من لبنان إلى غزة وإيران، تكشف سياسات حكومة بنيامين نتنياهو عن مقاربة أمنية تقوم على إدارة الفوضى أكثر من صناعة الاستقرار، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض ما تبقى من النظام الإقليمي الذي رعته الولايات المتحدة لعقود.
مايكل يونغ*
تواصل إسرائيل حملتها العسكرية في لبنان تحت شعار تعزيز أمنها. غير أنَّ كثيرين في الشرق الأوسط باتوا يدركون منذ وقت طويل أنَّ مفهوم الأمن الإسرائيلي، ولا سيما في ظل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، لا يقوم على تحقيق الاستقرار في المنطقة بقدر ما يقوم على إبقاء الدول والمجتمعات المحيطة في حالة دائمة من الهشاشة وانعدام الأمن.
وقد تجلّى هذا المنطق مُجدّدًا في لبنان. لذلك كان لافتًا أنَّ الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانيةـالإسرائيلية في 2 و3 حزيران (يونيو) أسفرت عن بيانٍ مشترك أكد التزام الطرفين تنفيذ وقف لإطلاق النار، وإبعاد عناصر “حزب الله” عن منطقة جنوب الليطاني، إلى جانب إنشاء مناطق تخضع لسيطرة كاملة للجيش اللبناني بما يمنع وجود أي جهّات مسلحة غير حكومية.
يحمل هذا المسار مخاطر وتحديات عديدة، لكنه يمثل في الوقت نفسه أول محاولة عملية من جانب الدولة اللبنانية لمعالجة مسألة سلاح “حزب الله” عبر مؤسساتها الرسمية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل إسرائيل مع هذا المسار؟
صحيح أنَّ المواجهة الأخيرة اندلعت بعد إطلاق “حزب الله” صواريخ باتجاه إسرائيل في آذار (مارس) الماضي، لكن ذلك لا يروي القصة كاملة. فمنذ أواخر عام 2024 على الأقل، كان الحزب يخضع بدرجة كبيرة لتأثير الحرس الثوري الإيراني، وهو أمرٌ كانت إسرائيل تدركه جيدًا. ولذلك، عندما اغتالت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، كان من الطبيعي أن تتوقع تل أبيب ردًّا من حلفاء طهران، وفي مقدمهم “حزب الله”.
بل إنَّ من المشروع التساؤل عما إذا كانت إسرائيل قد رأت في مثل هذا الرد فرصة لإعادة إشعال المواجهة وتوجيه ضربة جديدة للحزب، أكثر من كونه تطوُّرًا مفاجئًا لم يكن في حسبانها.
إسرائيل والدولة اللبنانية: فرصة ضائعة أم خيار مقصود؟
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية. فخلال الأشهر الستة عشر التي تلت وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 وحتى آذار (مارس) 2026، لم تُبدِ إسرائيل أي استعداد لمساعدة الدولة اللبنانية على تعزيز موقعها في مواجهة “حزب الله”. بل على العكس، امتنعت بشكل منهجي عن اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز صدقية المؤسسات اللبنانية في وقت كانت المواجهة بينها وبين الحزب تتصاعد، ولا سيما بعد إعلان الحكومة في آب (أغسطس) الماضي عزمها حصر السلاح بيد الدولة.
وفي ذلك الوقت، حاول المبعوث الأميركي إلى لبنان، توم براك، استثمار هذا التوجُّه اللبناني للحصول على خطواتٍ إسرائيلية مقابلة، من بينها انسحاب جزئي من التلال التي لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها في جنوب لبنان. وقد لخّص موقفه قبيل مغادرته بالقول: “أعتقد أنَّ الحكومة اللبنانية قد أوفت بواجبها. لقد اتخذت الخطوة الأولى. والآن ما نحتاجه هو أن تلتزم إسرائيل بهذا الاتفاق المتكافئ”.
لكن براك لم يحصل على أيِّ تنازل إسرائيلي. ولم يكن ذلك مستغربًا، خصوصًا أنه بدا غير مستعد بالشكل الكافي لمهمته، سواء في واشنطن أو في إسرائيل. فقد أثارت انتقادات واسعة ضده مواقفه التي دعا فيها إلى مراعاة حاجة الطائفة الشيعية إلى “حفظ ماء الوجه” خلال عملية نزع سلاح “حزب الله”، وإشارته إلى المصالح الإيرانية في لبنان، فضلًا عن تأكيده أنَّ الجيش اللبناني لا يملك القدرة على نزع سلاح الحزب بالقوة. وكانت تلك المواقف، رغم واقعيتها، كافية لإضعاف موقعه السياسي، قبل أن يزيد الأمر تعقيدًا حين بدأ، تحت وطأة الضغوط المتصاعدة في واشنطن، بتوجيه انتقادات إلى الجانب اللبناني نفسه.
ومن خلال تهميش دور براك في الملف اللبناني، وقيامها بدور أساسي في دفع إدارة ترامب إلى مهاجمة إيران في عامي 2025 و2026، أظهرت إسرائيل مرة أخرى أنها تفضل إدارة الفوضى على البحث عن تسويات مستدامة لمشكلاتها الأمنية.
وقد لخّص الباحث ناثان براون هذا النهج بقوله: “ما ظهر هو مقاربة إسرائيلية جديدة للأمن تقوم على الهيمنة من دون استيطان، والتدمير من دون إعادة إعمار، والحرمان من الأراضي من دون أفق سياسي، والحرب لا باعتبارها جسرًا نحو اتفاق، بل باعتبارها اتفاقاً بحد ذاتها”.
إدارة الفوضى بدل صناعة الاستقرار
ولهذا السبب تحديدًا تثير المبادرة الأميركية الأخيرة الخاصة بإنشاء “مناطق تجريبية” قدرًا كبيرًا من الشكوك. فقراءة متأنّية لبنودها تكشف أنَّ نجاحها مشروط بتحقيق شروط قد تجعل تطبيقها شبه مستحيل. إذ ينصُّ الاتفاق على أنَّ وقف إطلاق النار مُرتبطٌ بوقف كامل للعمليات العسكرية من جانب “حزب الله” وإبعاد جميع عناصره عن منطقة جنوب الليطاني، وهو ما يمنح عمليًا كلًا من إسرائيل وإيران قدرة على تعطيل المسار برمته إذا تعارض مع مصالحهما.
فإيران لا ترغب في رؤية “حزب الله” وقد جُرّد من سلاحه وفقد دوره بوصفه أحد أهم أدوات نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، لا تبدو إسرائيل مقتنعة بأنَّ الدولة اللبنانية قادرة على فرض الأمن في الجنوب بعد انسحاب الحزب، ولذلك تفضّل الاعتماد على إجراءات أحادية الجانب بدلًا من المراهنة على مؤسسات الدولة اللبنانية.
وتُبرّر إسرائيل سياساتها بالقول إنها تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة لحماية بلداتها الشمالية. غير أنَّ حجم الدمار الذي ألحقته بعشرات القرى ذات الغالبية الشيعية في جنوب لبنان يوحي بأنَّ الحسابات الإسرائيلية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة. فاستهداف مناطق واسعة بشكل منهجي يثير تساؤلات حول ما إذا كان الهدف يقتصر على منع التهديدات الأمنية أم يتعداه إلى إحداث تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد في الجنوب.
وتزداد هذه الشكوك عندما يُنظر إلى الصورة الأوسع. فدفع أعداد كبيرة من سكان الجنوب نحو الشمال، باتجاه صيدا وبيروت، وتكرار الأمر نفسه في أجزاء من البقاع، إلى جانب محاولات إفراغ الضاحية الجنوبية لبيروت من نسبة كبيرة من سكانها، كلها سياسات تحمل مخاطر تفاقم الاحتكاكات الطائفية والاجتماعية داخل لبنان، البلد الذي قام استقراره تاريخياً على توازنات داخلية شديدة الحساسية.
ويعيد هذا النهج إلى الأذهان ما كتبه قبل نحو عقد أحد أبرز المدافعين الأميركيين عن السياسات الإسرائيلية خلال عمله في مركز أبحاث مؤيد لإسرائيل في واشنطن، حين قال إن “استقرار لبنان، طالما أنه يعني استقرار النظام الإيراني وقاعدته الصاروخية الأمامية هناك، ليس مصلحة أميركية”. وبغض النظر عن الخلط المتعمد بين المصالح الأميركية والإسرائيلية في هذا الطرح، فإنه يعكس رؤية كانت تتبلور آنذاك داخل بعض الدوائر المؤيدة لإسرائيل، ويبدو أنَّ حكومة بنيامين نتنياهو تتبنّاها اليوم بصورة أكثر وضوحًا.
وفي الواقع، لا يمكن النظر إلى حالة عدم الاستقرار المستمرّة في لبنان بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالفوضى الممتدة من لبنان وسوريا إلى غزة والضفة الغربية تُمثل جُزءًا من صراع أكبر تخوضه إسرائيل مع إيران، وربما مع تركيا مستقبلًا، على شكل النظام الإقليمي وتوازناته.
وقد أسهمت الولايات المتحدة بدورها في تعزيز هذا التوجُّه، انطلاقًا من افتراض مفاده أنَّ تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط يقتضي ترك قوة إقليمية حليفة تتولى حماية النظام الذي قامت واشنطن ببنائه خلال العقود الماضية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم المنطق الكامن وراء “اتفاقيات أبراهام”، التي طُرحت بوصفها الركيزة السياسية لنظام إقليمي جديد، على أن تتولى إسرائيل توفير ركيزته الأمنية والعسكرية.
تحالف إقليمي في مواجهة الهيمنة
غير أن ما يتبلور في المقابل هو مشهد إقليمي مختلف تمامًا، لا تزال ملامحه النهائية غير واضحة، لكنه يزداد حضورًا وتأثيرًا. فثمة تقارب آخذ في التشكّل بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر وقطر، مدفوعًا بالرغبة في احتواء التداعيات الخطيرة للحرب على إيران ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
ويبدو أنَّ هذه الدول تلتقي حول هدفين رئيسيين: أوّلًا، الحد من الآثار المزعزعة للاستقرار التي أفرزتها السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، والتي تبنتها إدارة ترامب إلى حد كبير؛ وثانيًا، منع أي قوة إقليمية، سواء كانت إسرائيل أو إيران، من الانفراد بفرض هيمنتها على المنطقة.
وفي هذا السياق، تعود اعتبارات توازن القوى التقليدية إلى الواجهة. فسياسات المنطقة لا تُبنى على تحالفات ثابتة بقدر ما تقوم على المصالح المتغيرة، حيث قد يجد خصوم الأمس أنفسهم في خندق واحد لمواجهة طموحات طرف آخر. وهذه هي أبجديات السياسة الواقعية التي طالما حكمت العلاقات الدولية.
ويتقاطع هذا التوجه أيضًا مع قناعة متزايدة لدى هذه الدول بأنَّ التطبيع مع إسرائيل لا يمكن أن يتقدّم إلى ما لا نهاية من دون إحراز تقدم حقيقي على المسار الفلسطيني. ومن هذه الزاوية، يشكل هذا الموقف تحديًا مباشرًا للمنطق الذي قامت عليه اتفاقيات أبراهام، والذي سعى إلى تجاوز القضية الفلسطينية باعتبارها شرطًا لإعادة تشكيل العلاقات العربيةـالإسرائيلية.
صحيح أنَّ الفلسطينيين دفعوا مرارًا ثمن التحوُّلات الإقليمية والدولية، لكن القضية هنا تتجاوز فلسطين وحدها. فجوهر الخلاف يتمثل في رفض منح إسرائيل حرية إعادة رسم موازين المنطقة وفق رؤيتها الخاصة، مستفيدة من حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي أسهمت هي نفسها في تكريسها. وإذا استمرَّ هذا المسار، فإنه قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بين شركاء واشنطن في الشرق الأوسط، ويُسرّع في تآكل ما تبقى من النظام الإقليمي الذي ترعاه الولايات المتحدة.
وفي ظل هذا التنافس المتصاعد، يبقى السؤال المطروح: كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذه التحولات، سواء في عهد إدارة ترامب أو أي إدارة تأتي بعدها؟
فإسرائيل لطالما تمتعت بنفوذ استثنائي داخل واشنطن وبشبكة واسعة من الحلفاء والداعمين. غير أنَّ هذا الواقع قد يصبح أكثر تعقيدًا إذا بدأت السياسات الإسرائيلية يُنظر إليها باعتبارها عاملًا يهدد المصالح الأميركية نفسها. وقد يكون دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران نقطة تحوُّل في هذا الاتجاه، خصوصًا إذا استمرّت التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية للحرب في التفاقم.
وإذا ما ترسّخَ داخل واشنطن الانطباع بأنَّ إسرائيل تحوّلت من أصلٍ استراتيجي إلى عبء استراتيجي، فإنَّ السياسة الأميركية قد تشهد تحوُّلًا تدريجيًا، ليس بالضرورة نحو القطيعة، بل نحو قدر أكبر من الابتعاد وترك الأطراف الإقليمية تدير صراعاتها بنفسها. وسيعيد ذلك إلى الأذهان المرحلة التي أعقبت التدخل الأميركي في لبنان بين عامي 1982 و1984، عندما دفعت كلفة الانخراط المباشر واشنطن إلى تقليص دورها والابتعاد عن الساحة اللبنانية.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في حساباتها، بعدما اعتادت العمل في ظل دعم أميركي شبه مطلق. وعندها فقط قد تكتشف أنَّ إدارة الفوضى أسهل بكثير من التحكُّم بنتائجها.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
