفي نهاية هذه الحلقة، يمكن القول إنَّ مستقبل الأمن الخليجي لن تُحدّده الجغرافيا وحدها، ولا التحالفات الدولية وحدها، ولا القدرات العسكرية وحدها، بل قدرة دول المنطقة على الانتقال من إدارة التهديدات إلى بناء منظومة أمنية شاملة، تتعلم باستمرار وتتطور باستمرار. ففي عالمٍ تتغيّر فيه طبيعة القوة، لن يكون أمن الخليج مرهونًا بما يملكه من موارد فقط، بل بقدرته على حماية هذه الموارد، وحماية البيانات التي أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عنها، وبناء منظومة أمنية قادرة على التكيُّف مع ما لم يحدث بعد.
الحلقة الخامسة والأخيرة: الحرب الأميركية–الإيرانية وتحوّلات الأمن الخليجي.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
